الصفحة الرسمية للمتحدث باسم الرئاسة
من زيارة السيسي لتدريبات المنتخب المصري.

السلفية الكروية ومنتخب مصر

لماذا نلعب كرة القدم؟

منشور الجمعة 5 يناير 2024

السلفية ليست حكرًا على الأفكار الدينية، كما أنها لا تعني التطرف بالضرورة، فمن الوارد جدًا أن يلتقيا، ومن الممكن أن يفترقا. السلفية كما أعرفها وأُعرّفها هي التفكير في لحظة آنية بمعطيات لحظات سابقة في التاريخ، بحيث تصير العلاقة بينهما علاقة تأطير؛ السابقة تؤطر الحالية، وتؤطر كذلك التفكير فيها والتعامل معها.

كرة القدم نشاط إنساني ومجال عمل، تحتاج في جانب منها للتنظير، ولإيجاد فلسفة حاكمة ومنطلقات، هذه الفلسفة وتلك المنطلقات قد تكون سلفيةً بهذا المعنى.

لنفكر مثلًا في منتخب مصر لكرة القدم الذي يستعد هذه الأيام لخوض منافسات كأس الأمم الأفريقية، ونتساءل عن الفلسفة الحاكمة له في أذهان الكثيرين، سواء من الإدارة أو قطاعات المتابعين العريضة من المتخصصين وحتى الجماهير العابرة.

منذ نحو خمسين عامًا أو أكثر، كان التفكير في المنتخب باعتباره حصيلة مباشرة للمنافسات المحلية. من ثَمَّ، نُظِر للمنافسات المحلية باعتبارها مفرخة للمنتخب، بالتالي، كانت طرق التنظيم وآلياته وقواعده مرتبطة بفائدة المنتخب، أو ما يفترض أنه كذلك، فرأينا في ذلك أمورًا عجبًا.

منتخبات غير محلية

ومن بين ما رأينا، قرارًا أصدره اتحاد الكرة في منتصف الثمانينيات يمنع تقييد اللاعبين الأجانب في قوائم الأندية، لا حراسَّ المرمى فقط كما كان معمولًا به في السابق. لم يكن هناك عدد كبير منهم، ولكنَّ ذلك العدد القليل اضطر للمغادرة.

رأينا كذلك منافسات محلية تجري دون اللاعبين الدوليين، منها الدوري ذاته مرتين 1983-1984، و1987-1988، ونُظِر إلى هذا القرار باعتباره إجراءً طبيعيًا لم تملك الأندية حقَّ الاعتراض عليه.

كان ذلك هو الخطاب في السبعينيات والثمانينيات، الفترة التي شهدت بذور البرامج الرياضية التي تقدم خطابًا تنظيريًا مع فايز الزمر وغيره، وبدأ الجمهور يشاهد ويسمع فترات طويلة مخصصة للحديث عن الكرة، وكانت الجملة المركزية دائما أنَّ المنتخب له الأولوية، وعلى الأندية إنكار الذات.


لم يكن الباعث على ذلك الخطاب "وطنيًا" أو سياسيًا فحسب، فقد كانت هذه التركيبة الكروية هي السائدة في إفريقيا كلها؛ ينشط اللاعب في المنافسة المحلية لدولته، اللاعب المغربي أو التونسي أو النيجيري أو الغاني ينشط في بلده، في دوري بلده وكأس بلده.

كان الاحتراف في أوروبا شحيحًا، صحيح أننا بدأنا نشاهد لاعبين أفارقة في أوروبا، لكنَّ ذلك لم يكن هو القاعدة. مثلًا عندما يلعب الأهلي مع إينوجو رينجرز 1982، ثم الزمالك مع شوتنج ستارز 1984، كان الناديان المصريان يضمان معظم عناصر منتخب مصر، والناديان النيجيريان يضمان معظم عناصر المنتخب النيجيري، وتجميع لاعبي الفريق الأربعة في فريقين، سيكون تشكيلًا قريبًا من تشكيل مباراة منتخبي مصر ونيجيريا.

هل الوضع الآن كذلك؟

كلنا نعرف الإجابة. منتخب مصر حاليًا يضم بالأساس من نسميهم "المحترفين"، أي اللاعبين الناشطين في المنافسات الأوروبية، وإن لم يكن لدينا محترف في مركز ما، فليكن اللاعب المحلي. وهذا الأمر ليس قاصرًا على منتخب مصر، بالعكس، المنتخبات الأخرى لا تعتمد على المحليين لا في الاختيار الأول ولا الثاني، وهناك منتخبات لا تضم قائمتها النهائية أيَّ لاعب محلي.

ما هي "الكرة المصرية"؟

رغم هذا، مازال الكثيرون يتحدثون عن منتخب مصر بخطاب السبعينيات والثمانينيات من عدة أوجه، أولها أن هذا المنتخب هو مرآة، أو المُعبِّر عن "الكرة المصرية"، والكرة المصرية هذه في منافسة مع الدول الأخرى، وهو ليس كذلك، مثلما لا يعبر منتخب السنغال مطلقًا عن "الكرة السنغالية".

ثم إنَّ هناك سؤالًا قبل ذلك كله: ما معنى الكرة المصرية؟ ما معنى الكرة السنغالية؟ ما معنى الكرة النيجيرية؟ هل هناك شيء يمكن أن نطلق عليه هذا الاسم؟

ما نراه هنا بوضوح هو ضرورة تخطي هذا التعبير وتجاوزه، فهو شديد العمومية شديد التجريد، ويكون عادة حصيلة لأمور أكثر وأعقد من حصرها، التعامل معه يكون فقط في خواتيم الأمور، لتكوين صورة عامة مجازية للنشاط، أما عند التخطيط، فلا شيء بهذا الاسم.

المسابقات المحلية لا علاقة مباشرة لها بالمنتخب، لا في تكوينه ولا في تقييمه، إنما دورها بالأساس تكوين قاعدة عامة لممارسة اللعبة، هذه القاعدة تتسم بالاتساع والجودة، ولا هدف لها خارجها، بمعنى لا يرتبط التفكير فيها بإحالتها لما هو "أعلى" منها، وإن كانت بطبيعة الحال ستسهم في أمور كثيرة في كرة القدم وخارجها.

اتساع القاعدة وجودتها يتطلبان قدرةً على الإنفاق. ولما كانت الدولة المصرية غير قادرة على هذا الإنفاق من حيث المبدأ، وإن كانت قادرة فهي غير مؤهله، فإن الهدف الأول من هذه المسابقات أن تُدرُّ دخلًا يسمح للأندية بالإنفاق على أنشطتها، ويسمح لاتحاد الكرة بالإنفاق على المنتخبات.

ومن هنا فإن التفكير في المسابقات المحلية ينبغي أن ينطلق أولًا من رؤية اقتصادية، ثم تأتي أيُّ أمورٌ أخرى بما فيها الفنيات، وبما فيها أيضًا منتخب مصر.

لذلك، لا يمكنني لوم اتحاد الكرة على تنظيم بطولة مثل السوبر المحلي، أو توسعة المشاركة فيها، ولا تنظيم كأس الرابطة، ولا ولا ولا. لا يمكنني لومهم من حيث المبدأ، لكن ما نلومهم عليه بشدة هو افتقاد الرؤية الشاملة، وعدم القدرة على تجاوز السلفية الكروية، ليس فقط فيما يخص النظر لمنتخب مصر، وإنما سلفية في النظر لكافة عناصر اللعبة.

وهذه السلفية هي ما يعطل قرارات كثيرة باتت واجبة، مثل تقليص عدد أندية الدوري، وتحسين الدرجات الأدنى، والقوانين المنظمة لوضعية الأندية من حيث الملكية ومصدر السلطة في النادي.

باختصار، الكرة المصرية ليست هي منتخب مصر، إنما هناك عشرات الملفات التي ينبغي أن تتحرر من إرث ضخم، صحيح أنه مشرف وعريق، لكنه في الوقت نفسه معوق إن تعاملنا معه بـ"نصية"، كما يتعامل السلفيون مع نصوصهم المقدسة.