برخصة المشاع الإبداعي- ويكيبيديا
كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة

متى تتحرر كلية الاقتصاد والعلوم السياسية من الاستعمار؟

منشور الأربعاء 3 يناير 2024

بنظرة عابرة على كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة، لا يسع المرء إلا إدراك أن القلق الأكبر لدى إدوارد سعيد يتحقق بالفعل كل يوم. عند تأسيس الكلية في خمسينيات القرن الماضي، جرت الاستعانة بكتاب في مقدمة العلوم السياسية لكاتب كندي، وفقًا للأستاذ محمد صفار، لم تتعمد الكلية تدريس التنظير العربي إلا في مواد محدودة للغاية، بينما في سائر المواد يتوقف تقديم أي ظاهرة من منظور حضاري عربي على رغبة الأساتذة. 

ندرُس مناهج البحث التي وضعها الغرب، التي تبحث النظريات التي أسسها الغرب عن تطور السياق الغربي السياسي. نغيب بمنطقنا مرة أخرى تمامًا عن المشهد، حتى في أكثر مراحل الدولة العثمانية تمددًا واتساعًا، وحتى في أكثر الفترات العربية إسهامًا في الحقل المعرفي السياسي. تخبرنا الكلية منذ اللحظة الأولى أن معرفتنا ليست جديرة أن تُعرف، وأن سياقنا التاريخي بكل تعقيده واشتباكه مع الحضارات المجاورة ليس بهذه الأهمية ليُدَرَّس.

في سنتي الثانية درسنا مادة الفكر السياسي ومراحل تطوره التي تبدأ من أفلاطون وصولًا إلى كارل ماركس، وتغيب تمامًا المساهمات العربية. وفي خلال دراسة مادة "نظم سياسية مقارنة" التي تهدف إلى التعرف على نظريات ومناهج مختلفة لدراسة العلوم الاجتماعية. تبدأ المادة بدراسة مدرسة "التنموية السياسية" التي طورها علماء الاجتماع والسياسة في خمسينيات القرن الماضي لدراسة الدول "الحديثة"، ومن روادها جابرييل ألموند. 

الاستشراق ومناهج البحث

نجح الاستعمار في تهميش تنوع الخطابات العربية، ما تجلى في التحكم بصناعة المعنى وإنتاج المعرفة. في كتابه الاستشراق درَس إدوارد سعيد المنهجيات التي أثبتت فشلها في دراسة المنطقة العربية، حيث شوهت مناهج البحث الاستشراقية المعنى الحقيقي في العلوم الاجتماعية والنظريات والأوساط الأكاديمية، وأدى الخطاب الاستشراقي إلى استدامة تشويه إنتاج المعرفة العربية بصورة كبيرة.

مثل هذا الخطاب لا يسهم حقيقة في فهم طبيعة المجتمعات العربية، بل يُعنوِن هذه المجتمعات بأنها بدائية وتفتقر للأساس الفكري للتنافس مع الإنتاج المعرفي والأكاديمي الغربي.

الثقافة الأوروبية ذاتها ترى نفسها بالتباين عن الثقافة الشرقية. تتضح الهوية الأوروبية وتزداد قوة بوضع نفسها في مقابل الشرق، بالتالي يمكننا فهم الاستشراق من خلال تموضع الغرب باعتباره ذاتًا بديلة للشرق. يعتبر الاستشراق على حد تعبير سعيد مؤسسة مؤلفة من عناصر مختلفة تحلل وتعنون وتصدر أحكامًا، وتستوطن الشرق للسيطرة عليه وإعادة تشكيله. 

غلاف كتاب "الاستشراق" لإدوارد سعيد

كان القلق الأكبر عند إدوارد سعيد أن تتحول النخب العربية إلى نخب استشراقية بالضرورة، وبالتالي تعنون ثقافتها الخاصة، وعلمها الخاص باعتبارهما علومًا وثقافةً بدائيةً. حين تصبح النخب العربية فاعلًا مشاركًا في عملية إنتاج المعرفة الاستشراقية التي تخلق من المواطن الأبيض مركزًا معياريًا وتعترف بتميزه المعرفي، ومن المواطن العربي مواطنًا ساعيًا أن يكون أبيضَ في يوم من الأيام، وأن تصبح النخب العربية داعمة للنمط الغربي في الهيمنة وإعادة هيكلة عمليات إنتاج المعرفة للسيطرة على الشرق.

بالتالي تصبح النخب الفكرية العربية مستعمرَة، كجزء من الممارسات النيوليبرالية لإحكام القبضة على السلطة والمعرفة، بحيث تقع سلطة إنتاج المعرفة في يد عرق واحد، وتستبعد سائر الأعراق من هذه العملية. 

خطى واثقة نحو الاستعمار

في مقاله "نهج تنموي في دراسة النظم السياسية" قرر ألموند، أن يتحدث عن الدول الناشئة، وكيف يحتاج الغرب أن يطور من أدوات بحثه لدراسة هذه الأمم "الحديثة وغير الغربية" التي نالت استقلالها مؤخرًا.

تعالج هذه المدرسة قضية الاستعمار باعتبارها قضية هامشية للغاية لقصة الدول العربية، وبالتالي يجب أن يجتمع علماء الاجتماع والسياسة لدراسة ما وراء "تخلف" هذه الدول، دون أن يخطئ أحدهم ويتحدث عن الفيل الذي يقف في منتصف الغرفة، وأن هذه الدول المتقدمة قد قامت على حساب الدول المستعمرة "الناشئة"، على حد تعبيرهم. 

وكان من ضمن التفسيرات، أن المجتمعات المتخلفة عن الحداثة تقوم على النسب إلى العشيرة أو القبيلة، بينما تقوم المجتمعات الحديثة على مبدأ الجدارة. لم تذكر المدرسة كيف تقوم المجتمعات الحديثة على مبدأ الاستعمار واحتكار الثروة، كما لو كان جدلًا فرعيًا تمامًا. 

في نهاية الصف، درسنا النقد الذي وُجه إلى هذه المدرسة، ويأتي في مقدمته انعزال رواد مدرسة التنموية السياسية عن الواقع العربي، وهو ما يتماشى مع نقد آخر وجه لهذه المدرسة بسبب اعتقاداتها الخاطئة المسبقة الاستشراقية عن المجتمعات العربية، بالإضافة إلى رفض العرب الاستماع إلى إرهاصات هذه المدرسة نتيجة لصراعهم الدموي ضد الاستعمار الغربي.

لسائر السنة درسنا كل البدائل الغربية للمدرسة التنموية. لذلك نعرف تمام المعرفة كيف ينظر لنا الغرب، فقط لا نعرف كيف ننظر نحن لأنفسنا، نغيب بمنطقتنا مرة أخرى عن المشهد. 

هنا تجب الإشارة إلى أن مناهج الدراسة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية تتبع المدرسة السلوكية/الوضعية في العلوم الاجتماعية التي اشتهرت بعد الحرب العالمية الثانية، وتبنت مناهج البحث الخاصة بالعلوم الطبيعية في العلوم الاجتماعية. بالتالي تُدرس الشعوب كما تُدرس الذرات.

نعرف تمام المعرفة كيف ينظر لنا الغرب فقط لا نعرف كيف ننظر نحن لأنفسنا نغيب بمنطقتنا مرة أخرى عن المشهد

تطبعت هذه المدرسة بالتيارات التي تلت اشتهار نظرية النسبية ونظريات فيزياء الكم، بالتالي تحولت فيها الحقائق إلى احتماليات، وبدلًا من الأبيض والأسود، غرق البحث الاجتماعي في الرمادية. وفي النهاية أصبح الباحث يستبعد القيم من التحليل ويعتمد أن يلتزم دومًا بـ"الحياد".

تتجاهل المدرسة السلوكية الوضعية، بطبيعة تعريفها، العناصر المعقدة داخل كل ظاهرة اجتماعية، وبالتالي يُفقد جزء كبير من الأنماط المهمة والمؤثرة في كل ظاهرة اجتماعية غريبة عن السياق حيث نشأت المدرسة السلوكية. 

هل يجب أن نلتزم "الحياد" عند الحديث عن القضية الفلسطينية؟ 

في يومي الأول داخل الكلية علمتنا أستاذة "مدخل إلى العلوم السياسية" الفارق الجوهري بين عالم السياسة والسياسي. على حد تعبيرها عالم السياسة يختص بإنتاج المعرفة الخاصة بالمجال العام والوضع السياسي ونظريات السلطة والقوة، وأننا ندرس في هذه الكلية حتى نكون علماء سياسة وليس بالضرورة ساسة.

في يومي الأول داخل محاضرة منهجيات البحث، تعلمنا كيف يجب أن يقف عالِم السياسة موقف الحياد من أي ظاهرة كي يتسم بالموضوعية. كان الأمر بهذه البساطة، يجب أن أكون عالمة سياسة تتسم بالحياد والموضوعية. لكن ما الذي يعنيه الحياد والموضوعية في عملية إنتاج المعرفة؟ وما الذي يعنيه الحياد والموضوعية عندما نتحدث عن القضية الفلسطينية؟ 

أذكر مرة أخبرتنا أستاذة في الكلية أن من حسن حظنا كعلماء اجتماع ندين الاحتلال الإسرائيلي أن إسرائيل تحتل كلًا من القدس والضفة الغربية وتحاصر غزة. هكذا يمكننا أن نقول في أوراقنا البحثية "الاحتلال الإسرائيلي" بدلًا من إسرائيل، دون أن نخترق مبدأ التزام الحياد وفقًا للمعايير الغربية. وهنا لا يسعنا سوى أن نتساءل لماذا لا نزال نلتزم بالمعايير الغربية في البحث باعتبارها المعايير الصحيحة الوحيدة؟ لماذا تغرق أبحاثنا في الرمادية بدلًا من الإدانة الواضحة للاحتلال الإسرائيلي؟

متى يصبح علم السياسة قادرًا على عنونة الشر والخير؟ وبالطبع لا أقصد هنا أن ننتج علمًا غير مدعوم بحقائق ودلائل وأمانة علمية، ولكن أعني ألَّا نقتات معايير الحقائق والدلائل من الغرب الذي يرفض أن يدين الاستيطان الصهيوني لـ75 عامًا. 

فإن لم تكن العلوم السياسية قادرة على تسمية الاحتلال الإسرائيلي بالاحتلال، حتى دون حصار غزة واستيطان الضفة الغربية والقدس، فهل لها أن تكون عِلمًا حقًا أم تقف عاجزة تمامًا كما نقف نحن على جثث أطفال فلسطين؟


المصادر: 

  • محمد صفار، علم السياسة في مصر التاريخ والتوجهات، جدلية، 2014. 
  • روان عباس، مناهج بحث مناهضة للاحتلال، Cairo52، 2023. 
  • إدوارد سعيد، كتاب الاستشراق، 1979. 
  • جابرييل ألموند، نهج تنموي في دراسة النظم السياسية، World Politics، 1965.