تصميم: يوسف أيمن - المنصة

الذين حملوا حياتهم في حقائب

قصة عن التهجير لا يحكيها الأكاديميون

منشور الخميس 3 نوفمبر 2022

دائمًا ما أحاول كتابة قصص التهجير التي توارثتها عن أهلي، وشكَّلت هويتي كواحدة من أبناء المُهجّرين الذين سمعوا هذه القصص بدلًا من حكايات ما قبل النوم، خاصة بعدما كبرت لأجد أننا لا نكاد نذكر في كتب التاريخ الأكاديمي.

كان يستوقفني القلق من أن حكايتي ربما تبخس من حقهم أو قصصهم الأصلية. لسنوات ظللت أسمع من أهلي وسكان مدينتنا بورسعيد عن دور المقاومة، والمهجرين، والمستبقين الذين ظلوا في المدينة لمساعدة المقاومة والجيش خلال الحروب، التي لم تؤثر في أحد غيرنا.

وبعد عقدين تقريبًا، اخترت التاريخ تخصصًا في الجامعة، فلم أجد سطرًا واحدًا عن مأساة عائلتي، عن شعب المدن الثلاث الذين حملوا حياتهم في حقائب وهاجروا إلى قرى ومراكز لم يعرفوا أسماءها من قبل.

يُبرر الأكاديميون ذلك الغياب بأن المناهج تذكر المهم فالأهم، ولكن من يحدد هذه الأهمية؟ ألا يستحق نادي محلي تدرب لسنوات في الشتات وشارك لاعبيه في الحرب واستشهدوا، أن يُذكروا ولو لمامًا.

مؤخرًا، تعرفت على التأريخ الشفهي من خلال ورش حضرتها، فكشف أمامي طريقًا لجمع وتوثيق قصة أهلي القابلة للاستثارة. لا زلت أذكر بكاء خالتي في 2015 عند سماعها أخبار تهجير أهالي سيناء، "التهجير وحش قوي قوي، ماحدش هيحس بيهم غير اللي اتهجر زيهم".

بين مراكب صيد وسرير نحاسي

"كنا ما بنطيقش نقعد كتير برة بورسعيد" تكرر أمي أن وجودهم في المدينة أهون ولو تحت القصف. تروي كيف أنَّ التهجير في بورسعيد تأخر عن الإسماعيلية والسويس، اللتين هُجر سكانهما من وقت النكسة، إذ لم يكن إجباريًا في مدينتنا حتى 1969.

وفي تبعات النكسة وحتى حرب الاستنزاف والتهجير الإجباري، حين تكثفت الغارات على بورسعيد، هرب النساء ليلًا بأطفالهن لأول مركب صيد في بحيرة المنزلة إلى أي قرية على الضفة الأخرى.

تتذكر أمي اضطرارهم لهذا النزوح مرتين، أولهما عام 1967، دون أن تتذكر الشهر أو اليوم، إذ كانت طفلة وقتها، لكن ما بقي في ذاكرتها بعدما تجاوزت الستين عامًا أنهم ركبوا مركبًا للصيد في عتمة الليل، والطائرات تلمع فوقهم أكثر من النجوم.

رحلت عائلة أمي دون جدي الذي بقي في المدينة ضمن رجال يقدمون خدمات حيوية، لخدمة المقاومة والجيش

بعد رحلة مرعبة، وصلوا للبر الثاني، تحديدًا قرية النسايمة في الدقهلية، فرفض أهاليها دخلوهم مبررين أن اليهود قادمون وراءهم. فمشوا لقرية أخرى مجاورة اسمها العجايرة -العزيزية الآن- وهناك رحب أهلها بهم، وفتحوا لهم المستوصف الصحي ليقيموا فيه أسبوعًا، عادوا بعده لبورسعيد.

أما المرة الثانية، فكانت وقت قصف المطارات، والتي نالت من مطار بورسعيد أيضًا. نزحت جدتي بأمي وإخوتها، صبيين وأربع فتيات، في مركب صيد، وخلفها مراكب أخرى لا تتذكر عددها. كل عائلة في مركب، وصولًا للسنبلاوين بالدقهلية حيث أقاموا شهرًا ولكن هذه المرة داخل مدرسة.

عُدت للتاريخ المدون بعدما عجزت ذاكرة أمي عن تحديد تاريخ القصف، مستعينة باستهداف المطار كمدخل، لأجده قُصف أكثر من مرة بعد النكسة. ولكن أغلب الظن أن ما تقصده أمي كان في معركة رأس العش، إذ أن باقي المعلومات تشير إلى إنه قصف في عملية بوكسر وعملية روستر سنة 1969 لكن عائلتي وقتها كانت هاجرت بالفعل. 

وبخلاف المرتين، كان الأهالي يهرعون مع تزايد الغارات نحو المخابئ البعيدة عن منزل جدتي، فكانت تنادي على أطفالها وتختبئ بهم تحت السرير النحاسي العالي. وهم على عكسها لا يخافون بل ويسخرون من خوفها وتمسكها بالاختباء.

تتذكر أمي "كنّا صغارًا، ولدنا وجدنا الحرب، هذا أول وعينا، لم نكن نخاف كثيرًا من الغارات ولا الطائرات بعكس الكبار، كنّا نحب مشاهدة الطائرات ونحن في عرض البحيرة نازحين لقرية مجاورة".

التهجير الإجباري

بدأت الحكومة تلزم المدنيين خاصة النساء والأطفال بالهجرة مع انتهاء السنة الدراسية عام 1969. التهجير كان إداريًا ومنظمًا، يمنح كل تلميذ في سنوات النقل "كارت" يتيح له الالتحاق بأي مدرسة في القرية أو المركز الذي سيهاجر أهله إليه. أما الحاصلين على الشهادات فالتقديم بالشهادة.

دور الحكومة كان ذا وجهين؛ بالنسبة للأهالي الذين اختاروا وجهات معينة نسقت رحيلهم عن المدينة وتوفير المواصلات لهم وسيارات نقل العفش، أما بالنسبة للأهالي الذين لم يختاروا جهة تولت نقلهم بشكل كامل، وفتحت لهم المدارس والمستوصفات ليعيشوا فيها. تخبرني أمي "كان لي زملاء وأصدقاء طيلة خمس سنوات عاشوا في مدارس".

اختار أهل والدتي النزوح إلى قرية الكردي في محافظة الدقهلية، لأن ابنة جارتهم كانت متزوجة في الإسماعيلية، وسبقتهم في الهجرة إليها في عام 1967.

رحلت عائلة أمي دون جدي الذي بقي في المدينة ضمن رجال يقدمون خدمات حيوية، لفرق المقاومة الشعبية وللجيش، وبعدها مات وحيدًا في المستشفى متأثرًا بمرضه بينما عائلته في مكان آخر. 

جحيم آخر في الكردي

في قرية الكردي، يبدأ جزء صعب من القصة، نتيجة تخوف أهالي القرية من المهاجرين، وكأنهم جاؤوا  لأخذ بيوتهم وأرزاقهم.

واجه أهلي الرفض في مواقف كثيرة، بداية من المنزل الذي أغلقت صاحبته المطبخ أمام عائلتي، وجعلته عشة للبط، تأتي لتطعمه ثلاث مرات يومًا، حتى جملة "غليتوا علينا المِش!"  التي كانت تقال للمهاجرين في أي مناسبة.

لم تكن في القرية مدرسة إعدادية، لذا كانت خالاتي الأكبر سنًا يرحلن مع خيوط الفجر، ولا يعدن قبل المغرب، يقطعن المسافات يوميًا للوصول للمدرسة، وهو ما دفع عائلتي في السنة التالية لهجرة جديدة لمركز  المنزلة لأن به مدرسة إعدادية.

في المنزلة كان الوضع أفضل نسبيًا، منزل خاص، ومدارس قريبة. تقول أمي إن المنازلة كانوا يحبون النادي المصري رغم أن أغلبهم أهلاوية، لأن لاعب المصري الذي استشهد في حرب 73 عبده أبو حسين كان منزلاوي الأصل.

كانت تصلنا في الشتات أغاني الطنبورة الذين غنوا للتهجير والمقاومة من خلال الرجال المستبقين الذين أتوا في الإجازات لزيارة عائلاتهم.

أغنية شوفتوشي لفرقة الطنبورة


مع السلامة يا مهاجرين

أخذت أمي يومًا كاملًا لتتذكر أغنية الطنبورة التي غنوها بعد العودة من الهجرة، ولم تتذكر منها سوى كوبليهًا واحدًا "ولما وصلنا كفر الدوار، قعدونا ع التاليتوار، كل ناموسة تجر حمار". وفي اليوم التالي تذكرت مطلعها "مع السلامة يا مهاجرين ياما شفتوا ياما من الفلاحين". بحثت بدوري عن الأغنية، فلم أجد لها سوى تسجيلًا واحدًا سيئًا جدًا على يوتيوب، ولا تُسمع فيه كلماتها بوضوح.

تكررت على مسامعي رواية أمي من آخرين، تأكدت أن ما عاشته عائلتي كان جماعيًا ومشتركًا بين أهالي بورسعيد، كلهم عانوا. كلهم يتذكرون كلمات الترحيب الشحيحة، والمنازل المقسمة بين ثلاث أسر، والمراتب التي فُرشت على الأرض في مدارس أفرغت للمهاجرين، وكيف تمسكت الحكومة بوصفهم "مهاجرين" لا مهجّرين ولا نازحين، لخوفها من ربط وضعهم بأزمة التهجير القسري للفلسطينيين التي لم تكن بعيدة في الذاكرة بعد. 

البورسعيدية وناصر

سألت أمي لماذا لم تهجّروا إجباريًا منذ النكسة كالإسماعيلية والسويس، أخبرتني أن الوضع في السويس والإسماعيلية كان أسوأ؛ شبه مقتحمتين، الإسماعيلية تحديدًا عانت من الدك بالطائرات ليل نهار، لكن عبد الناصر كان يشدد على أن بورسعيد يجب أن تصمد، "عبد الناصر قال إلا بورسعيد، لو بورسعيد وقعت مصر كلها هتقع".

تلك الجملة سمعتها من بورسعيدية كثرٌ في سن أمي أو أكبر. بحثت في خطابات الرئيس الراحل عنها ولم أجد شيئًا، فكرت هل أدونها أم لا، لكن بما أن رواية الأهالي في أدبيات التأريخ الشفهي مصدر رئيسي، دونتها. وسواء كانت قيلت أم لا، فهي تعكس ارتباط البورسعيدية بعبد الناصر الذي كان "معتزًا دائمًا ببورسعيد" على حد وصفهم.

تدوير الحكي

حكي تاريخ المدينة في بورسعيد فعل دائم، فكما نشأ جيلي ومن هم أكبر مني على قصص هجرة أهاليهم، شب هؤلاء الأهالي على ما رُوي لهم من قصص المقاومة في 56، من اصطياد العساكر، والتصدي لهم بالماء المغلي، والزيت وسكاكين المطبخ والشوم والطوب.

أغنية بلدي بلد الفدائيين لفرقة الطنبورة


وعلى عكس قصص وشهداء آخرين تظل أسماؤهم تتردد على نطاق واسع، فإن شهداء بورسعيد، والمهجرين منها، يكاد لا يذكرهم أحد خارجها. فشهيد النصر لا يرثيه أحد، مهمش أكثر من شهداء الهزيمة، يكفيه نصره. كذلك المهجّرين الذين عادوا لمدنهم بعد الحرب، لا أحد يسأل العائد ماذا فعلت بك الهجرة؟