زمن الثمانينات الجميل: أيام أبو غزالة (2-3)

منشور الثلاثاء 12 يناير 2016

تناول الجزء الأول من المقالة جانبا من ثمانينيات المشير عبد الحليم أبو غزالة الحافلة بالأحداث، حيث حَكى عن مقته الشديد لروسيا وتوطيده لصداقة قوية مع الولايات المتحدة الأمريكية، نتج عنها حصول مصر على معونة عسكرية أمريكية سنوية ثابتة، ثم تدميره تلك الصداقة للأبد، عند قيامه بمحاولة فاشلة لتهريب تكنولوجيا صواريخ من واشنطن، والقبض على من قام المشير بتجنيدهم لإتمام العملية متلبسين واعتراف أحدهم عليه أمام المحاكم الأمريكية.

زمن الثمانينيات الجميل.. أيام أبو غزالة (1-3)

يَقُص عليكم الجزء الثاني من المقالة جانبا آخر من ثمانينيات المشير، يدور حول إيمانه الرصين بأن الانفتاح الساداتي لا بد وأن يمتد أيضًا للمؤسسة العسكرية، وقيامه بتحويلها للبيزنس، أي لإنتاج سلع وتقديم خدمات استهلاكية، وبذلك كان أبو غزالة هو من قام بوضع أسس الإمبراطورية الاقتصادية المتشعبة التي يمتلكها الجيش المصري اليوم.

خاضت مصر آخر حروبها ضد عدوتها القديمة إسرائيل، بل ووقعت اتفاقية سلام مع تلك العدوة، في السبعينيات. ومن ثَم وجد الجيش المصري نفسه فجأة بلا وظيفة يقوم بها، وكاد أن يفقد أهميته في مجتمع أتعبته عقود الحروب وركن إلى دعة الانفتاح، خاصة بعد أن أثرى الكثير منه ثراءً سريعًا في سوق حُر يمور بكل ما هو غير مشروع، وذهب كثيرون آخرون منه للعمل في دول الخليج النفطية المحافظة وعاد لمصر بأموالها وأنماط استهلاكها الكبير النَهِم. ولمجابهة تلك الأزمة، قام أبو غزالة بنجاح بإعادة تدوير المؤسسة العسكرية المصرية لتلائم العصر، وتحويلها إلى أنشطة تجارية تُرضي رغبات المواطن حديث الثروة المُستهلِك وتتربح منه.

 

استخدم أبو غزالة "جهاز مشروعات الخدمة الوطنية" - والذي تم إنشاءه فور توقيع اتفاقية السلام-  كقاعدة انطلاق له. بعد عام واحد من تعيينه وزيرًا للدفاع، تحديدًا في أبريل 1982، قام أبو غزالة بإصدار قرار وزاري لتعديل اللائحة الداخلية للجهاز لمنحه الحق في إنشاء أية أنواع من الشركات وتوسيع أنشطته داخل وخارج مصر، بالتعاون مع رأسماليي الانفتاح المصريين أو الأجانب على السواء. نص قرار المشير على أن "يتولى الجهاز القيام بكافة الخدمات والأنشطة الاقتصادية والصناعية والزراعية والإدارية والتجارية والمالية في الداخل والخارج.. ويكون للجهاز في سبيل تحقيق أغراضه تأسيس الشركات بكافة صورها سواء بمفرده أو بالمشاركة مع رأس المال الوطني أو الأجنبي".[1] وفوق ذلك، أصدر أبو غزالة قرارًا بجعل أنشطة الجهاز "سرية" مستثناة من رقابة وتفتيش الجهاز المركزي للمحاسبات.[2]

استثمر الجهاز مبدئيًا في مزارع تجارية مَديدة، في مناطق، مثل النوبارية، أنشأ عليها مصانع الخضروات المجمدة ومعامل الألبان والدجاج والبيض والمجازر المميكنة وغيرها، حتى احتكر ما يقرب من خُمس سوق إنتاج الغذاء في مصر في عام 1986. [3] وقام الجهاز بإنشاء آلاف المخابز الأوتوماتيكية ونصف الأوتوماتيكية لإنتاج العيش البلدي المدعوم، أكد أبو غزالة بفخر أنها كانت تنتج خمسة مليون رغيف في اليوم الواحد للمدنيين، تُباع في أكشاك توزيع خاصة بالجيش منتشرة بكل مكان.[4]

ثم اتجه الجيش لبناء مراكز التسوق الكبرى، أو "الشوبنج مولز" على النمط الأمريكي، في مناطق حضرية صاعدة للطبقتين الوسطى والعليا مثل مدينة نصر، والتي كانت في معظمها أراضٍ صحراوية عليها معسكرات للجيش، ثم قام الجيش بإخلائها وبيعها للأهالي أو إنشاء مشروعات سكنية وتجارية خاصة به عليها. كان مول شارع عباس العقاد أحد أضخم الأمثلة على هذا، وامتد على مساحة ثلاثين ألف متر مربع ليحتوي على 250 محل تجاري، جرى تصميمه على غرار مركز تسوق سابق عليه وهو طيبة مول، وتم بيع محاله بعد ذلك لأفراد مدنيين.[5]

وفي التوقيت ذاته، كانت الهيئة العربية للتصنيع- التي تدير القوات المسلحة مصانعها للأسلحة - تتجه نحو تجميع سيارات مدنية من ماركات أجنبية رائجة، مثل البيجو الفرنسية والسوزوكي اليابانية والشيروكي الأمريكية، حتى تبيعها للفئات الاجتماعية الصاعدة طبقيًا من أصحاب الثروات الجديدة، الذين تزايدت رغباتهم عندئذ في اقتناء سيارات خاصة، بدلًا من استخدام وسائل النقل العمومية التي صارت الركوبة البالية المتهالكة للطبقات الدنيا والفقراء.[6]

 

ولخدمة تلك الفئات الاجتماعية نفسها، اتجه جيش أبو غزالة أيضاً لبناء المستشفيات "التخصصية"، والتي برزت وانتشرت في تلك الفترة كنتيجة للتحالف بين رأسمال الانفتاح والطب ذي التوجه التجاري، فأقام المستشفيات الاستثمارية المربحة التي قدمت خدماتها في مجال "السياحة العلاجية" لأثرياء الخليج، وعالجت المصريين المدنيين بمصروفات عالية، وكان مما أنشأه أبو غزالة في ذاك الوقت "المدينة الطبية" بمستشفى كوبرى القبة العسكري.[7] 

وبمرور الوقت تحول الأمر من مجرد إعادة تدوير للمؤسسة العسكرية، إلى خلق وضعية هيمنة اقتصادية كاملة لها. احتكرت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة وقتها تنفيذ مشروعات البنية التحتية الحكومية، مثل بناء الكباري ككوبري أحمد سعيد، وإنشاء آلاف الشقق السكنية لوزارة الإسكان، وبناء المدارس لوزارة التعليم، وإنشاء محطات تحلية المياه لوزارة المياه والصرف الصحي، وحتى بناء قصور الثقافة لوزارة الثقافة، ومطارات لوزارة الطيران المدني مثل مطار غرب الإسكندرية. قامت الهيئة الهندسية ببناء قاعة المؤتمرات الدولية بمدينة نصر، واستادات رياضية ضخمة ونوادي وملاعب مدنية. وفوق ذلك، قام سلاح الإشارة بتجديد كابلات التليفون والسنترالات في مناطق كثيرة لوزارة الاتصالات.[8]


عمالة العبيد

عند افتتاح كل مشروع، كان أبو غزالة يؤكد أنه يهدف بالأساس إلى الاكتفاء الذاتي للقوات المسلحة، ولتخفيف العبء عن كاهل المواطن والدولة في مشروعاتها التنموية، دون أن يؤثر ذلك على الكفاءة القتالية للجيش.[9]

لم يكن أبو غزالة ليشرع في بناء إمبراطورية البيزنس تلك إن لم يتوفر له موردان أساسيان دون أدنى تكلفة: الأرض والعمالة الوفيرتان.

أما عن الأرض، كانت القوات في سنوات الحروب قد وضعت يدها على مساحات ضخمة من أراضي الدولة وممتلكات الأهالي داخل المدن أو في الصحراء لاستخدامها كمعسكرات للوحدات، وبدلاَ من رد تلك الأرض للدولة أو أصحابها الأصليين من المدنيين، قام الجيش في الثمانينيات إما ببيع تلك الأرض لحسابه أو إنشاء مشروعات خاصة به عليها. أعلن أبو غزالة هدم الوحدات العسكرية في مدن مثل القاهرة والإسكندرية في عام 1981 مؤكدًا أن هدفه من ذلك هو "بيع هذه الأراضي وإقامة مجتمعات سكانية جديدة مكانها".[10] ولتقنين تلك العملية، أنشأ مبارك "جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة" خصيصًا لهذا الغرض، ونص القرار الجمهوري رقم 224 لعام 1982 على أن لهذا الجهاز الحق في التصرف في الأراضي والعقارات التي تُخلَى من المعسكرات وأيضًا إنشاء الشركات الخاصة به.[11] قام أبو غزالة ببناء عشرات الآلاف من الشقق السكنية للضباط، والذين قاموا بدورهم ببيع الكثير منها لمدنيين بأسعار مضاعفة، وقام أيضًا ببناء وبيع مدن سكنية كاملة للمدنيين.[12] وفوق ذلك، قام الجيش ببناء قرى سياحية على أراضٍ ساحلية كان قد وضع يده عليها، مثل قرية سيدي كرير في الساحل الشمالي.

أما عن العمال، قدم مئات الآلاف من المجندين كل عام عمالة مجانية قسرية لمشروعات أبو غزالة. بدأ أبو غزالة باستخدام المجندين الأُميين القادمين من الأرياف في تشغيل أفران الخبز، مؤكدًا أن تلك المهمة تناسبهم لأنها لا تتطلب خبرات فنية. كانت الهيئة الهندسية عندما تقوم ببناء مخبز جديد، تُلحق به عنابر من طوابق مختلفة للمجندين الذين سيقومون بتشغيله.[13]  أما عن المجندين من أصحاب الحرف المهنية والمهارات الفنية ومن غير ذوي المؤهلات، استخدم أبو غزالة خبراتهم كعمالة مجانية، بعد أن كان قانون التجنيد قد خفض مدة خدمتهم بشرط أن يمارسوا حرفهم داخل القوات المسلحة طوال مدة الخدمة.[14] وكان بعض رجال أعمال الفترة الغاضبين من منافسة الجيش لهم في أعمالهم قد أطلقوا على ممارسات تشغيل المجندين تلك "عمالة العبيد".[15]

يضاف فوق ذلك الإعفاءات الضريبية والجمركية التي تمتعت بها مشروعات أبو غزالة. أصدر مجلس الشعب قانون رقم 91 في عام 1983 ليعفي وزارة الدفاع من سداد أية جمارك ورسوم ضرائب على الواردات التي تجلبها "لأغراض التسليح"، ووضع من ضمنها وسائل نقل وآلات وأدوات وأجهزة طبية وأدوية، وجميعها قد يدخل في الأنشطة التجارية للجيش، وفي جميع الأحوال فشحنات القوات المسلحة سرية ولا يجوز تفتيشها للتأكد من كون محتوياتها داخلة في أغراض التسليح من عدمه. وفي العام التالي منح مجلس الشعب لوزارة الإنتاج الحربي الإعفاءات الجمركية نفسها، من خلال قانون رقم 2 لسنة 1984. وعندما قام مبارك بإصدار قانون جديد للجمارك في عام 1986، حافظ فيه على تلك الامتيازات التي تمتعت بها الوزارتان.[16]

أقبل أبو غزالة على مشروع بيزنس مثير للجدل مع شركة أمريكية، وانتهى بفضيحة أخرى له. إضافة لمنصبه كوزير للدفاع والإنتاج الحربي، كان أبو غزالة يشغل مناصب مدنية أخرى منها نائب رئيس الوزراء ورئيس اللجنة العليا لسيارات النقل المدني على سبيل المثال. دخل أبو غزالة في مفاوضات طويلة استمرت لمدة عامين مع شركة جينرال موتورز الأمريكية لأجل توقيع اتفاق انتاج مشترك للسيارات معها، ونجح أخيرًا في ذلك في عام 1986. لم تكن جينرال موتورز  ترغب في توقيع العقد، ولكنها خضعت لضغوط من السفارة الأمريكية بالقاهرة، ثم تعهدت هيئة المعونة الأمريكية أيضًا بدعم المشروع بمبلغ يصل إلى 200 مليون دولار – تُستقطع من أموال المعونة الاقتصادية للبلد. قرر أبو غزالة منح جينرال موتورز مصنع النصر للسيارات – وهو قطاع عام ملك الدولة- لتستخدمه في عملية الإنتاج، مما أثار عليه هجوم شديد في وزارة الصناعة المصرية وصحف المعارضة عندئذ، لأن ذلك سيؤدي لأن تصبح صناعة السيارات في مصر مجرد تابع لشريك أمريكي.[17]

 وفوق ذلك، يحكي روبرت سبرينجبورج- عالم السياسة الأمريكي المعاصر للحادثة- أن العديد من موظفي هيئة المعونة الأمريكية بالقاهرة اعترضوا بشدة على الصفقة حتى تقدموا باستقالتهم لإعلان احتجاجهم، مما تسبب في ظهور الفضيحة. كان أبو غزالة قد عمل مع السفير الأمريكي في القاهرة نيكولاس فيليوتس والقنصل التجاري إيد روزن لعقد تلك الصفقة غريبة الشأن. قام كلاهما بإجبار مكتب هيئة المعونة بالقاهرة على إعادة توجيه جزء من أموالها لدعم الصفقة، بدعوى أنها تصب في النهاية لخدمة المصالح القومية الأمريكية. اعترض العديد من الموظفين بالهيئة على الأمر واعتبروا أنه يجعل من برنامج المعونة الاقتصادية مجرد مُزحة، ولكن تم نقلهم من مناصبهم لمواقع أخرى.[18] في نهاية الأمر فشلت الصفقة، ولم ينل المشير ما أراده.


الجزء الثالث والأخير من أيام أبو غزالة: في هذا الرابط

 


 [1] وزارة الدفاع والإنتاج الحربي، قرار رقم 23 لسنة 1982، الوقائع الرسمية 12 أبريل 1982، عدد 86.

[2] وزارة الدفاع والإنتاج الحربي، قرار رقم 262  لسنة 1985، الوقائع المصرية، العدد 46، 23 فبراير 1985.

[3] Robert Springborg, Mubarak’s Egypt: Fragmentation of the Political Order, pp. 112-113.

[4] مركز الأهرام للتنظيم والميكروفيلم، الملف الوثائقي للمشير محمد عبد الحليم أبو غزالة، الجزء الثاني،425-427  صص  ،434 ،494 ص  

[5] Mona Abaza, “Egyptianizing the American Dream: Nasr City’s Shopping Malls, Public Order, and the Privatized Military,” in Diane Singerman and Paul Amar, Cairo Cosmopolitan: Politics Culture, and Urban Space in the New Globalized Middle East (Cairo, New York: The American University in Cairo Press, 2006), pp. 202-203.

[6] “Arab American Vehicles Corporation,” Infocredit Group Business Information Reports- Egypt, 2 June 2011; http://www.aav.com.eg/Pathtosuccess.html

[7] مركز الأهرام للتنظيم والميكروفيلم، الملف الوثائقي للمشير محمد عبد الحليم أبو غزالة، الجزء الثاني، ص 439. http://gate.ahram.org.eg/News/123419.aspx

[8] مركز الأهرام للتنظيم والميكروفيلم، الملف الوثائقي للمشير محمد عبد الحليم أبو غزالة، الجزء الثاني، ص  418-502..

[9]  انظر على سبيل المثال: مركز الأهرام للتنظيم والميكروفيلم، الملف الوثائقي للمشير محمد عبد الحليم أبو غزالة، الجزء الثاني، ص ص425- 426.

[10] مركز الأهرام للتنظيم والميكروفيلم، الملف الوثائقي للمشير محمد عبد الحليم أبو غزالة، الجزء الثاني، ص 425.

[11]  قرار رئيس الجمهورية رقم 224 لسنة 1982، الجريدة الرسمية، العدد 21، 27  مايو 1982.

[12] انظر على سبيل المثال: مركز الأهرام للتنظيم والميكروفيلم، الملف الوثائقي للمشير محمد عبد الحليم أبو غزالة، الجزء الثاني، ص426 ، 437، 466.

[13] مركز الأهرام للتنظيم والميكروفيلم، الملف الوثائقي للمشير محمد عبد الحليم أبو غزالة، الجزء الثاني 450 ، 434 ص .

 [14]   وزارة الدفاع والإنتاج الحربي، قرار رقم 143  لسنة 1980، الوقائع المصرية، العدد 296، 31 ديسمبر1980.

[15] Judith Miller, “Cairo’s Army Has a New Job: Milk the Cow,” New York Times, 29 November 1985.

[16] قانون رقم 91 لسنة 1983 بتنظيم الإعفاءات الجمركية، الجريدة الرسمية، العدد 30، 28 يوليو 1983. قانون رقم 2 لسنة 1984، الجريدة الرسمية، العدد 3، 19 يناير 1984. قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 186 لسنة 1986، الجريدة الرسمية، العدد 34،21 أغسطس 1986.

[17] Robert Springborg, Mubarak’s Egypt: Fragmentation of the Political Order, p. 110.

أحمد عبد الله، الجيش والديمقراطية في مصر، ص 16.

[18] Robert Springborg, Mubarak’s Egypt: Fragmentation of the Political Order, p. 110.