سيدة هولندية وابنتها. صورة برخصة المشاع الإبداعي: FaceMePLS- فليكر

هولندا: علموا أولادكم التوفير والسباحة وركوب الدراجات

منشور الخميس 20 أغسطس 2020

ليس هناك منقذون ثابتون على الشواطئ الهولندية. في الأسبوعين الأخيرين اللذين شهدت فيهما هولندا واحدة من أشد الموجات الحارة في تاريخها، ظهرت سيارة إنقاذ على كل شاطئ، تجوبه، ببطء، ذهابًا وعودة، وعلى سقفها "بورد" للتزحلق على الماء. وعلى مسافة 100 متر تقريبًا داخل المياه، كان هناك "جيت سكي" عليه منقذان جاهزان للتدخل. ومن وقت إلى آخر تمر طائرة هليوكوبتر تابعة للشرطة، على ارتفاع منخفض نسبيًا، لمراقبة الوضع.

غرق أربعة أشخاص خلال يوم واحد، على شاطئ واحد من شواطئ هولندا، وهو أمر يدل على أن هناك شيئًا تغير في سلوك بحر الشمال. وقبل فترة وجيزة، غرق خمسة أشخاص من محترفي التزحلق على الماء، وهو أمر لا يزال الهولنديون يبحثون عن تفسير له في تحقيقاتهم المستمرة إلى الآن عن الحادث. وفي الأسبوع الماضي، كانت التعليمات واضحة لمرتادي الشواطئ: لا تذهبوا أبعد من ارتفاع الماء عند مستوى الركبة. هذه تعليمات غريبة بالنسبة للهولنديين، لكنها ناتجة عن اكتشاف أن سحبًا شديدًا يحدث في بحر الشمال، ويؤدي إلى زيادة حالات الغرق.

دراجة بدون بدالات

إن غرق شخص واحد في هولندا هو أمر غريب، ويستحق التوقف أمامه، لأن الهولنديين، جميع الهولنديين، يجيدون السباحة. كونك هولنديًا يعني، بالضرورة، أنك تجيد شيئين: السباحة، وركوب الدراجات. يبلغ إجمالي طول الطرق المخصصة للدراجات في هولندا حوالي 35 ألف كيلو متر، ويزيد عدد الدراجات كثيرًا عن عدد سكان هولندا البالغ 17 مليونًا. ويتعلم الهولنديون قيادة الدراجات مع تعلم المشي، حرفيًا، إذ يحصل الطفل على دراجة بدون بدالات، يجلس على مقعدها ويدفعها بقدميه، بجوار والده ووالدته اللذين يراقبانه. ومع نمو الطفل، تنمو دراجته، وتتطور بتطوره، إلى أن يتحدا، الطفل والدراجة، فيصبح كلاهما جزءًا من جسد الآخر وتفكيره. 

ينشأ الهولندي، إذن، راكبًا دراجته، وهو بذلك يمارس الرياضة، ويحافظ على البيئة، لكن الأهم أنه يركب وسيلة مواصلات مجانية، توفر له الكثير من النقود الصغيرة التي كان عليه أن ينفقها في المواصلات العامة. (نعم، الهولنديون حريصون جدًا ماليًا، لكنهم ليسوا بخلاء. فالهولندي لا يدفع 10 سنتات في غير موضعها، لكنه يمكن أن يدفع آلاف اليوروهات في تكلفة عطلته السنوية). وعندما يصل الطفل إلى الصف الثامن في المدرسة، يكون عليه أن يذهب وحده بالدراجة إلى مدرسته يوميًا بدون مصاحبة أمه أو أبيه، لكن سيتوجب عليه في فترة قصيرة أن يخضع لاختبار قيادة الدراجات في الشوارع، وأن يجتازه للحصول على دبلومة قيادة الدراجات.

في يونيو/ حزيران الماضي، نشرت الصحافة الهولندية صورا وفيديوهات للملكة مكسيما تستقل دراجتها في طريقها إلى متحف لاهاي. وماكسيما هي زوجة الملك فيلم ألكسندر، وهي أرجنتينية تزوجها قبل تنصيبه ملكًا، لكنها اندمجت سريعًا في الثقافة الهولندية، ليست بوصفها جزءا منها، ولكن بوصفها معبرة عنها بحكم لقبها، وكانت قيادة الدراجات أحد أهم المفاتيح لتأكيد استحقاقها لقب "ملكة".

https://www.youtube.com/embed/7nSWVHZkW6g

وليس غريبًا أن ترى أحد أفراد العائلة المالكة راكبًا دراجته في أحد شوارع هولندا. ومثل بقية الأطفال الذين يعيشون في هولندا، تذهب كاترينا أماليا، ولية العهد الهولندية إلى مدرستها بالدراجة. وليس هناك ما يميز دراجة ولية العهد عن دراجات بقية أطفال هولندا، فهي دراجة عادية متقشفة، لها صندوق بلاستيكي أمامي توضع فيه الحقيبة المدرسية.  ويمكنك أن ترى مارك روتة رئيس الوزراء الهولندي، كل صباح، راكبًا دراجته، متوجها إلى مكتبه في مبنى البرلمان. 

لن يحاول أحد إنقاذك

تحول الاحتياج لركوب الدراجة إلى ثقافة خالصة في هولندا، وتحولت الثقافة إلى سلوك فردي رسم صورة لمجتمع بأكمله، تمامًا كالحاجة إلى إجادة السباحة. يقول المثل الهولندي "الله خلق العالم، والهولنديون خلقوا هولندا". يعبّر المثل تمامًا، عن بلد لم يكن 60% من مساحته موجودًا على الأرض، قبل أن يصنعه سكانه بردم البحر. إذا كانت طائرتك على وشك الإقلاع من مطار شخيبول في أمستردام، ستندهش إذا نظرت إلى الشاشة أمامك، ورأيت أن الارتفاع المسجل على الشاشة أثناء وجود الطائرة على الأرض هو 19 قدمًا تحت سطح البحر. ليس في الأمر أي خطأ، فأنت موجود فعليا تحت مستوى سطح البحر، وكثير من الأراضي الهولندية كذلك. وعلى امتداد السواحل الهولندية تجد هضابا رملية "اصطناعية" تحمي الأراضي الهولندية من أي فيضان محتمل للبحر، بالإضافة إلى السدود الكثيرة المنتشرة بطول هذه السواحل.

إذا كان هناك خوف جماعي يحرك المجتمع الهولندي فهو الخوف من الغرق، الخوف من أن يفيض البحر ويستعيد الأراضي التي خطفها منه الهولنديون. ليس البحر وحده الذي يشكل شبح الغرق في هولندا، فهناك آلاف الكيلومترات من القنوات المائية والأنهار، كبيرها وصغيرها، مما يجعل تعلم السباحة أمرًا حتميًا وإلزاميًا. ستشعر بهذه الحتمية إذا كنت تقود سيارتك في أمستردام، مثلا، وكان عليك أن تركنها بجوار إحدى هذه القنوات المائية. تسقط سيارات كثيرة في محاولات شبيهة، لكن السيارات في هولندا مجهزة بمطرقة حديدية، بجوار قدمك اليسرى، يمكنك استخدامها في كسر الزجاج، في حالة سقوط السيارة في الماء. لا تتوقع أن يقفز أحد في الماء لإنقاذك، لأن القاعدة أن الجميع يجيدون السباحة.

قبل الحصول على دبلومة قيادة الدراجات سيكون على الطفل الهولندي أن يحصل على دبلومة السباحة، وليس مسموحًا بالسباحة في شواطئ هولندا لغير الحاصلين على هذه الدبلومة. وهناك ثلاثة مستويات لدبلومة السباحة في هولندا: A-B-C، ويكفي أن تحصل على المستوى الأول، الذي يكون الاختبار الأخير فيه هو أن تلقي نفسك في الماء، مرتديًا حذاءك وملابسك بالكامل. 

ليس على هذا الشاطئ من ينقذك، ليس لأن حياتك غير مهمة بالنسبة للآخرين، ولكن لأن الدولة تعلمك أن تكون فردًا مستقلًا، لا تحتاج إلى أحد، وتمتلك القدرة على فعل كل شيء بنفسك لنفسك. تقوم فلسفة الدولة الهولندية على إعلاء قيمة الفرد، وحريته واستقلاله، لأن الفرد هو الوحدة التي تقوم عليها الدولة، ولأن الدولة هي مجموع أفرادها، ولأن الدولة في خدمة أفرادها، وكلما ارتفع منسوب سعادة الأفراد تقدمت الدولة في ترتيب الدول الأكثر سعادة في العالم. تحتل هولندا المركز الرابع، لكن لا أحد يعرف ترتيبها بعد كورونا. 

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.