صفحة غزة الآن - Gaza Now - فيسبوك
آثار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة 2023

غزة.. الهجوم الكبير والمقتلة

منشور الاثنين 11 ديسمبر 2023

تزامنت ولادتي في الشتات مع الاجتياح الإسرائيلي للبنان وخروج قوى الثورة الفلسطينية منه. ومضى القسم الأكبر من طفولتي وصباي، قبل عودتنا إلى غزة، وأنا أشاهد تآكل الوجود السياسي والتنظيمي الفلسطيني وكتلته الديمغرافية في مخيمات سوريا ولبنان وصولًا لتلاشيه شبه التام خلال العشر سنوات الأخيرة. ولذا فإنني أتشكك في الشعارات الواثقة من أبدية هذا الوجود، وأقلق من الركون إلى أن شغل الفلسطينيين لحيز مادي على الخريطة هو في حد ذاته ضمانة من خطر التصفية.

في المرة الأولى التي جئت فيها إلى برلين، وفور وصولي إليها، اصطحبني مرافقي إلى "Sonnenallee" المعروف في المدينة باسم "شارع العرب"؛ لا وصف للحالة الشعورية التي تملّكتني لحظة انزلاقنا إلى قلب الشارع؛ وكأنني عدت بالزمن ثلاثة عقود إلى الوراء وولجت إلى شارع أو حارة اقتُطعت من مخيم اليرموك أو عين الحلوة؛ نفس الوجوه والأزياء واللهجة وروح المخيم التي ينقلها اللاجئون الفلسطينيون معهم أينما حطّت رحالهم.

لكن طقس النوستالجيا الشخصي هذا سرعان ما طغت عليه مشاعر الفزع من أن ما أراه هو أيضًا صورة من مستقبل محتمل ينتظر غزة وأبناءها الذين يستوطن بعضهم الدول الإسكندنافية منذ سنوات.

في غزة ليس على الفلسطينيين أن يشرحوا لأحد أن الإبادة الفعلية لوجودهم هي المصير الذي لا ترى إسرائيل لهم غيره

هذا التقديم الشخصي المُقحم في سياق الحديث عما يحدث حاليًا في غزة، غرضه الإيجاز في قطع الطريق على أي استدراج لسجال سياسي يريد مساءلة الجدوى والدوافع والأثمان للعملية التي نفذها فدائيو المقاومة الفلسطينية في 7 أكتوبر.

في غزة، ليس على الفلسطينيين أن يشرحوا لأحد يقينهم الجماعي أن الإبادة الفعلية لوجودهم هي المصير الذي لا ترى إسرائيل لهم غيره، وأن ما من متسع لهم على الخارطة الإدراكية للمتحكمين بمصائرهم يتجاوز التفكير بهم باعتبارهم خطأ فادحًا اقترفه كل من التاريخ والجغرافيا.

حرب 2014

شكلت الحرب القاصمة على غزة عام 2014 وما تلاها نقطة تحوّل حاسمة في المقاربات السياسية والتنظيمية لفصائل المقاومة الفلسطينية وفي مقدمتها حركة حماس. في تلك الحرب، أدركت المقاومة في غزة محدودية الإسناد المتاح لها من خارج حدود القطاع، وأن أي حلول محتملة لمسألة غزة، ستأتي من الغزيين أنفسهم، وليس من أي مكان آخر في العالم.

داخليًا، دفعت الحرب ونتائجها حركة حماس نحو مزيد من التشبث بشعار التحرير ومسألة الوطنية الفلسطينية، والتخفّف مما يتجاوز حدود هذين المدماكين التأسيسيين ضمن حمولتها العقائدية والسياسية.

هذا التحوّل عبّر عن نفسه من خلال تثبيته لهيكل علاقات قوّة داخلي جديد يؤكّد مركزية القرار للجناح الغزي في حركة حماس، ويشدّد على البعد الوطني الفلسطيني خطابيًا وسياسيًا لها، ويجدّد التزامها بنهج المقاومة والتأكيد عليها ناظمًا مركزيًا لفعلها السياسي، ويعيد تجذير تموضعها ضمن حلفها الإقليمي، ويحدّ من نفوذ التيارات الفوق-وطنية في الحركة وارتباطاتها الخارجية.

الحرب كانت خاتمة سلسلة خيبات، حملت وزرها، سواء عن حقّ أو لا، القيادة السياسية السابقة لحماس. كانت بدأت بالدخول الأهوج للحركة غمار الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006 التي انتهت بفوز كاسح لها لم تتجهّز لتبعاته. ليجرّ ذلك الفوز اقتتالًا أهليًا أنتج انقسامًا سياسيًا بين قطاع غزة والضفّة الغربية ظنت أجنحة في الحركة لسنوات أنه مقدمة "لتمكين" أكبر تكشّف لاحقًا أنه وهمٌ لن تقدر ولن يعينها أحد على العودة عنه.

تلا ذلك رهانات إقليمية مقامرة وربما انتهازية لتلك القيادة إبان الثورات العربية، أنعشت آمال الحركة عامًا أو اثنين ولكنها سرعان ما جلبت نبذًا إقليميًا لها، متجنيًا عليها في القسم الأكبر منه، تركها في عزلة تامة. وذلك بالتزامن مع تحققّ حماس، وبالدرجة الأولى فرعها في غزة، مما كانت قد بدأت تتلمسّه ببراءة وأسى طفولي منذ بدء الثورات العربية عام 2011، من أنها ليست حركة "إخوان مسلمين"، ومن أن بعض "الإخوان" ربما ليسوا مسلمين.

كان رد الفعل الأمريكي سابقًا على الإسرائيلي في الساعات الأولى لوقوع الهجوم الفلسطيني

 لتأتي حرب عام 2014 التي لم يتوافق الأداء السياسي البائس وغير المسؤول وحصيلته الصفرية لقيادة الحركة في الخارج، مع الصمود البطولي للفلسطينيين في غزة على امتداد 52 يومًا من الصب المتواصل للنار فوق رؤوسهم، والأداء الملحمي والمشرّف لمقاتلي القسّام ورفاقهم في باقي فصائل المقاومة.

ولكنها كانت المحطة التي تحقق فيها الغزيون من أن سلاحهم يجرح، وأنه بات مركز الفعل السياسي الفلسطيني المادي الوحيد المتحرر من نطاق التحكم والهيمنة الإسرائيلية. وببطء شديد وبتكلفة باهظة، كان من الممكن تلافي جزء كبير منها، اكتسب المزيد من أسباب الشرعية. ومن يملكه أصبح يتقن لعبة امتلاكه وأيضًا اللعب على الميزان الحساس لاستخدامه، وإن كان ذلك تحقق بعد أخطاء مروّعة وخسائر هائلة، لا يزال يرتكب حامله بعضها.

 الهجوم الكبير

في حرب عام 2014، تثبّت الفاعلون السياسيون الفلسطينيون أن إسرائيل ليست لديها أي مآرب سياسية تسعى لانتزاعها منهم وأن حروبها عليهم وحصارها لهم هي جزء من مسار تراكمي ينحصر هدفه بإنهاء الوجود الفلسطيني هناك خلال عقود قليلة، تهندِس الاستراتيجية الإسرائيلية خلالها الأزمات المعيشية في غزة بما يفاقمها ويحصر في الوقت نفسه مفاعيل انفجارها الحتمي عندما يحدث داخل العوازل التي تطوّقها.

وذلك عبر استيلاد كوارث سياسية ومعيشية تجفف الوجود السياسي والديمغرافي للفلسطينيين في القطاع، مسبباتها الظاهرية داخلية، شبيهة بتلك التي حدثت في مخيم اليرموك في سوريا الذي كان عاصمة شتات الفلسطينيين وقاعدتهم السياسية والتنظيمية المركزية حتى قبل عشر سنوات فقط، وقبله نهر البارد شمال لبنان، وما يحدث حاليًا في عين الحلوة جنوبه.

استراتيجية الإنهاك من الداخل هي التي خلقت الوعي الذي دفع بفكرة الخروج العنيف من هذا المسار عبر الهجوم الكبير في السابع من أكتوبر الماضي، الذي وبالنظر إلى الشروط التي راكمت من خلالها المقاومة الفلسطينية مقدراتها والتحدي العسكري والأمني الذي خاضت غماره، وبالحكم العملي المجرّد، هو أعقد جهد إنساني جماعي غير نظامي عرفته البشرية في الخمسة عقود الماضية، كان الرهان السياسي والعسكري لأصحابه يقضي بنقل "سؤال غزة" إلى مساحات تداول مفتوحة تتجاوز حلقات الدوامة السياسية والأمنية التي يُراد للغزيين أن يبقوا حبساء لها في انتظار غرقهم التام.

وأيًا كان الموقف من هذه القراءة التي لها معقوليتها، فإن أصحابها لم يركِنوا إليها إلا بعد أن تحققوا من أن الغزيين متروكون وحدهم لمصير أسود تسحبهم إسرائيل إليه.

الانتقام

بمعانٍ متعددة، كان رد الفعل الأمريكي سابقًا على الإسرائيلي في الساعات الأولى لوقوع الهجوم الفلسطيني، تعدّى الإدانات إلى انتزاع زمام المبادرة في تعيين الإطار العام للرد العسكري على الهجوم، بشكل مثّل انتهاكًا غير مسبوق للسيادة الإسرائيلية.

الوصول الأمريكي السريع للمنطقة، أراد أولًا قطع الطريق على أي فتح محتمل لحزب الله للجبهة الشمالية، والحيلولة ثانيًا دون وقوع انهيارات وفقدان للتوازن في الجبهة الداخلية الإسرائيلية.

ومن ثم التحقق من أن الفعل العسكري الإسرائيلي سيتم ضمن محددات الإطار الأمريكي العام، وبالتالي توفير متطلباته سواء اللوجيستية من قطع ومعدات حربية أمريكية، والسياسية، في مقدمتها الغطاء الدبلوماسي والقانوني الغربي لواحدة من أضخم عمليات القصف الجوي غير النووي.

أما إسرائيل، فأشعرت كل الأطراف بأنها مقبلة على حرب مفتوحة على احتمال إبادة الغزيين، وأنها تنوي تضمينها كل الفظائع اللازمة لجعلها انتقامًا مرئيًا يشفي غليل مجتمعها الداخلي ويستعيد ثقته بمؤسسته العسكرية والأمنية.

عيّنت لحربها مرحلتين حتى اللحظة، في الأولى وعلى مدى أسابيع أمطرت غزة قدرًا لا متناهيًا من القنابل (4000 طن في الأيام الخمسة الأولى فقط حسب الجيش الاسرائيلي) بغرض إخلاء ومسح مربعات كاملة وتجريف الأرض من العبوات الناسفة للمقاومة، ومن ثم تمرير الأحزمة النارية المتفجرة لتقويض ما أمكن من أنفاق وبنية تحتية للمقاومة لتهيئة دخول آمن نسبيًا لآلياتها في المرحلة الثانية والحالية من العملية التي لا تزال مفتوحة على مراحل تالية.

يحتاج العرض العسكري والميداني للعملية الفدائية، ولحملة الإبادة الإسرائيلية التي أعقبتها والمقاومة الباسلة التي واجهتها في الميدان إلى نص منفصل مكرّس لذلك.

ولكن هذا المقال سيتوقف عند الإشارة إلى أن استراتيجية الحرق من السماء التي تبناها الجيش الإسرائيلي في المرحلة الأولى من هذه الحرب لتجنّب التعامل القتالي البري مع المقاومة الفلسطينية، جرّدته من أي شرف عسكري وسلبت منه صفة الجيش المحارب. وجعلت عملية تصريف مخازن القنابل الإسرائيلية والأمريكية من السماء فوق رؤوس أطفال غزة مجرد منفذ تصريف تجاري outlet لمعدّات الإبادة.

ولأن "الانتقام" كان هو الشعار لحملة تطهير عرقي عسكرية شنّتها أقوى الجيوش في العالم ضد شعب أعزل نسبيًا، فقد استوجب ذلك استدعاء أسانيد أيديولوجية عنصرية عقائدية وعرقية من إسرائيل وحلفائها جعل "الانتقام" يبدو كما لو أنه طقس ديني مارسه الغرب وإسرائيل ضد الفلسطينيين والعرب.

ولذا، وكما يخبرنا ضباط إسرائيليون متقاعدون عملوا على تصميم وتشغيل الأنظمة والوسائط التي تستخدمها إسرائيل في هذه المقتلة، فإن كل طفل ورضيع قُتل وسيُقتل في هذه الحرب، لم يكن موته بأي حال من الأحوال حدثًا عشوائيًا، وإنما قرارُ واعِ بذاته وبأغراضه أخذته إسرائيل.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.