آنسبلاش- Pablo E. Ortiz
البرنيطة

خَوْجنة مثقفين

غواية البرنيطة التي يزهدها الخواجة وتستهوي الشرقيين

منشور الأربعاء 23 أغسطس 2023

قبل خمسين سنة، في صيف قاسٍ مثل هذا الصيف، سمعتُ للمرة الأولى كلمة "برنيطة"، مرتبطة بالخواجة الذي لا أعرفه، ولم يرَه غيري من الأطفال العاملين في مقاومة دودة القطن. أنفار صغار منذورون لأشغال أقرب إلى السخرة، يدفنون غداء متقشّفا في أرض رطبة، ويكبسونها بالأقدام؛ لمنع تسلل النمل. نعمل تسع ساعات تقريبًا، لقاء ستة قروش.

ذلك الخواجة، غير الموجود، هو بالضرورة فظٌ غليظ القلب، وقد تلين قسوته أمام حالات قصوى للشقاء، يجسدها غلبان أو ضعيف "يصعب على الخواجة أبو برنيطة". المثل يوحي بوجود خواجات من دون برانيط، في قلوبهم رحمة، أما أن يعطف "الخواجة أبو برنيطة" فهذا يؤكد بلوغ البؤس ذروته.

الذين رددوا مَثَل "فلان يصعب على الخواجة أبو برنيطة" لم يعرفوا التليفزيون، لم يروا ذلك الجهاز العجيب، ولم يسمعوا بالسينما، باستثناء أفلام تسجيلية إرشادية قصيرة تتنقل بين القرى، ويقدمها ليلًا سحَرة بآلة عرض تلقي أطيافها على شاشة حائطية في ساحة. بعض هؤلاء عاصروا الخواجات، الإقطاعيين الأجانب أصحاب مصانع ومساحات واسعة من أراض يديرها وكلاء محليون.

وفي مواسم الحصاد يأتي الخواجة محاطًا بالأبهة، لا يلبس العمامة أو الطاقية الفلاحي، ولا طربوش الأفندية، وتُميزه القبعة لتأكيد انتسابه إلى الغربيين، الخواجات القساة. من يتخيل أن يكون لرعاة البقر في الغرب الأمريكي قلوب تحنو على السكان الأصليين؟، لا أحد منهم "يصعب على كلينت إيستوود".

علاقتي بالبُرنيطة غير عاطفية. كنا نتقي الشمس بالطواقي المصنوعة من القماش أو القشّ. الخولي مثلنا، والمعاون يحتمي بالشمسية. أما المشرف الزراعي، ومؤهله الدراسي دبلوم الزراعة، فيلبس البرنيطة. يرعبنا ولا نصعب عليه، ويهين الخولي؛ فيعيد إنتاج القهر، وينتقم فيشتمنا، ويلهب ظهورنا وأيدينا بعصا خيزران.

حسني مبارك، على خطى أنور السادات، التزم بشروط سادته، وقضى على الزراعة، واختفت زهوة محصول استراتيجي استند إليه الفلاح سنويًا في تزويج أبنائه، وسداد ديونه "على قطن". كان القطن ضمانة قبل إفقار الفلاحين. اختفى القطن، واختفت البرنيطة حتى في الغرب إلا من أفلام تاريخية، ثم ظهرت هنا وهناك، في محافل ثقافية عربية، وفي مهرجان كان، مايو/أيار 2023.

في حفل افتتاح مهرجان كان، تأملت صور أعضاء لجنة التحكيم. أستبعد أربع مخرجات؛ لأن كلامي عن البرنيطة. رئيس اللجنة خواجة سويدي، هو المخرج روبين أوستلوند. والأعضاء الأربعة هم خواجة أمريكي، وخواجة فرنسي، وخواجة أرجنتيني، ومخرج أفغاني يسهل، على من لا يعرفه، أن يستدل عليه بالقبعة. هو الوحيد أبو برنيطة. ليس على أي إنسان حرج في أن يلبس أو يخلع ما يشاء. وفي بعض المواقع، والمهن، أصول لأغطية الرؤوس. الكاب العسكري يخلع تحت الأسقف وفي القاعات. أغطية الرأس ارتبطت قديمًا بمهام الوقاية، ثم صارت جزءًا من التقاليد. والتقاليد والعادات تتحول. قد يتخلى إنديانا جونز، الآن، عن برنيطة يحرص عليها عتيق رحيمي.

عتيق رحيمي (على يسار الصورة) مع لجنة تحكيم مهرجان كان

عتيق رحيمي يجسد قصة نجاح، من بلده أفغانستان إلى العاصمة الفرنسية، من الأدب إلى الإخراج. قفزات تؤكد ندية مدعومة بموهبة أصيلة. قابلته في أكثر من بلد، وأحببت خفة ظله، ونسيت أن أقول له إنني حسدته مرة واحدة، عام 2012، حين شاهدت فيلمه حجر الصبر، لأنني مأخوذ ببطلته الإيرانية جُلشيفته فراهاني.

في العام التالي، 2013، قابلتها وسألتها عن معنى جُلشيفته؟، قالت: الزهرة العاشقة. وقبل أن أكتب مقال أين ذهبت جُلشيفته؟، المنشور في صحيفة "العرب" اللندنية 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، تذكرت دقة التحرير الرويتري بالاستيثاق من رسم الاسم المختَلَف على كتابته باللغة العربية. كتبتُ إليها، وأجابتني: "جُلشيفته فراهاني"، كما تكتبه بالفارسية بالرسم العربي.

صار عتيق رحيمي مواطنًا فرنسيًا. بالجنسية الجديدة، لا بالبرنيطة، هو خواجة. يختلف عن عرب رؤوسهم تتباهى بالبرنيطة، ولا تخطئهم العيون في هذا البلد العربي أو ذاك. البرنيطة بالنهار وبالليل. في السيارة وفي الطائرة. في فضاء مفتوح، أو تحت سقف. في جلسة حرة في القهوة مع أصدقاء، أو في قاعة بحثية. لا أحب الكلام الكبير عن الاستلاب. وأتجنب مصطلحات ينثرها البعض أحيانًا في فراغ الصفحة، قبل إتمام الكتابة؛ لزوم ما لا يلزم من برستيج ثقافي وادعاء العمق. قد يكون صاحب برنيطة مهمومًا بالنقد الثقافي، أو متخصصًا في قضايا الصراع الحضاري، وتقصّي تجلياته الثقافية والسلوكية. هل نقرأ إنتاجه منعزلًا عن "الحالة البرنيطية"؟.

في دار الأوبرا قبل سنوات، كنا ننتظر عرض فيلم في مهرجان القاهرة السينمائي. تنازل صديقي عن بطاقته لمن يريدها، رافضًا أن يشاهد فيلمًا لمخرج لا يُحسن تنسيق ثيابه. توجد ثياب وملبوسات تصلح لدور محدد بمكانه وزمانه. والجهل بها يثير الأسى والسخرية. لنا أن نتخيل ممثلًا يؤدي دور مهرج أو قائد انقلاب عسكري، وبعد العرض يمشي في الشارع بهلاهيل البهلوان، أو يلوّح بعصا المارشال. حضرتُ عام 2012 حفل استقبال في نيودلهي، وأراد صديق مغربي مجاملة الهنود الحاضرين فارتدى زيًا تقليديًا اشتراه من دون استشارة. تغامز الهنود قائلين إن هذا الزي كان خاصًا بالعبيد والخدم، ويباع الآن لأغراض ليس منها الاستعمال الشخصي.

أفيش فيلم أميرة حبي أنا لحسن الإمام.

بعض الملبوسات لا تزيد على كونها إكسسوارات، مجرد قطع للزينة. من ينسى كاب سعاد حسني في فيلم "أميرة حبي أنا"؟، لعلها لم تلبسه في فيلم آخر، ولا في حياتها الطبيعية. حتى لو قلدتها فتيات إلى اليوم؛ فالكاب لذيذ يستدعي الدور، ويحيل إلى الفيلم، ولا يحتمل أبعادًا أكبر ولا أعمق ولا أزيد من ذلك.

لكن البرنيطة تحمل دلالات أخرى ومعاني كامنة، سواء لبسها أنطوني هوبكنز في "أساطير الخريف"، وكذلك بيندكت كامبرباتش في "قوة الكلب". أما إذا لبسها مصري أو عربي فهذا يذكرني، معكوسًا، بصديقي المغربي في حفل نيودلهي. اختال بمجاملتهم، وهم يسخرون منه، ويشفقون عليه، وحاله "يصعب على الخواجة أبو برنيطة".