Getty Images

ليستر سيتي: أو كيف تفوز على منافسيك بدون ثراء فاحش؟

منشور الثلاثاء 3 مايو 2016

 

لم يظن أحد أن فريق ليستر سيتي يمكنه المنافسة على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز هذا العام، وكانت أقصى طموحات المدير الفني كلاوديو رانييري هو الحصول على 40 نقطة من هذا الموسم ليضمن مركزًا متقدمًا في منتصف جدول المسابقة، لكن حدثت المعجزة.

منذ بداية التسعينات، يذهب لقب الدوري الإنجليزي الممتاز للفريق الذي ينفق أموالًا أكثر من منافسيه، فمثلًا منذ ذلك الوقت فاز مانشستر يونايتد باللقب 13 مرة، بعد أن أنفق الكثير على شراء نجوم كان من أبرزها شراء آندي كول من نيوكاسل يونايتد الذي حطمت صفقة انتقاله إلى الشياطين الحمر رقمًا قياسيًا جديدًا في سوق الانتقالات عام 1996 وذلك بسعر 7 ملايين جنيه إسترليني، أو ريو فيردناند الذي كان يلعب لفريق ليدز يونايتد وانتقل إلى مانشتسر عام 2002 مقابل 29 مليون جنيه إسترليني. واستمر فريق مانشستر يونايتد في إنفاق الأموال، حتى بعد تقاعد مدربهم السابق السير أليكس فيرجسون، ويحاول النادي الآن استعادة الصدارة ولقب الدوري عن طريق إنفاق مئات الملايين، فضم إلى صفوفه أنجيل دي ماريا في صفقة اقتربت من 60 مليون جنيه إسترليني، وهي صفقة تعتبر الأكبر في تاريخ النادي الإنجليزي.

 

البريميير ليج

ويكفي أن نعرف أن أندية مثل تشيلسي ومانشستر سيتي لم يحصلا على اللقب منذ بداية التسعينيات إلا بعد انتقال ملكيتهما إلى رجال أعمال قادرين على إنفاق مئات الملايين للحصول على اللاعبين. لكن فوز فريق لا يملك الإمكانيات المالية اللازمة للمنافسة مثلما حدث هذا الموسم يعد ظاهرة في عالم كرة القدم، خاصة وأن لقب الدوري الإنجليزي يعتبر واحدًا من أكبر وأصعب الألقاب الكروية في العالم.

للوقوف على أسباب تلك الظاهرة، يجب النظر إلى طرق اللعب والتفرقة بين التكتيكات الشائعة بين الفرق العادية التي تسعى للبقاء في الدوري، وبين التكتيكات التي يستخدمها الكبار للمنافسة على اللقب. بعد أن أعاد تشيلسي الروح لمركز لاعب خط الوسط المعطل للهجمات Holding Midfielder في 2005 بلاعبين من أمثال كلود ماكيليلي وفرانك لامبارد، بدأت الفرق في الدوري الإنجليزي بالتنافس للحصول على لاعب أو أكثر في هذا المركز، وفي المقابل يجب أن تكون تلك الفرق قادرة على اللعب بمهاجم وحيد، كل هذه التضحيات كانت للفوز بوسط الملعب لتضييق المساحات والضغط على لاعبي الخصم، وبالطبع كانت هذه الفترة التي امتدت حتى 2010 فترة مملة في الدوري الإنجليزي.

كيف يمكن التغلب على فريق يمتلك 8 لاعبين يسيطرون على وسط الملعب؟ الإجابة ببساطة كانت في الاستحواذ، وتمرير الكرة حول الملعب لتشتيت اللاعبين الذين يسيطرون على منتصف الملعب، وهكذا كانت تلعب الفرق الكبيرة في الدوري الإنجليزي مثل أرسنال وليفربول: امتلاك الكرة وتمريرها بذكاء للأمام.

 

كلاوديو رانييري

لم يبد ليستر سيتي اهتمامًا بهذه التكتيكات، بل رفض كل ما يفعله الآخرون، وتمرد على طرق اللعب الحديثة التي أصبحت مع الوقت تقليدية، وأعاد إنتاج طرق قديمة بشكل جديد، طرق لم يعتد عليها المنافسون، فلم يحاول رانييري مع فريقه السيطرة على وسط الملعب لمنع الفرق الأخرى من التسجيل، ولم يحاول أن يلعب بفلسفة الاستحواذ (نسبة الاستحواذ الكرة لفريق ليستر سيتي خلال هذا الموسم 41%)، لأنه ببساطة لا يملك الإمكانيات المادية التي تتيح له شراء لاعبين أكفاء لذلك، فما الذي فعله كلاوديو رانييري؟

بشكل بسيط (ومفاجئ)؛ أدرك رانييري أن الهدف من أي مباراة هو الفوز وحسب، ولتحقيق الفوز يجب أن تحرز الأهداف، بغض النظر عن نسبة استحواذك على الكرة، وعدد اللاعبين الذي يسيطرون على منتصف الملعب، فلسفة بسيطة رغم ثوريتها، الضغط على الخصم في النصف الأخير  من الملعب، مع امتلاك مهاجمين لا يركضون كثيرًا للتمركز في مواضع جيدة لأنهم في الأصل يتمركزون جيدًا، هذا بالإضافة إلى تغير ثوري في طريقة لعب الظهير الدفاعي، ففي الكرة الحديثة تكون مهمته متداخلة بشكل كبير مع لاعبي خط الوسط، في حين استخدم رانييري رياض محرز كجناح تقليدي.

 

رياض محرز

بالطبع هذه الطريقة التي تعدّ قديمة في لعب كرة القدم لم يخترعها كلاوديو رانييري، فقد حاول المدير الفني تيم شيروود مع توتنهام الشيء نفسه، لكن على طريقة نادي أوكلاند في الفيلم الرياضي Moneyball، وهو فيلم مقتبس من قصة حقيقية حدثت في أوائل الألفية وأثرت كثيرًا في رياضة البيسبول الأمريكية، حيث نافس النادي محدود الإمكانيات على لقب الدوري الأمريكي، باستخدام مجموعة من اللاعبين المغمورين الذين يتصفون بإمكانيات ضعيفة مقارنة بلاعبي الفرق الأخرى، لكن بالاعتماد على إحصائيات أداء هؤلاء اللاعبين استطاع المدير العام لنادي أوكلاند من استخدام أفضل إمكانيات متاحة له وإدارتها بشكل علمي بتصميم أفضل طريقة لعب تناسب هذه الإمكانيات وتُحقق الفوز.

في نهاية الموسم أعاد ليستر سيتي الروح لكرة القدم مرة أخرى، فلم تعد الأموال وحدها كافية لتحقيق البطولات، إلى جانب أن هذا الإنجاز الذي تحقق هذا الموسم سيعطي أملًا لفرق أخرى عادية من رفع سقف طموحاتها ليصل إلى المنافسة على اللقب بدلا من المنافسة على مراكز متقدمة والابتعاد عن منطقة الهبوط، لكن التحدي الحقيقي الذي يواجه ليستر في الموسم المقبل هو اعتياد المنافسين على طريقة لعبه، وابتكار طرق وتكتيكات تستطيع أن تضع حدًا لخطورته، بالإضافة إلى أن الفرق العادية في الدوري ستعمل على تنفيذ تكتيكات ليستر ومحاولة تنفيذها على أرضية الملعب بطرق تناسب إمكانيات هذه الفرق، وربما تتحول  الصيحة الكروية في الدوري الإنجليزي من السيطرة على وسط الملعب إلى اللعب التقليدي المباشر واتباع نهج ليستر سيتي.

كل هذا بخلاف إمكانية أن يفقد بطل الدوري الإنجليزي أفضل لاعبيه، فبعد الفوز باللقب والأهم من ذلك الأداء الأسطوري، ارتفعت أسعار لاعبي ليستر، فمثلا بعد أن كانت قيمة رياض محرز في بداية هذا الموسم لا تتجاوز خمسة ملايين جنيه إسترليني، قفزت قيمته لتصل الأن لأكثر من 30 مليون، هذا الارتفاع المتزايد في قيمة اللاعبين سيؤدي بالضرورة إلى ارتفاع المرتبات، ومع عروض قوية قد تُقدَّم للاعب من أندية لديها عضلات مادية أقوى من تلك التي يمتلكها ليستر سيتي قد نرى خلال موسم الانتقالات القادم رحيل لاعبين مؤثرين في تشكيلة الفريق الذي لن يستطيع الإبقاء على لاعبيه إن أرادوا الرحيل مقابل أموال أكثر، وهذا ما سوف تفصح عنه الفترة المقبلة.