65 عامًا على اتفاقية تقرير مصير السودان.. هل كان مصريًا؟

"إذا الإنجليزي جالنا إلى السودان راكبًا عربة مصرية تجرها خيول مصرية وتدفعها من خلف أيدٍ مصرية فأنا طبيعي هكلم السيد الجالس في العربة ومش هكلم الأحصنة ولا اللي بيزقوه".

هيكل نقلًا عن زعيم الطائفة المهدية في السودان عبد الرحمن المهدي

هل كان السودان مصريًا؟ هل بالفعل كانت مصر في 1952 لديها سيطرة وسيادة حقيقية على السودان وتم التفريط فيها في اتفاقية تقرير مصير السودان عام 1953؟ هل انفصل السودان عن مصر أم نال استقلاله عام 1956؟

تبدو هذه الأسئلة، على عبثيتها، ضرورية للتعامل مع كم هائل من المعلومات التاريخية المزيفة التي تفترض ماضيًا مجيدًا لمملكة مصرية لديها عملة “أقوى من الذهب” و“بريطانيا العظمى مديونة لها” و“حدودها من البحر المتوسط شمالاً وحتى الكونغو جنوباً”، وبالطبع “أحدث صيحات الموضة تراها في شوارع القاهرة قبل لندن وباريس”!

في الحقيقة لم يكن السودان بشماله وجنوبه، الذي انفصل لاحقًا، دولة موحدة تحت سيادة سلطة مركزية واحدة قبل عام 1821 وذلك عندما قرر محمد علي باشا، والي مصر العثماني، بسط سيادته على الأراضي الممتدة من جنوب مصر وحتى المناطق الاستوائية جنوبًا، ومن كردفان في الغرب وحتى ساحل البحر الأحمر شرقًا، وبالتالي كان السودان اختراعًا من محمد علي والذي خسر قائد حملته العسكرية وابنه الأمير اسماعيل كامل هناك عام 1822.

إذا انتقلنا الى السؤال المتعلق بتوقيت نهاية السيادة المصرية بشكلها الفعلي في السودان، أو بشكل أكثر تبسيطًا متى خسرت مصر السودان، فيمكن أن نعود الى عام 1896 عندما قاد اللورد هربرت كتشنر قوات مصرية بريطانية لاستعمار السودان ووضعها تحت الحكم البريطاني فعليًا والمصري اسميًا. فوفق اتفاقية 1899 ترشح الحكومة البريطانية حاكمًا عامًا إنجليزيًا للسودان لكن يتم إصدار فرمان تعيينه من قبل خديوي مصر.

ظلت الإدارة المصرية البريطانية المشتركة للسودان، ورقةً يتم إثارتها من قبل الجانب البريطاني في وجه الجانب المصري الراغب في نيل استقلال حقيقي عن بريطانيا. في الشهور الأولى من عام 1952 كانت الفكرة البريطانية هي منح السودان حكمًا ذاتيًا لفترة انتقالية ثم حق تقرير مصيره، وبذلك نقل مشكلة السودان الى الجانب المصري، في يوليو/تموز 1952 صعدت مجموعة من ضباط الجيش الى موقع الحكم في مصر وشكلوا مجلسًا لقيادة البلاد برئاسة اللواء محمد نجيب الذي ولد في السودان ويرتبط بعلاقات قوية بالنخبة السياسية السودانية.

لتفادي التعامل مع مشكلة بحجم السودان، قرر مجلس قيادة الثورة تعديل مشروع دستور الحكم الذاتي ومنح سلطات أوسع للسودانيين خلال الفترة الانتقالية، بعيدًا عن أي وصاية مصرية أو بريطانية. وبعد مفاوضات وقع الجانبان المصري والبريطاني اتفاقية تقرير مصير السودان في فبراير/شباط عام 1953 والتي تنص على أن يقرر السودانيون مصيرهم بعد ثلاث سنوات من الحكم الانتقالي، سواء بالبقاء مع مصر ضمن أي صيغة أو نيل الاستقلال وإعلان دولة غير خاضغة فعليًا للتاج البريطاني أو اسميًا للحكم المصري.

في ذلك الوقت كانت الساحة السياسية السودانية منقسمة بين الانفصاليين ويمثلهم حزب الأمة تحت قيادة زعيم الطائفة المهدية عبد الرحمن المهدي، وبين الاتحاديين بزعامة إسماعيل الأزهري الذي شكل الحزب الوطني الاتحادي، بالإضافة إلى جبهة وطنية تحت قيادة زعيم الطائفة الختمية علي الميرغني وكان يرغب في بقاء السودان مع مصر لكن بعد تشكيل حكومة وطنية تمارس الحكم الذاتي وهو ما كان ينادي به أيضًا الأزهري.

بسبب حروب والده الإمام محمد المهدي ضد الحكم المصري التركي في القرن التاسع عشر، لم يكن عبد الرحمن المهدي راغبًا في البقاء ولو اسميًا تحت المظلة المصرية، بينما كان الأزهري والميرغني يرغبان في تشكيل حكومة وطنية والإبقاء على الاتحاد مع مصر.

على الجانب المصري كان ضباط مجلس قيادة الثورة راغبين في أن يبقى السودان مع مصر دون أن يشكل عبئًا عليها خلال مفاوضات الجلاء مع بريطانيا أو برامج التنمية وأبرزها الإصلاح الزراعي، أو أن يستقل دون البقاء ضمن أي مظلة أخرى وتحديدًا التاج البريطاني.

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن المسألة السودانية لم تكن حاضرة ضمن خطاب الحركة الوطنية المصرية خلال النصف الأول من القرن العشرين، وبالتالي لم تكن النخبة السياسية المصرية في ذلك الوقت تشغل بالها كثيرًا بإعادة إخضاع السودان للحكم المصري كما كان الوضع خلال حقبة الخديوي اسماعيل.

في تلك الفترة أيضًا، لم تكن مصر وهي تحاول التوصل مع بريطانيا لاتفاقية لإجلاء قواتها من منطقة قناة السويس قادرةً على إعلان احتفاظها بالسودان من جانب واحد، خاصةً في ظل لحظة “ما بعد استعمارية” تشهد صعوداً لحق الشعوب في الاستقلال وتقرير مصيرها بعيدًا عن الوصاية الأجنبية.

كما أن مصر لم تمارس سيادة فعلية على السودان منذ عام 1899، وهو ما جعل زعيم حزب الأمة السوداني عبد الرحمن المهدي ووفدًا يمثل زعيم الجبهة الوطنية التي يترأسها علي الميرغني يتوجهون إلى بريطانيا للاجتماع بوزير الخارجية أنتوني إيدن وبحث مصير السودان.

ويروي الصحفي المصري الراحل محمد حسنين هيكل أنه التقى عبد الرحمن المهدي وسأله معاتبًا عن لقائه بإيدن والتوجه إلى بريطانيا لبحث المسألة السودانية بدلًا من التحدث مع مصر أولًا، وأن رد المهدي وفق هيكل كان "صعباً ودقيقًا"؛ إذ رد "إذا الإنجليزي جالنا إلى السودان راكبًا عربة مصرية تجرها خيول مصرية وتدفعها من خلف أيدٍ مصرية فأنا طبيعي هكلم السيد الجالس في العربة ومش هكلم الأحصنة ولا اللي بيزقوه".


كان استقلال السودان عام 1956 نتيجة رغبة بريطانية في الانسحاب من بعض مستعمراتها في أعقاب الحرب العالمية الثانية مع تصاعد مد حركات التحرر الوطني، وليس منحةً من المصريين أو تفريطًا في أراضٍ يمارسون السيادة عليها تاريخيًا، بل إن رغبة البعض في تجاهل هذه الحقيقة وإنتاج تاريخ غير حقيقي لماضٍ “مجيد” تمارس فيه القاهرة سلطانها على أراضٍ تمتد من البحر المتوسط شمالًا وحتى الحبشة جنوبًا، يبدو مرتبطًا بفكرة الهرب من واقعٍ حالي لا تبدو فيه القاهرة بخير!