رحلة "الزول" من الحاسبات إلى بازار الحاج زينهم: "أربع سنين بشتغل ببلاش"

إذا كنت من روّاد مقهى البستان، ومررت مساءً بجانب البازار الصغير وخطفت عينيك تحفة أو تمثال، ستجد الزول واقفًا يدعوك للدخول والمشاهدة، بحماس يخبرك عن كل قطعة تشير إليها متسائلًا عن تاريخها ليخبرك عن هذه التي من السبعينات، وتلك الأخرى الذي يتعدى عمرها المائة عام.

لأربع سنوات، تحديدًا حتى العام 2014، ظل محمد أحمد، الشهير بعوض، أو الزول، ينزل كل يوم في العاشرة صباحًا من شقة صغيرة في الدور الأول بأحد عمارات وسط البلد، ليفتح محلًا صغير المساحة على بعد خطوات منه، بالقرب من مقهى البستان، يعرف ببازار "الحاج زينهم"، يمتلئ بتحف وتماثيل، يعمل الزول على العناية بها وتنظيفها، دون مقابل: "العيلة دي معروفة في سوق الأنتيكات، ولاد عم في بعضيهم ومابيشغلوش أي حد".

الشاب السوداني الجنسية، طالب في كلية الحاسبات والمعلومات بأحد الجامعات المصرية، يغيب عن محاضراتها وسكاشنها رغبة فيما عند الحاج زينهم، مالك البازار الذي يعمل فيه، من علم بخبايا تجارة الأنتيكات: "أنا بحب الناس دي، بيعلموني شغالة لو دفعت فيها فلوس مش هتعلّمها". يحكي أنه الاستثناء الوحيد في بين العاملين الذي لاينتمي لعائلة المالك: "الحاج زينهم بيحبني. بخلي بالي من الحاجة، فضلت أربع سنين بشتغل لحد ما اقتنع بيّ فبقى بيديني مرتب".

كل يوم يدخل الزول إلى المحل، يًخرج بعض القطع للخارج لتزين المدخل، كراسٍ مذهبة وفوانيس بزجاج ملون أزرق وأخضر، وطاولات خشبية على الطراز الإسلامي وأعمدة رخامية، ينهي المهمة في الطابق السفلي، ليصعد إلى العلوي، ينظف المدفأة الموجودة بإحدى الغرف الصغيرة بين قطع أخرى متجاورة، كل منها تحمل تاريخًا وطرازًا مختلفًا عن الأخرى.


يغيّر بيده مؤشر الراديو الخشبي، ليخرج منه صوت إذاعة الشباب والرياضة. يمسك بيده أحد القطع، ساعة قديمة، يعيد تركيب بعض أجزائها. بابتسامة صغيرة يحكي أنه وابن الحاج زينهم رميا أنفسهما لحماية فازة كبيرة كانت تستقر على أحد درجات السلّم الواصل بين طابقي المحل، لحمايتها من التكسّر بعد أن سقطت: "الحاجات ديه ما ينفعش تقع" مشيرًا بيده ليؤكد على النفي القاطع.

إذا كنت من روّاد مقهى البستان، ومررت مساءً بجانب البازار الصغير وخطفت عينيك تحفة أو تمثال، ستجد الزول واقفًا يدعوك للدخول والمشاهدة، بحماس يخبرك عن كل قطعة تشير إليها متسائلًا عن تاريخها ليخبرك عن هذه التي من السبعينات، وتلك الأخرى الذي يتعدى عمرها المائة عام، ينظر الزول إلى تلك القطع محاولاً شرح سبب حبه لها: "حاجات إنت بتحسيها، يعني مثلًا فازة، تابلوه تحبي تقعدي تتفرجي عليه كدة".

حماس الزول للأنتيكات امتد من مصر إلى السودان التي جلب، بحسب روايته، منها قطعًا عدّة إلى هذا البازار، السودان بالنسبة إليه مصدر مهم لأنتيكات لايدرك أغلب مقتنييها قيمتها: "ممكن بيت يبقى جواه نجفة حلوة جدًا، بس صاحبها ما يعرفش إنها أنتيك. السودان فيها أنتيكات كثير بس مش مقدّرين ده".

يرفض الزول عروضًا للعمل في بازارات أخرى، بحسب حكايته، يعلم أن تجارة الأنتيكات تجارة مداها ضيّق ويشمل عددًا محدودًا من اللاعبين، أبرزهم عوائل عُرفوا بهذه التجارة لسنوات، لكنه يرى أن ما يتعلّمه في البازار الصغير يكفي لتتمحور حياته ومستقبله حوله: "الناس دول لهم فضل عليّ ومش ممكن أسيبهم، أنا بشتغل هنا اللي بحبه مع ناس بيحبوني وبحبّهم".