تصميم: المنصة

لقطات غير مضحكة لـ "زعماء" العالم الجديد

منذ تولي دونالد ترامب منصب الرئاسة، أُثريَ القاموس العام بمفاهيم ومصطلحات جديدة من بينها على سبيل المثال "الواقع البديل"، و"الحقيقة الزائفة أو المصطنعة". لم يعتد الأمريكيون لسوء الحظ مثل هذه التعبيرات المستحدثة، مع ذلك كان عليهم أن يتأقلموا عليها، وأن يتعاملوا مع علامات الغموض والالتباس والفجاجة التي باتت تميز الخطاب الرئاسي. لقد أدرك الكثيرون مؤخرًا أزمة وجود رئيس لا يقول الحقيقة وتلك قضية يمكن طرحها على طاولة البرامج الحوارية للتنبؤ بعواقبها على سياسات الولايات المتحدة في المستقبل.

يلتقط الجمهور يوميًا سيلًا من خطابات مفاجئة، ومفردات غير مألوفة وعبارات ليست متوقعة تصدر عن الرئيس ترامب مخلوطة بسلوك مسيء؛ وينتج عنها في نهاية الأمر مشهد سياسي صادم. المدهش أن أغلب دول الشرق الأوسط لا تستقبل مثل هذا الأداء باندهاش أو تعجب، ببساطة لأن مواطنيها اعتادوا التعامل مع التلاعب السياسي المتكرر، وابتلاع الأكاذيب المباشرة.

ثمة جوانب مشتركة بين الرئيسين الأمريكي والمصري. لا يخفى على أحد أن كلا الزعيمين ينسجمان معًا بشكل رائع، وقد أشارت وسائل الإعلام مرارًا إلى "كيمياء" تجمع بينهما. كتب إيان بريمر منذ فترة في مجلة تايم أن كلا الزعيمين حليفان متشابهان في الأفكار. بدا أنه محق إذ أعلن الرئيس دونالد ترامب إعجابه بالرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة، حتى إنه وصفه مؤخرًا بتعبير "دكتاتوري المفضل".

بالرغم من الاختلافات الثقافية والمسافة التاريخية التي تفصل بين الرئيسين إلا أن أوجه التشابه موجودة بالفعل؛ فعلى سبيل المثال يصدر الزعيمان تصريحات غريبة وردودًا محرجة في كثير الأحيان، وقد تابع العالم كله ترامب حين زعم خطأ أن إعصار دوريان يهدد ولاية ألاباما؛ حيث كانت الشمس مشرقة، وعلى الجانب الآخر شاهد الجميع الرئيس المصري يتحدث إلى نظيره الأفريقي، ويطلب منه أن يقسم بالله بأنه لن يتسبب في أي ضرر لمصدر المياه الرئيسي الذي يغذي بلديهما. هذه المواقف التي أضحكت الملايين بلا توقف لا تعد استثنائية.


آبي أحمد يردد القسم بالله العظيم أنه لن يهدد أمن مصر المائي

مهما بلغت حدة السخرية وتصاعد حسّ الفكاهة العام، ومهما كان رد فعل وسائل الإعلام؛ لا ينفك كلاهما يُعبِّر عن إعجاب شديد بالذات، ويؤمن أن العالم سينهار في غيابه. يتعامل الزعيمان كما لو أنهما من الأبطال الخارقين؛ مهمتهما هي إنقاذ الناس فيما يُرددان الشعارات التي ابتكروها: "أمريكا أولًا"، "تحيا مصر"، "أم الدنيا وهاتبقى قد الدنيا"، ويجب على الجمهور أن يتأكد من ذلك: بدون ترامب لن تكون أمريكا في المقدمة، ومن الوارد أن تنشب حرب أهلية، وكذلك الحال بالنسبة للسيسي؛ فبدونه لا تساوي البلد شيئًا، إذ "أهل الشر" يتحفزون لتدميرها.

بمشيئة الله

للدين دور محوري في طريقة تفكير الزعيمين؛ فكلاهما على الأرض لتنفيذ مشيئة الله، الاثنان مُلهمان، وعلى هذا تغدو معارضتهما بمنزلة امتهان للخالق، وبالرغم من اختلاف عقيدتيهما الدينيتين؛ فإنهما يلتزمان السير على الطريق ذاتها.


دونالد ترامب ينظر إلى السماء قائلًا: أنا المختار

بغض النظر عن تباين البنية الجسدية لكل منهما؛ إلا أن هناك سمات مشتركة تتعلق بلغة الجسد التي تكاد تتطابق في مواقف بعينها؛ النظرات التي يرمقان بها الصحفيين والمراسلين، والإيماءات المجردة، ووضعية اليدين في الصور الرسمية. كذلك لا يغفل جمهور المشاهدين عن أسلوب ترامب الذي يتحرك في مشيته كرجل قوي، ومثله يفعل الرئيس المصري المفتون بسُلطته.

في الواقع يستعين كل منهما بأدواته الخاصة لإظهار قوته؛ يلعب ترامب لعبة النفوذ والمال، بينما يخلق السيسي نظامه الشمولي الملئ بالقمع والخوف، وعلى كل حال؛ يلعب كلاهما على إيقاظ تلك النعرة القومية الزاعقة لدى الجماهير، بما يستدر مشاعرها ويثير حماستها ونخوتها.

من السمات المشتركة أيضًا: اللغة ضعيفة المفردات، فقيرة المحتوى، والكلمات التي تهاجم الآخرين بعنف. تُلاحظ أيضًا خطابات الكراهية، والتمييز ضد مجموعات بعينها. بالنسبة للرئيس عبد الفتاح السيسي؛ يحتاج المواطنون دومًا إلى بذل الجهد لتحسين صورتهم والارتقاء بها؛ حتى إنه تحدث مرارًا عن أوزانهم الثقيلة وبنيتهم الجسدية غير الملائمة. وبالنسبة للرئيس دونالد ترامب؛ فالنساء وذوو البشرة الملونة والمهاجرين غير مرحب بهم أيضًا.

كلمات الزعيمين عفوية تخرج دون تنقيح أو عوائق ولا تتم غربلتها؛ إذ لا وقت لديهما للتفكير في محتوها، ينطق كل منهما بما يخطر بباله مباشرة رغم بساطة أفكارهما.

أذهلت هذه التلقائية الجمهور مرارًا، قال ترامب مؤخرًا في إحدى المؤتمرات الصحفية "الديمقراطيون لزجون إنهم يلتصقون ببعضهم البعض"، كما صاح الرئيس المصري غاضبًا في حدث عام ذات مرة قائلًا "أنت مين؟ أنت دارس الكلام اللي بتقوله ده؟"، وأثارت تلك الردود المفاجئة عددًا هائلًا من التعليقات الساخرة على وسائل التواصل الاجتماعي.

صادق جدًا

قبل عدة أسابيع سلطت سي إن إن CNN الضوء على محاولات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تطبيع سلوكه غير الطبيعي وغير المقبول من خلال إغراق الرأي العام بفكرة إنه صادق ويقول الحقيقة دائمًا. يفعل الرئيس السيسي ذلك أيضًا، فقد خاطب الجماهير أكثر من مرة قائلًا "أنا راجل صادق أوي، وأمين أوي، وشريف أوي"، وكذلك "ابنكم شريف ومخلص"، و"لم أكذب في حياتي".

قال ميشيل فوكو إن الخطاب المُحكَم الذي يُمكنه إقناع الناس، ليس وسيلة للوصول إلى السُلطة فقط؛ لكنه يؤسس لنفسه كسُلطة منفصلة. ربما كان فوكو مُخطِئًا بعض الشيء، إذ أن التجارب الحالية تثبت العكس، فقد نال الخطاب الضعيف غير المحكم والفاقد للتماسُك؛ قوةً هائلة، وتبوأ سُلطةً ومكانة رفيعتين، وها هو يعيد تشكيل العقول ويخلق عالمًا جديدًا.

العدو، دائمًا، على الأبواب

قطعًا هناك أعداء على الدوام، ويستخدم الزعيمان كلمات مُفاجئة وأحيانًا مُهينة في الحديث عنهم. تستخدم وسائل الإعلام المصرية بانتظام كلمة "تصفية"؛ لوصف هجوم قوات الأمن على المشتبه بهم الذين قد ينتمون إلى جماعات إسلامية، هذه الكلمة تشير ببساطة إلى عملية قتل عمد غير مبررة، وفي إطار مُقارِب.

استخدم ترامب كلمة "كلب" حين أعلن عن مقتل زعيم تنظيم ما يسمى الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي: "مات كالكلب" قالها الرئيس الأمريكي في تصريحه المُذاع على الهواء مباشرة. ربما يعكس استخدام هذه المفردات الفجة ميلًا للانتقام والتشفي، وهو يخرق كذلك الاحترام الواجب لحقوق أي إنسان، بل ويتجاهل الالتزامات التي فرضها القانون.


ترامب: أبو بكر البغدادي مات كالكلب

الطرف الثالث الغائب

بالرغم من المتشابهات إلا أن الاختلافات أيضًا حاضرة؛ لا يمكن إهمالُها. إن النظام السياسيّ الذي يسمح للسيسي بأن يكون الصوت الأوحد في البلاد، هو وضع لا يحصل عليه ترامب؛ إذ يتمتع المجتمع المدني والإعلام هناك بما يكفي من قوة لمنع هيمنة صوت واحد على المسرح ومثلهما الأحزاب السياسية، وبينما لم يتمكن ترامب إلا من منع صحيفتي "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست" من دخول البيت الأبيض، بعد ما وجهتا له انتقادات عنيفة ولاذعة، فإن السيسي يفرض قبضة حديدية على المساحات المتاحة كافة؛ لا يستطيع أحد أن ينتقده بأي حال؛ لا في الصحف أو التلفزيون أو الشارع.

يذكر كذلك أنه بينما قرر ترامب مؤخرًا الانتقال إلى فلوريدا لأن الناس لا يرحبون به على نحو مُرض في نيويورك، فما يزال بمقدور نظام الرئيس السيسي تهجير مواطنين من مناطق الوراق وماسبيرو وغيرهما، إضافة لدفع الناس نحو العاصمة الجديدة.

كلا الزعيمان له أنصار، لكن إلى أي أرضية ينتمون؟ لعدة أسباب تصعب مناقشتها هنا، قد يمثل القوميون نسبة كبيرة من قاعدة الناخبين المؤيدين لترامب، فيما يتمتع الرئيس المصري بدعم نخب متنوعة تضم اليساريين والليبراليين وعديد الكتاب والفنانين والمثقفين وحتى السلفيين. السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يفوز الزعيمان باللعبة السياسية رغم أدائهما غير البارع؟ مَن منهما يحقق نجاحًا أكبر؟

من الواضح أن الرئيس المصري في موقع أفضل الآن، فخلال السنوات القليلة الماضية ازدادت معدلات الفقر بصورة هائلة، وتضاعف عدد المقبوض عليهم عدة مرات، كما ارتفع الدين الخارجي بحدة، ويعاني الناس بشكل ملحوظ من تدهور اجتماعي واقتصادي، ومن جهة أخرى باتت المعارضة ضعيفة للغاية، تتسم بالعجز البالغ في مواجهة الإجراءات القمعية التي تتخذها السلطة السياسية.

بدلًا من التعرض للنقد الشديد يحصل الرئيس مقابل السلبيات التي أفرزتها سياساته على الثناء والمديح، بل ويستقبل تشجيعًا عارمًا في بعض الأحوال، ولا يبدو أنه سوف يترك منصبه قريبًا. على الجانب الآخر؛ يتعرض ترامب لاستجوابات حازمة، كما يخضع مسلكه لفحص وتحقيق صارم، وهو يقف الآن في مرمى النيران بسبب إجراءات العزل التي اتخذها الديمقراطيون ضده.

على الرغم من أن وجود ترامب في السلطة قد ضيّق المسافات بين المواطنين الأمريكيين الذين يعيشون في دولة "ديمقراطية" تنتمي للعالم الأول، وبين مواطنين آخرين يرزحون تحت إمرة أنظمة استبدادية متباينة تنتمي لعوالم أقل تقدمًا؛ بما خلق تفهمًا إيجابيًا بين الفريقين، وجعل معاناة المقموعين أكثر وضوحًا ومنطقية، وكشف أدوات التحكم والسيطرة الخطابية؛ إلا أنه يصعب تجاهل الوقع السلبي لسياسات الإدارة الأمريكية على نماذج الحكم في مختلف البقاع؛ إذ راحت أنظمة متعددة تفاقم من انتهاكاتها ضد مواطنيها، محتمية بالدولة العظمى التي تغيرت صورتها وتبدل أداؤها.

ربما يستنتج المرء بسهولة أن موقع الرئاسة قد سِيق إلى وجهات متعددة؛ ليبدو كمزحة طريفة أو لقطة هزلية صارخة؛ لكن هذا المآل لم يعد لشديد الأسف مضحكًا، بل ينبغي أن يتم التعامل معه بقدر وافر من الجدية والصرامة. واقعيًا؛ هناك ضرورة ملحة لإعادة النظر في قواعد السياسة الحالية، بما يتيح اكتشاف الفجوات التي أسفرت عن تحويل مكانة المناصب الرئاسية إلى ما يشبه المأساة.


ترجمه عن الإنجليزية: كريم كيلاني

المقال ظهر للمرة الأولي باللغة الألمانية في صحيفة Neue Zürcher Zeitung السويسرية.