أطلال فندق شبرد، وما تبقي منه عقب حريق القاهرة 1952

حريق القاهرة: ما الذي احترق ومن الذي أشعله؟

احترقت درة التركز الحضري في القاهرة ومكان اجتماع وأعمال البرجوازية المحلية والأجنبية، حيث أغنياء المصريين والمتمصرين والأجانب. احترق "العالم الراقي" بسهولة.

يقال إن التاريخ يكتبه المنتصرون، ولكن ماذا لو أن بعضًا من محطات هذا "التاريخ" كانت هزيمة للجميع؟ وقتها تصبح مشكلتهم الرئيسية معه هو محاولة نسيان ما يستحيل نسيانه بالكامل بفعل قوة وطأته على نفوس من عاصروه.

تظل بعض محطات التاريخ هزيمة للجميع وخزيًا للمنتصر والمهزوم على حد سواء، بشكل يطبق على أنفاس الحاضر، وتطارد أشباحه تصورات الذات الحاضرة عن نفسها، بعد أن عجزت ذات الماضي عن تأمل خزيها ومراجعة آثامها ورؤاها، بحيث يصبح إنكار ما بعد الصدمة حالة دائرية تعيد إنتاج نفسها، وبحيث لا يبقى من صفحات هذا التاريخ المنكر من الجميع إلا شذرات من عار، يسعى كلٌ بطريقته إلى نسيانه في عصبية، فتتولد روايات ركيكة ودارجة تتسم بالابتسار وعدم التماسك وكثيرًا من اللامعقولية، وفي مصر بالذات لدينا محطات من تاريخنا الحديث هي تاريخ من الإنكار ذاته.

إذا تجولت هذه الأيام في أحياء القاهرة القديمة والشعبية، ستجد بعضًا من حواريها تغيرت أسماؤها القديمة إلى أسماء شهداء سقطوا في جمعة 28 يناير 2011، وأحيانًا تجد صورهم تزين مداخل تلك الحارات، في نفس الوقت الذي يحاول فيه الإعلام الرسمي تسييد رواية تعتبر ثورة يناير بمجملها مؤامرة صنعها أعداء الوطن الداخليين والخارجيين، والتأكيد المستمر والمتواتر على أن من اقتحم وحرق عددًا كبيرًا من أقسام الشرطة ليلة 28 يناير، كانوا عناصر خارجية مندسة من تنظيمات حماس وحزب الله، وعناصر داخلية من الإخوان المسلمين، وليست جماهير من الأحياء الشعبية الغاضبة.

بوستر لأحد قتلى ثورة 25 يناير.

بالطبع لن يمتلك أكثر المعاصرين تشاؤمًا جرأة تصور إمكانية نجاح ذلك، لأننا في عصر التدوين الحي اليومي الشعبي، مهما تخيل أي من كان إمكانية إزالة تاريخ بهذه الكثافة الحية الموثقة ورقيًا وإلكترونيًا بالصوت والصورة والحكي، لكن في نفس الوقت بعض من الشك والتشاؤم لا يضر، وبعضنا يعلم أن كثيرًا من اللحظات الجلل العظيمة والانتفاضات الجماهيرية الهادرة، تم تحويلها إلى مجرد أحداث مؤسفة أو مؤامرات تتقاذف تهمة تدبيرها كل الأطراف لبعضها البعض، وليس أقلها أهمية هو حريق القاهرة في 26 يناير 1952.

داء الانكار المصري

كان التعاطي التاريخي مع حريق القاهرة بالذات من الأمور التي تصيبني بالكرب والنفور، بشأن ما يمكن تسميته داء الانكار المصري المعاصر لحوادث جلل، ولحظات مفصلية وتحولات حاسمة في تاريخه الحديث.

يحدثنا حريق القاهرة وتعاطي مجمل مكونات القوى الوطنية المصرية معه، بالكثير عما يمكن أن ينال مستقبلًا من تاريخ ثورة يناير 2011، التي أدين لها بالكثير في فهم وتفسير حريق القاهرة نفسه، والتي من دون ما اختبرته فيها من تجارب وخبرات جسام، لربما ظلت فريسة مترددة لبعض الروايات المتناقضة والمشوهة والمبتسرة، عن حريق القاهرة كواقعة مهمة ومفصلية في تاريخ مصر.

مرَّ على هذا الحدث الجلل ما يزيد عن الخمسة وستين عامًا، ولا تزال المسؤولية عنه بلا رواية سائدة وغالبة، فقط روايات متناقضة لها أوزان نسبية مُقاربة، تخبو وتعلو على حسب الظرف السياسي وأسهم الفاعلين فيه، وتتسم جميعها بالابتسار والرغبة في تغطية التاريخ أكثر من كشفه، وتنضح بغائية تقترب من البلاهة المنفرة، ويتهم الكل الجميع حتى تاريخنا هذا، فتارة يتم اتهام الملك فاروق بتدبير الحريق وتارة يتم اتهام حركة مصر الفتاة، وعناصر من الاخوان المسلمين وأحيانًا يتم اتهام الضباط الأحرار بالتورط، وفي معظم الروايات تحضر المخابرات البريطانية كطرف مهم.

كل الأطراف تتهم بعضها البعض لأن لا أحد يريد تذكُّر ما حدث قبل الحريق وأفضى إلى حدوثه، لا السياق الذي صاحبه ولا الخطابات التي كانت سائدة وقتها وأدّت إليه، ولا التكتيكات السياسية للأطراف الفاعلة التي دفعت في اتجاهه، وأخيرًا لا يريد أحد الاعتراف بوجود فيل ضخم في الغرفة اسمه سكان القاهرة الفقراء، الذين كانوا وقود الحدث وصانعيه وأبطاله.

إحدى دور السينما في منطقة وسط القاهرة تحترق

ما قبل الانتفاضة

جاء حريق القاهرة كنهاية شديدة الدرامية لحراك سياسي واجتماعي متسارع ومتنوع وعنيف دام ستة سنوات، مصر لم تكن فيه استثناءً عن بقية دول العالم، فقد انتهت الحرب العالمية الثانية عام 1945 لتبدأ في أعقابها سلسلة من الاضطرابات السياسية والاجتماعية في كل دول العالم كجزء من الصراع على صياغة عالم ما بعد الحرب العظمى وعلى ماهية الأسس السياسية والاقتصادية والاجتماعية خاصة في ظل الفراغ الذي خلفته الحرب بانهيار امبراطوريات وصعود أخرى وتراجع بعضها.

كانت مصر سبّاقة بين دول العالم فأفتتحت في يناير 1946 سلسلة من الإضرابات الطلابية والعمالية الناجحة التي رسمت مسار وخطاب الحراك السياسي حتى يوليو 1952، واتسمت الحركة الطلابية العمالية بصعود مزاج يساري لافت في قيادتها صبغ مطالبها فأصبحت شعارات الأصلاح الاجتماعي في متن خطاب الحركة الوطنية المصرية لأول مرة، وكانت الحركة من الراديكالية والشجاعة بأنها هتفت بسقوط حكم الملك فاروق لأول مرة ووسمته بالطغيان واصطدمت بالقوات البريطانية الموجودة في القاهرة فسقط العديد من القتلي والجرحى وأعلن الأضراب العام في 8 مارس/ آذار 1946 .

حركة العمال والطلبة

كانت حركة العمال والطلبة في مطلع 1946 هي الإعلان الواضح لطلب التغيير السياسي والاجتماعي الجاد في مصر، وأنه أصبح أمرًا لا يحتمل التأجيل، وجاء إعلان قيام دولة إسرائيل في مايو/آيار 1948 ومحاولة الملك فاروق قلب الطاولة السياسية عبر توجيه الحراك الجماهيري خلف دعم الحرب في فلسطين ليزيد الطين بلة، نتيجة الهزيمة التي تعرض لها الجيش المصري والجيوش العربية أمام قوات صهيونية ناشئة شبه نظامية.

وبالتالي أضيفت المسألة الصهيونية ومسألة حال القوات المسلحة إلى أجندة الحركة الوطنية المصرية ونقاطها السياسية والاجتماعية، في وقت تصاعدت فيه وتيرة الصراع السياسي وحدة التعبير عنه، حتى وصلت لمرحلة اعتماد التصفية الجسدية والاغتيال كأداة من أدوات الصراع.


اغتال الوطنيون المتطرفون رئيس الوزراء وزعيم حزب السعديين، أحمد ماهر، ثم اغتال الإخوان المسلمون رئيس الوزراء وزعيم السعديين التالي، محمود فهمي النقراشي، ردًا على قراره بحل جماعة الإخوان فكان رد السعديين الانتقامي هو اغتيال مرشد الإخوان حسن البنا في السنة التالية، وفي الأثناء صفّى المحسوبون على الحزب الوطني القديم وجماعات إرهابية وطنية شابة أمين عثمان أحد قادة حزب الوفد، وحاولوا اغتيال مصطفي النحاس نفسه، وكان أنور السادات طرفًا أساسيًا في العمليتين.

حملت هذه السنين مزاجًا راديكاليًا متسارعًا، على مستوى التحركات ومستوى الأفكار، وأصبح الاستقلال الكامل مسألة وقت، لكن ليس من المعروف بأي وتيرة وبأي نظام سياسي سيتأسس في أعقابه، في وقت اهتزت فيه هيبة القوى التقليدية المهيمنة في مصر (السراي وحزب الوفد على السواء) وزادت شعبية ووزن القوى السياسية الآتية من رحم الطبقة الوسطى الصاعدة، فقويت شوكة الإخوان المسلمين والشيوعيين وحركة مصر الفتاة، مما سبب ظهور جناح أكثر يسارية داخل حزب الوفد نفسه، بقيادة عدد من شبابه، وسمي بالطليعة الوفدية، كان أكثر تقاربًا مع اليسار، وأكثر نقدًا لطبقة الباشاوات المهيمنة على الحزب.

كل ما سبق رافقه تغيرات عالمية كبرى بصعود مهيمن للولايات المتحدة، ومن خلفه الاتحاد السوفيتي، وأفول عصر الاستعمار البريطاني والفرنسي القديمين، وهي تغيرات لم تدركها القوى السياسية المصرية بالحذق اللازم، ربما باستثناء ضابط شاب اسمه جمال عبد الناصر أسس تنظيمًا سياسيًا وطنيًا تقدميًا داخل القوات المسلحة، كان مقدرًا لعصاه أن تأكل باقي العصي لتكون له كلمة الحسم في نهاية حراك 1946 - 1952 .

الملابسات السياسية للحظة الانتفاضة

أدرك فاروق الأول أن شرعية حكمه المطلق أصبحت مهتزة، ونالت المشاكل العائلية التي انفجرت في قصر عابدين، وهرب والدته الملكة نازلي وأخته الأميرة فوقية إلى الخارج واعتناقهما المسيحية من الهيبة التقليدية لمقام المُلك، واضطر فاروق، الذي أصبح يردد أنه لن يبقى في العالم الجديد ملوكًا إلا ملك بريطانيا وملوك الكوتشينة الأربعة، إلى أن يهادن حزب الوفد ويعقد معه صفقة تاريخية طوعية، فسمح بإجراء انتخابات برلمانية كاملة الحرية والنزاهة مطلع عام 1950.

فاز حزب الوفد بالطبع ولكنه لم يحصد كامل المقاعد كما اعتاد في الانتخابات النزيهة النادرة التي أجريت، بل فاز بـ 69% فقط من المقاعد، ليظهر أن هيمنة الوفد المطلقة على الحركة الوطنية المصرية لم تعد كما كانت، وأن لاعبين جدد قد ظهروا في المشهد النيابي.

فهم مصطفي النحاس تلك المستجدات السياسية بعقلية عشرين عامًا مضت، فقرر اتخاذ خطًا أكثر راديكالية في المسألة الوطنية ومسألة الاستقلال، وأعلن في نوفمبر/ تشرين الثاني 1951 إلغاء معاهدة 1936، في خطاب مفاجىء وجهه إلى مؤتمر مجلس النواب والشيوخ قائلا "من أجل مصر وقعت معاهدة 1936 ومن أجل مصر أطالبكم اليوم بإلغائها".

صعَّد مصطفي النحاس المعركة الوطنية ضد الوجود البريطاني من دون أن يقدم مشروعًا لإصلاحات اجتماعية ملحة وعاجلة، تستجيب لمتطلبات شعب يئن، واستثمر في التصعيد الخطابي ضد الإنجليز والأجانب بوعي متبلور، أو كمطية إنكار لاستحقاقات اللحظة التي كانت تتطلب التسريع بإجراء إصلاحات اجتماعية لازمة لبنية المجتمع المصري وبنية القوى الاجتماعية المهيمنة داخله، وكان هذا الحساب الخاطيء سببًا في اتخاذ مسار سياسي اتسم بالاضطراب الشديد، فمن زاوية تم تسييس الشارع مرة أخرى بخطاب وطني أكثر تطرفًا، ولكن في نفس الوقت من دون محتوي اجتماعي يتطلبه الشرط الموضوعي، فأدى ذلك إلى انفجار منطقي وحتمى في وجه الجميع.

أطلال مقهى الإكسلسيور وسط مدينة القاهرة

إعلان الجهاد

لقد كان إلغاء المعاهدة المصرية البريطانية من جانب واحد، إعلانًا من مصر بعدم شرعية الوجود البريطاني في قناة السويس، وما يترتب على ذلك من شرعية الكفاح المسلح ضد هذا الوجود.

لم تمر أسابيع حتى سارعت كل القوى السياسية الناشئة بإعلان "الجهاد" وتسيير الفدائيين إلى قناة السويس حتى ولو لم تكن خطواتهم جادة أو مدروسة، فمن زاوية كان هذا ميل عاطفي وعقيدة سياسية أصيلة لكل تلك القوى، ومن زاوية أخرى كان إعلانا للتواجد المسلَّح على الأرض في مسرح السياسة المصرية، فأعلن الإخوان والشيوعيون ومصر الفتاة والحزب الوطني، ومجموعات من الضباط الشبان ومجموعة من الطلاب المتحمسين والكل كليلة، عن فتح باب التدريب للتطوع من أجل القتال في القناة.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل راحت مجموعات من اللصوص والبلطجية تعلن نيتها القيام بنفس الأمر، بل وذهب بعض منها بالفعل للقتال في قناة السويس، وسرقة المعسكرات الإنجليزية بالطبع.

شهور قليلة وظهر أن بوادر فوضى للسلاح تغطى ربوع مصر، الحالة الوطنية في عنفوان عصبي، والكل يسعى للتسلح من أجل المشاركة في معارك الجهاد في القناة، مما اضطر الحكومة الوفدية لإعلان ضبط العملية بمجملها، وإشراف وزارة الداخلية بقيادة فؤاد سراج الدين على العمل الفدائي في القناة، وذلك في تطور هزلي ودرامي وتاريخي في نفس الوقت، حيث تحولت الشرطة المصرية من كونها أحد أكثر الأطراف الداخلية تفاهمًا وتنسيقًا مع البريطانيين إلى القائد الميداني للعمل المسلح ضدهم.

لم يكن هناك بدًا من ذلك بعد أن أدرك الوفد انه لم يدرس تداعيات قراره بإلغاء المعاهدة، وأصبح الحفاظ على السلم العام وعلى ضمان سيطرة الدولة على احتكار التسلح أولوية على كل ما عاداه، بشكل ورط الشرطة المصرية في مواجهة اﻹنجليز مواجهة غير مسبوقة وغير مدروسة، ستفضى بعد أقل من شهرين إلى واحد من أكثر المشاهد العبثية في تاريخ مصر، حيث الشرطة والشعب يد واحدة ضد اﻹنجليز ومن والاهم، فكان الحريق.

يوم الحريق: مَن حرق ومن احترق

لم يكن الأمر مفاجئًا بالمرة، كان المصريون وعلى مدى يوم كامل يتابعون أخبار الاشتباكات بين القوات البريطانية والشرطة المصرية في محيط مبنى محافظة الإسماعيلية، وكانت اﻹذاعة المصرية تبث باستمرار آيات من القرآن، لقد كان الجو مشحونًا ومعبئًا بالفعل، و تصاعدت الحرب الكلامية بين مصر وبريطانيا لأسابيع، وعبَّرت بريطانيا عن نيتها التصدي للهجمات الفدائية التي تتعرض لها قواتها في القناة، والمشمولة برعاية وحماية الشرطة المصرية.

أسرى مصريون من معركة قسم شرطة الإسماعيلية

وكان الهجوم على مبنى محافظة الإسماعيلية جزءًا من خطة عسكرية معدة سلفًا بغرض القبض على الفدائيين المصريين المحتمين داخله، وكانت ذروة التصعيد هو عدم مهادنة الحكومة المصرية للبريطانيين، وإصرار وزير الداخلية فؤاد سراج الدين على عدم الرضوخ لمطالبهم ومطالبته لرجال الشرطة بالقتال حتى آخر رصاصة، وهو ما قاموا به بالفعل، فخلف الأمر معركة دامت يومًا كاملا قُتل فيها 150، ووقع ما يقارب الألف من الجانب المصري أسرى، في مقابل قتل وإصابة 30 من الجيش البريطاني.

ضد الأغنياء والأجانب

يقول "طارق" وهو مشارك في الأحداث إنه كان طالبًا في الصف الأول الثانوي، وقرر كل طلاب مدرسته الخروج في مظاهرة صبيحة يوم 26 يناير 1952. لقد كان غضبنا عارمًا واكتشفنا أن العديد من المدارس قررت الخروج هي الأخرى، وعند منتصف اليوم شاهدت عددًا من المحال المحترقة في مناطق وسط البلد، وكان عليَّ العودة إلى المنزل، بعد أن سمعنا أخبار نزول الجيش وخوفًا من غضب والديَّ.

يقول مشارك آخر في الأحداث، رفض ذكر اسمه، ويعمل حارس عقار لأحد عمارات وسط البلد "كنت صغير بس رحت عشان أولع في الذوات والخواجات"، ولعل لا يوجد تعبيرًا أكثر اختصارًا ودقة من هذا، فقد كانت انتفاضة وطنية وطبقية ضد الأغنياء والأجانب اختلط فيها كراهية الأجانب بالحقد على الأعيان.. فتم النيل من أماكن تجمعهم وتسوقهم وأعمالهم.

وفي شهادة أكثر دلالة بسبب اسم صاحبها، يحكى مؤرخنا الراحل العظيم صلاح عيسى عن يوم الحريق قائلًا إنه شاهد شخصيًا عيانًا بيانًا ملابسات حرق كازينو بديعة الشهير في ميدان الأوبرا، وكيف تحولت المظاهرة الشعبية في الميدان إلى تراشق كلامي بين المتظاهرين وبين رواد الكازينو، أفضى إلى استعمال العنف من جانب المتظاهرين، وإضرامهم النيران في الكازينو والمبنى كله.

وعلى مستوى أكثر دولية وإثارة، يقول نورمان جيتزنجر ظابط الاتصال بالمخابرات الأمريكية الملحق على سفارة الولايات المتحدة في القاهرة بين عامي 1951 و 1953، في شهادة متأخرة عن الأحداث أوردها في مقابلة مع الهيئة الدبلوماسية للدراسات والتدريب الأمريكية عام 2000.

"احترق فندق شبرد تمامًا وتدمر تمامًا، كنت ظابط الأمن الوحيد في السفارة لحظتها وكان بقية الظباط بعيدين ميدانيًا عن الأحداث. اتصل بي مدير الأمن المصري للتحذير من احتمال حدوث أعمال شغب واسعة، فأخرجنا جميع موظفي السفارة، وكان ذلك في اليوم الذي خرج فيه عوام المصريين في تظاهرات وعلى ظهر شاحنات تحمل بنزين، وكان في اليوم السابق من مروا على المدينة ووضعوا علامة X على بعض الأبنية وعلى أبواب أماكن احترقت لاحقًا، وكان معظمها أندية يرتادها البريطانيون والأجانب، وكان هناك بعض البريطانيين الذين أحرقوا احياء. تصادف أن هذا اليوم كان يوم زفافي أيضًا، والذي أجبرته الأحداث على نقل مكان الزفاف من كنيسة كاثوليكية في وسط البلد إلى كنيسة أخرى في حى الزمالك".

مانشيت صحيفة الأهرام صبيحة الحريق

ويضيف جيتزنجر أن مدير الأمن المصري أبلغه أن الملك لن يطلب من الجيش النزول لاحتواء الأمر، في حين أن الشرطة غير قادرة على احتواء الأعداد الموجودة في الشارع، فطلب منه الاتصال بالملك فاروق، وقرر السفير كافري الذهاب إلى قصر عابدين مستقلا سيارة ليموزين، بعد رفع الأعلام الأمريكية عنها مخترقًا العامة والدهماء المنتشرين في وسط المدينة المحترق، لإقناعه باتخاذ قرار بنزول الجيش قبل أن تحترق المدينة كلها.

وما أن قابل كافري فاروق حتى أبلغه بحتمية نزول الجيش وإلا زال حكمه، فرد عليه الملك بأنه يحتاج إلى ضمانات أمريكية بألا ينقلب عليه الجيش حال نزوله وانتشاره في الشوارع، فأعطاه كافري ضمانات بذلك، مصرحًا نصًا بأن الولايات المتحدة بكلمتها وجبروتها تضمن له عودة الجيش إلى ثكناته، وهو ما دفع الملك لاستخدام تليفونه "الذهبي" لإجراء مكالمة مع وزير الحربية الفريق محمد حيدر وإبلاغه بالقرار.

ويختتم جيتزنجر قائلا "بدأنا في حرق مواد سرية على سطح السفارة. لقد تم إحراقها في مكان مخصص لإحراق الأشياء السرية للغاية، لأن بعض من عناصر الغوغاء كانت تنزل، عبر الزقاق الفاصل بين السفارة البريطانية والسفارة الأمريكية. وبدأوا بالفعل في تسلق جدران السفارة. وكان هناك ستة من مشاة البحرية في وضع التأهب لإطلاق النار، لولا أن جاءت عناصر من الجيش المصري احتوت الأمر وتم إنقاذنا".

في حريق القاهرة الذي سُمي أيضًا بالسبت الأسود، اختلفت الروايات بشأن عدد الذين قتلوا، لكن أكثرها تواترًا تتحدث عن ما بين 26 إلى 46 قتيلًا في ذلك اليوم، التهمت النيران 700 مكان ما بين محلات وسينما وكازينو وفندق ومكتب ونادٍ في شوارع وميادين وسط القاهرة الخيدوية، أكبر وأشهر المحلات التجارية في مصر آنذاك مكتبًا لشركات كبرى مئات الشركات والمعارض والشقق سكنية و13 فندقًا كبيرًا مثل شبرد ومتروبوليتان وفيكتوريا و40 دار سينما منها ريفولي وراديو ومترو وديانا وميامي و73 مقهى ومطعم وصالة و92 حانة و16 ناديًا.

ببساطة شديدة احترقت درة التركز الحضري في القاهرة ومكان اجتماع وأعمال البرجوازية المحلية والأجنبية، حيث أغنياء المصريين والمتمصرين والأجانب. احترق "العالم الراقي" بسهولة أمام أعين سكان قصر عابدين، حيث عرش فاروق الأول.

هل أحرق البريطانيون أنفسهم؟

يرى الفدائي الوطني الراحل سعد زغلول فؤاد أن ضلوع المخابرات البريطانية في الحريق أمر لا يمكن الشك فيه، وأن تنظيم من البلطجية المدربين تابع لمكتب المخابرات البريطانية في قناة السويس هو من أشعل النيران في المدينة، ووافقه نسبيًا في الرأي المفكر الشيوعي وجدّي الراحل سعد زهران، مبررًا ذلك في حوار خاص، بأن كثير من المواقع التي تم إحراقها كانت حصرية وخاصة جدًا للأجانب، وغير معروفة بالمرة لعوام الأحياء الفقيرة الذي شاركوا في الأحداث. والغريب أن كليهما استبعد تمامًا فرضية تسهيل الشرطة الغاضبة الأمر للعوام، أو فرضية أن حراس وخدم القصور هم من أحرقوها، مع عدم منطقية أن يقوم البريطانيين بإحراق أنفسهم أحياءً.

تقول المؤرخة الفرنسية آن كلير كيربيف في كتابها "إعادة لتصور مصر 1919 - 1952" إن ما ساهم في غضب الشرطة المصرية لم يكن فقط الاشتباكات التي حدثت في الإسماعيلية، بل أيضًا مطالبهم الفئوية الخاصة بتحسين الأجور، حيث كان من المقرر في نفس يوم الحريق إجراء إضراب للعاملين في مطار القاهرة، قامت خلالها الشرطة بالتزامن مع الاحداث باحتجاز أربع طائرات بريطانية، حتى تدخل الجيش المصري وفك الحصار عنها.

وتضيف أن مئات من أفراد الشرطة المصرية شاركوا في المظاهرات المنطلقة من جامعة القاهرة ومن جامع الأزهر، وأن طوال اليوم الطويل كان دور الشرطة إما مشاركة الجماهير في إحراق المدينة أو غض البصر عنهم على أقل تقدير.

وتضيف كيربييف أن من المحطات المنسية في هذا اليوم الغريب هو تجمع عدد من المظاهرات الطلابية أمام البرلمان المصري، حتى جاء وزير الشؤون الاجتماعية، ووزير الحربية بالإنابة، الوفدي عبد الفتاح حسن باشا، وخطب في الجماهير، وأثنى على وطنية المحتشدين وألهب حماسهم، وتوعد بالانتقام للدم المصري، بل راح بعيدًا وقال إن حكومة الوفد ستعلن قطع العلاقات مع بريطانيا، وستعزز من علاقاتها مع الاتحاد السوفيتي.

دبابات الجيش أمام المنشآت الحيوية وسط مدينة القاهرة

لقد كان حريق القاهرة، شأنه شأن أي انتفاضة شعبية عمادها ووقودها فقراء المدن، حدثًا مخيفًا لكل من حضروه من موقع المُشاهِد، والمأساوي الهزلي في الأمر أن إلى لحظتنا هذه تظل كل الأطراف متهمة بإحراق القاهرة، ماعدا من أحرقوها فعلا، وهم سكان احيائها الفقيرة بصحبة وتواطؤ واحيانًا دعم وتسيير الشرطة المصرية، الغاضبة مما حدث لرجالها في الإسماعيلية في الليلة السابقة على الأحداث. حريق القاهرة كان صدمة مستمرة الآثار للنخب المصرية بكافة أطيافها، لأنها كانت أول "ثورة جياع " في القاهرة الحديثة بصحبة وحراسة الشرطة، مما جعل منها كابوسًا مزدوجًا .

كان حريق القاهرة لحظة تتويج لفشل الجميع، لكنه كان أيضًا حدثًا من المركزية جعل الراحل أنور عبد الملك يقول لي، في لقاء شخصي، إنه لم يكن من الوارد قبل حدوثه تصور فكرة الانقلاب العسكري في مصر كإمكانية عملية أو ملحة.

ما الذي أحرقه التاريخ؟

ما احترق أولًا لم يكن القاهرة ولكن العالَم الذي كان مهيمنًا عليها وقتها، عالَم الوفد والحركة الوطنية تحديدًا. كانت القيادةالتاريخية للحركة الوطنية المصرية تنتمي لقوى اجتماعية رجعية، بحكم بنيتها كبرجوازية ملاك زراعيين أكثر منها بسبب قصور رؤيتها الأيديولوجية، فلم تفهم أن التلكؤ في إجراء إصلاحات اجتماعية مُنصفة هو الشرط اللازم لبقائها هي بالذات، وأن عالمها هي بكل صراعاته، وتناقضات السري مع الوفد، وموقع الإنجليز منه، ربما يصبح كله في مهب الريح بكل عناصره، وقد كان بالفعل انهيارًا سريعًا للعالم القديم وبشكل دراماتيكي.

كانت الشرطة المصرية المصطدمة مع الإنجليز حتى وقت قريب ذراع الاحتلال البريطاني في حكم مصر، وقليل من يعرف أن الجنرال البريطاني توماس راسل باشا كان مديرًا للأمن العام في مصر، وخكمدارًا للقاهرة والحاكم الأمني الفعلي للبلاد لفترة تتجاوز الربع قرن وحتى عام 1947، لقد كانت لحظة صدام الشرطة مع الإنجليز إلى حد الاقتتال المسلح في القناة، وحرق قلب القاهرة، إيذانا بانتهاء عالم الملك والوفد والإنجليز إلى غير رجعة، ومقدمة منطقية لصعود الجيش وتنظيماته السياسية.

توماس راسل باشا

كان النظام الملكي المصري معتمدًا على علاقة سياسية قطبية مع حزب الوفد، مع احتفاظه بالسيطرة على دولاب الدولة المصرية الأمني ممثلا في الشرطة المتوافقة مع الإنجليز، في ظل ولاء مطلق من جانب القوات المسلحة للملك، لذا ففي اللحظة التي تصطدم فيها الشرطة المصرية صدامًا مسلحًا مع الإنجليز، لتنهار في أعقابها حكومة وفدية جاءت بالتوافق مع الملك، فهذا يعني أن كل مُركبات المشهد السياسي قد أضيرت دفعة واحدة؛ الوفد والإنجليز والقصر الملكي بشرطته وجهازه الأمني، ولم يبق من شرعية الملك سوى دعم القوات المسلحة له.

لقد كان حريق القاهرة لحظة تتويج لفشل الجميع، لكنه كان أيضًا حدثًا من المركزية جعل الراحل أنور عبد الملك يقول لي في لقاء شخصي جمعنا إنه لم يكن من الوارد قبل حدوثه تصور فكرة الانقلاب العسكري في مصر كإمكانية عملية أو ملحة.

في الواقع ليس أنور عبد الملك وحده من قال ذلك، فمعظم الظباط الأحرار أنفسهم قالوا نفس الشيء سواء في مذكراتهم أو أحاديثهم الموثقة، فعبد اللطيف البغدادي، وهو أحد أهم رموز مصر اليوليوية لاحقًا، يقول في مذكراته إنه في مساء يوم حريق القاهرة اﺟﺘﻤﻌﺖ اﻟﻠﺠﻨﺔ اﻟﺘﺄﺳﯿﺴﯿﺔ ﻟﻠﻀﺒﺎط اﻷﺣﺮار على عجالة، وكانوا في حالة من القلق والتوتر من جراء الأحداث، واﺗﻀﺢ لهم ﺑﺠﻼء أن اﻷﺣﺪاث وﺗﻄﻮرھﺎ ﺗﺴﯿﺮ ﺑﺨﻄﻰ ﺳﺮﯾﻌﺔ ﻧﺤﻮ ﺣﺎﻟﺔ ﻣﻦ اﻟﺘﺪھﻮر ﻟﻢ ﯾﺴﺒﻖ ﻟﮭﺎ ﻣﺜﯿﻞ، وأن اﻟﺰﻣﺎم رﺑﻤﺎ ﯾﻔﻠﺖ ﻓﻲ أﯾﺔ ﻟﺤﻈﺔ وﯾﺤﺪث اﻧﻔﺠﺎر ﻣﻦ اﻟﺸﻌﺐ اﻟﻤﺘﺬﻣﺮ، وﺗﺼﺒﺢ اﻟﺒﻼد ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﻣﻦ اﻟﻔﻮﺿﻰ ﻻ ﯾﻤﻜﻦ اﻟﺘﻜﮭﻦ بها، وأن التحرك أصبح واجبًا.... وقد كان ما حدث في 23 يوليو 1952 ليبدأ معه عهد جديد/ قديم.