تصميم: يوسف أيمن

لماذا لا يرى المثقفون قطار الفاشية القادم من آخر النفق؟

جاء القطار من آخر النفق ليدهس الأمريكان في صورة الكساد الكبير بين عامي 1929 و1933.

لفريق ميتاليكا أغنية بعنوان No Leaf Clover تقول كلماتها "ثم تكتشف أن الضوء في نهاية النفق ما هو إلا قطار بضائع قادمًا نحوك ليسحقك"، والأغنية تتأمل بحث الإنسان عن حلول لمشاكله ليكتشف أن طوق النجاة ما هو إلا قطار قادم ليسحقه.

للأسف لطالما كان هذا واقع المثقفين والسياسيين الأمريكان في محاولة حلهم مشاكل أو خطر يهددهم فيخلقون بحلولهم مزيدًا من المشاكل.

ليس خافيًا أن الأمريكان في سبيل مواجهة الاتحاد السوفيتي ومكافحة الشيوعية تورّطوا في حرب كوريا ثم في حرب فيتنام، فأدت الأولى لتقسيم كوريا إلى شمالية وجنوبية، والثانية إلى هزيمة منكرة لأمريكا في أدغال فيتنام. وهم من خلقوا القاعدة والإرهاب الإسلامي ودعموه لتصل نيرانه لهم في أحداث 11 سبتمبر، وكذلك دعموا انقلابات أمريكا الجنوبية التي أنتجت أسوأ ما شهدته تلك القارة من ديكتاتوريات مجرمة مثل بينوشيه، الحاكم الديكتاتوري التشيلي، وخورخي فيديلا، قائد الجيش الذي صار رئيسًا للأرجنتين.

الحرب العالمية الثانية أيضًا مثال آخر لهذه الحلول الكارثية، قد يتعجب البعض من زعمي هذا بزعم أخر فحواه أن أمريكا لم تصنع هتلر الذي تسبب في خسائر بشرية تقريبًا لكل دول العالم، وتدمير مدن وموارد وبنية تحتية، وتصفيات عرقية لليهود والملونين والغجر والمعاقين والكثير من الأقليات بمنهجية علمية شريرة غير مسبوقة في العصر الحديث، أو ربما صنعوه؟ تعالوا لنرى هل صنعت أمريكا هتلر؟.

تاريخ موجز لأوروبا

في أكتوبر 1922 قاد بنيتو موسوليني تمردًا أوصله إلى الحكم مستغلًا تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية، زحف نحو روما بكتائب القمصان السوداء، وهي ميليشيات من المتطوعين في الأمن القومي، بعدد وصل إلى 30 ألفًا من الرجال، قاصدًا التخلص من البرلمان المنتخب الذي سيطر عليه الإشتراكيين والليبراليين، ونجح في أن يعلن نفسه ديكتاتورا للبلاد للأبد في 1925.

فيا ترى يا هل ترى ماذا كان رد فعل الصحافة الأمريكية ومتخذي القرار؟ خصوصًا وأن ما يفعله موسوليني منافٍ للقيم الأمريكية التي ينص عليها الدستور مثلا كالديمقراطية والحريات.

بحسب كتاب "موسوليني والفاشية من منظور أمريكي" للكاتب، جون باتريك ديجنز، فإن موسوليني ظهر بشكل محبب أو على الأقل محايدٍ في 150 مقالًا بين العامين 1925 و 1932، نشرت نيويورك تايمز في 1931 صورة لموسوليني في نزهة ودية بالقارب في روما ويصحبه وزير الخارجية الأمريكي وقتها هنري ستيمسون، نشرت الصورة بتاريخ يوليو 1931 بعنوان نزهة في قارب في روما.

صورة بعنوان "نزهة في قارب في روما" منشورة في نيويورك تايمز عام 1931 لموسوليني ووزير الخارجية الأمريكي.

ديكتاتور صديق سيخلصنا من الشيوعية

هناك كتاب رائع للكاتب وعضو البرلمان الإيطالي الأسبق، جيان جياكومو ميجون، بعنوان The United States and Fascist Italy: The Rise of American Finance in Europe ظل الكتاب حبيس اللغة الإيطالية لسنوات طويلة رغم صدوره عام 1980، هذا الكتاب يفضح تواطؤ أمريكا من أجل ما سمته استقرار أوروبا في العشرينات، والاستقرار في العرف الأمريكي هو استقرار لمصالحهم واستثماراتهم وأسواق تصدير بضائعهم.

يرى ميجون في كتابه أن أمريكا برغم اتباعها سياسة الانعزال وقتها، كانت لا ترى موسوليني مدمرًا للديمقراطية ولكن ضامنًا للاستقرار ومفتاحًا مهما في مشروعهم الأوروبي.

يزعم ميجون أيضًا أن أمريكا عارضت رغبة فرنسا في تحجيم ألمانيا، واعتبرتها أجندة قومية فرنسية تتعارض مع رغبة أمريكا في التوسع في أوروبا كسوق لفائض إنتاجها بعد الحرب العالمية الأولى، ولم تفرق أمريكا بين بريطانيا وفرنسا الديمقراطيتين وإيطاليا الفاشية طالما الجميع يسمحون لها بالاستثمار ويكافحون الشيوعية.

غلاف كتاب The United States and fascist Italy

يضيف ميجون أن السياسة الأمريكية كانت تنظر للشعب الإيطالي نظرة دونية عنصرية كشعب متخلف يقل عن الأنجلوسكسون ويحتاج للحكم الشمولي، وفرض الكونجرس الأمريكي عراقيل على هجرة الإيطاليين إلى أمريكا، وكانت أمريكا تحتاج لدعم من حاكم إيطالي لهذا الأمر، فكان الديكتاتور موسوليني خير داعم.

وقتها، زعمت الصحف الأمريكية مثل نيويورك تريبيون وكليفلاند بلين ديلر وشيكاجو تريبيون أن موسوليني أنقذ إيطاليا من اليسار وأنعش اقتصادها.

ومقابل تسوية ديون الحرب الإيطالية أيضا بفتح استثمارات أمريكية في إيطاليا، ضمن هربرت هوفر أصوات الجالية الإيطالية في أمريكا ليصل رئيسًا للولايات المتحدة، والذي أعطى إيطاليا موسوليني في المقابل خصم 80% على ديونها، وتعهد وزير خارجية إيطاليا دينو جراندي بمكافحة البلشفية، بل وطالب المهاجرين الإيطاليين الهاربين من موسوليني وبعضهم شيوعيين وأناركيست أن يكونوا مواطنين أمريكيين صالحين.

وقتها، زعمت الصحف الأمريكية مثل نيويورك تريبيون وكليفلاند بلين ديلر وشيكاجو تريبيون أن موسوليني أنقذ إيطاليا من اليسار وأنعش اقتصادها، وقالت إن الفاشية تجربة جديدة، بينما قالت نيويورك تايمز إن موسوليني أعاد الاستقرار إلى إيطاليا، وفي عام 1928 نشرت جريدة ساترداي ايفنينج بوست مذكرات موسوليني الشخصية على حلقات.

طب ما الحياة كانت زبادي خلاط أهه. آخر حفاوة بديكتاتور حليف، أومال إيه اللي حصل؟ جاء القطار من آخر النفق ليدهس الأمريكان في صورة الكساد الكبير بين عامي 1929 و1933، فتوقفت الاستثمارات الأمريكية في إيطاليا وأوروبا عامة، فتوقفت بالتالي السياسات العقلانية لموسوليني وجراندي وزير خارجيته، ولجأ موسوليني للحلول الإمبريالية واحتلال الحبشة من أجل توفير الموارد لإيطاليا وصرف نظر الإيطاليين عن الأزمات الاقتصادية.

تبنى أيضًا روزفلت سياسات جديدة لإنعاش الاقتصاد الأمريكي حتى لو على حساب السلام العالمي، تضمنت تلك السياسات وقف الاستثمار في الخارج مما أضر بعلاقة أمريكا بدول أخرى.

وبرغم غزو موسوليني للحبشة كان روزفلت يظن أن استمرار نظامه مهمًا في مواجهة بزوغ هتلر، كما أنه لم يرغب باغضاب الأقلية الإيطالية ليضمن أصواتهم في انتخابات 1936.

طبعًا أنت دلوقتي بتلطم وتقول هو الناس دي كانت بتفكر كده إزاي؟ وإيه قصر النظر وانعدام البصيرة الكارثي اللي عند ناس المفترض فيهم العلم والخبرة، لكن الحقيقة اللي تخليك تلطم أكتر هو إنهم ما زالوا بيفكروا كده في عصرنا الحالي، قصر نظر يؤدي لعواقب كارثية ليس على العالم، بل عليهم هم أيضًا.

ربما المثقف الوحيد الذي كان متيقظًا للأمر هو الكاتب، إرنست هيمنجواي، كان يعمل وقتها بصحيفة تورونتو ديلي ستار الكندية، وكذلك جريدة النيويوركر، فقد رفضوا تقديم ديكتاتورية موسوليني على أنها أمر عادي لا يثير القلق، كذلك كتب جون جونثر من مجلة هاربر مقالًا لاذعًا حول تلاعب موسوليني بالصحافة الأمريكية لتلميع صورته.

هتلر أو موسوليني الألماني

أدى الاحتفاء بموسوليني كصديق لأمريكا وتقديمه بصورة لامعة في الصحافة الأمريكية إلى تقبل الجمهور الأمريكي أيضًا لوصول هتلر، أو "موسوليني الألماني" كما كانت تكتب الصحافة وقتها، مما أعطى هتلر بداية جيدة، بالإضافة أن هتلر كان يكسب مكانته بالاستفتاءات، يعني الراجل جاي بالديمقراطية كمان.

وفي أحسن الأحوال كانوا يعتبرون هتلر مجرد مزحة، يصرخ بكلمات هائجة بلا معنى، بل أن نيوزويك شبهته بشارلي شابلين، وقالت الكوزموبوليتان أنه يعاني من ضعف الثقة بالنفس.

حتى واشنطن بوست، رغم وصول هتلر، عام 1933، لمستشارية الرايخ أو رئيس الحكومة وهو أعلى منصب سياسي في ألمانيا، قالت أن السياسيين التقليديين سيغطون عليه، وأنه سيضطر أن يكون أكثر اعتدالًا، وبرغم وجود أتباع له إلا أنهم مجرد مصوتين يسهل التأثير عليهم، وقالت نيويورك تايمز عام 1931 إن هتلر مضطر للعمل من داخل دولاب الحكومة حيث الساسة العاقلون سيعرقلون حركته، وقالت كريستيان ساينس مونيتور أن حسه الدرامي ليس كافيا ليحكم، فهو يفتقد عمق الفكر. ثم غيرت نيويورك تايمز نبرتها بعد وصوله للمستشارية فقالت أن منصبه سيعريه للجمهور الألماني ويكشف فشله.

هو نفس الزبادي بالخلاط اللي انضرب للرأي العام الأمريكي عن موسوليني، لكن بطعم مختلف، طعم التقليل من أهمية وخطورة هتلر.

حتى فيما يخص اليهود ومعاداة السامية، فبحسب موقع ذا كونفرسيشن قللت بعض الصحف الأمريكية من شأن الاعتداءات على المواطنين اليهود الألمان في أوائل الثلاثينات، واعتبرتها مجرد بروباجندا، أو قالوا أنها مسألة مؤقتة ستنتهي، وستعود الأمور في ألمانيا إلى طبيعتها مرة أخرى.

بحسب ميج جونز في كتاب World War II Milwaukee فإن ميليشيات القمصان البنية أو كتائب العاصفة، اعتدوا بالضرب على ابن مذيع محطة CBS في ألمانيا لأنه لم يؤدي التحية للفوهرر، لكن لا المذيع ولا ابنه تقدموا بشكوى حول الأمر، لأنهم أرادوا البقاء في ألمانيا والتمكن من التغطية، وعندما كتب إدجار ماورار في صحيفة الديلي نيوز في 1933 أن ألمانيا أصبحت مستشفى للمجانين، اتصل به آلان دوليس الذي أصبح فيما بعد رئيسًا للاستخبارت المركزية الأمريكية CIA وطلب منه أن يخفف من حدة انتقاده لألمانيا، ثم أبعدت الجريدة ماورار من ألمانيا.

ونشرت ناشيونال جيوجرافيك في 1937 تقريرًا مصورًا عن برلين للمصور، دوجلاس تشاندلر، بعنوان "برلين تتغير"، أظهر المدينة سعيدة مرحة بصلبانها المعقوفة ومارشات شبيبة النازي في شوارعها، وقال تشاندلر إنه يتمنى العيش فيها.

اعتذار وقح

بعد وقوع الفأس في الرأس، بدأ بعض الصحفيين الأمريكيين في الاعتذار عن سوء تقديرهم للوضع في ألمانيا، ومنهم المخضرمة دوروثي تومبسون، وهي واحدة من أهم المراسلين الخارجيين وقتها، ورئيسة مكتب نيويورك بوست في برلين، والتي قللت من شأن هتلر بعد مقابلتها له عام 1931، بعنوان "رأيت هتلر!" ونشرتها في كوزموبوليتان، ثم تحولت إلى كتاب فيما بعد.

فبرغم خبرة تومبسون في أوروبا لمدة عشر سنوات، فقد قالت "إنه رجل غير ذي شأن، مثير للشفقة، يشبه الكاريكاتير، وأنه كائن غضروفي بلا عظام يعاني من عقدة قصر القامة، أنفه قبيح، وحركاته سوقية ومحرجة، وعيناه تلمع فيها الهيستيريا، هو مجرد فتى الطبلة في الجيش، ولا يرقى لمجابهة السياسيين المخضرمين الواقعيين الذين سيجعلونه يختفي".

قالت تومبسون أيضًا "إنه لا يستطيع قيادة أمة عظيمة، ولا خوف من أن يصبح ديكتاتورًا كما يخشى الناس، إنه حتى لا يستطيع أن يبهر صحفية، كل هذا برغم أنه أخبرها في الانترفيو أنه ينتوي إلغاء البرلمان وإلغاء دستور فايمار، وسيبني الدولة من القاعدة للقمة من جديد، بما يكشف نواياه الديكتاتورية لألمانيا". وتوقعت أنه "لن يحصل على الأغلبية في الرايخستاج، بالكثير سيدخل في تحالف، لكنني لا أرجح هذا أيضًا"، وكتبت "أوه أدولف.. لن يكون لك حظ".

في أحد أيام صيف 1934، بعدما أثبت هتلر خطأ كل ما قالته عنه تومبسون ووصل للحكم وبدأ ينكل بخصومه وباليهود وينشر الرعب في ربوع ألمانيا، وصلتها رسالة على يد شرطي من الخدمة السرية الألمانية في غرفتها بفندق أدلون برلين تخبرها بوجوب مغادرتها ألمانيا في خلال 48 ساعة، وكانت هي أول صحفية أجنبية يطردها هتلر.

حينها فقط كتبت دوروثي اعتذارها الذي أعتبره أنا وقحًا ومتكبرًا، فقد قالت فيه "لا يمكن لأي شعب أن يعرف مقدمًا أن من يحكمه هو ديكتاتور مستقبليًا"، وهو في رأيي يتنافى مع كتابات وتضحيات الكثير من المثقفين والكتاب والصحفيين الألمان الذين حذروا من هتلر مبكرًا جدًا، مثل الصحفي فريتز جيرليش وجريدته مينشنر نويسته ناخريشتن، والذي قضى نحبه معتقلًا في معسكر داخاو.

كان جيرليش رئيس تحرير أكثر الصحف توزيعًا في جنوب ألمانيا وهي مينشنر نويسته ناخريشتن، والتي أصبحت فيما بعد جريدة زود دويتشه تسايتونج، وبدأ عداء حقيقي لهتلر منذ 1923، وهو تاريخ محاولة الإنقلاب الفاشلة الأولى لهتلر، هتلر بوتش، أو إنقلاب قاعة البيرة، وهي محاولة انقلابية فاشلة نفذها هتلر مع الحزب النازي من أجل الاستيلاء على السلطة في بافاريا لكنها انتهت بالفشل وسجن رئيس الحزب النازي آنذاك أدولف هتلر.

ولم يكن جيرليش هو الوحيد، فلدينا أسماء كثيرة، الأب الكاثوليكي فون جالن، جماعة الوردة البيضاء، ميليشا الرايخسبانر اليسارية، قراصنة إيدلفايس، الأب البروتستانتي مارتن نيمولر، ودائرة ضباط كرايساو الذين حاولوا تفجير هتلر، إلخ.

دوروثي تومبسون الأمريكية أخذتها العزة بالإثم كما أخذت كثيرون نعرفهم، لا يعترفون أبدًا بما أوقعونا فيه بصلفهم واعتدادهم برأيهم وتقييماتهم الضحلة الغبية للموقف، أخطاء ضللت الرأي العام الذي يثق فيهم لشهرتهم وذيوع صيتهم لا لشيء آخر، أخطاء أعمت الرأي العام عن الخطر المحدق الذي ستدفع الشعوب ثمنه.

لكنها لم تكتف بكل هذا، وضعت دوروثي خطاب طردها من ألمانيا في إطار زجاجي وعلقته في مكتبها، ثم بدأت تكتب عن جرائم هتلر، وأعمتها بصيرتها مرة أخرى، لتؤيد إقامة دولة لليهود على أرض فلسطين، لتعالج جريمة هتلر على حساب الشعب الفلسطيني، للأسف هذه المرأة في عام 1939 اعتبرتها مجلة تايم بالمشاركة مع إليانور روزفلت أكثر النساء تأثيرًا في الولايات المتحدة.

مراجع :

Mussolini and Fascism: The View from America By John Patrick Diggins

The United States and Fascist Italy: The Rise of American Finance in Europe By Gian Giacomo Migone.

Adolf Hitler and the Third Reich in American Magazines, 1923–1939 By Michael Zalampas

I Saw Hitler By Dorothy Thompson

Political Commentators in the United States in the 20th Century By Dan Nimmo

World War II Milwaukee By Meg Jones

Watchdogs Of Democracy By Helen Thomas

New York Times Archives

American History Magazine