موزايك روماني لعجلة سباق رباعية الخيول أو كوادريجا

ألتراس القرن السادس: شغب وسياسة في ملاعب بيزنطة

كانت السباقات حماسية وعنيفة، تتسبب أحيانًا في مصرع المتسابقين، بل والخيول، دموية أحيانًا كمصارعة المُجالدين المعروفة، حيث شجع قسطنطين الأول السباقات بدلا من المصارعة.

كلنا نعرف الجدل البيزنطي، أو على الأقل معنى الكلمة، وهو النقاش بلا طائل، وبعضنا يعرف أصلها، حيث الجدل اللاهوتي في الإمبراطورية البيزنطية، لكن من منا سمع عن شغب الملاعب البيزنطي؟ هل كانت هناك كرة قدم في بيزنطة؟ ومشجعون وألتراس وشغب ملاعب؟ بل ومشاركة في السياسة أيضًا؟ تعالوا نشوف كده.

يُرجع البعض بدايات الألتراس للبرازيل في الثلاثينات، وتحديدًا ال Torcidas Organizada وهي منظمات تضم مشجعي كرة القدم لنادي بعينه، بينما آخرون يقولون إنها ظهرت في إيطاليا أولا وتحديدًا عام 1932 بظهور Paranza Aquilotti وهي رابطة لمشجعي نادي Lazio.

نيران وقتلى

لكن الحقيقة عندي مفاجأة، وهي أن الأمر أقدم من كده بكتير، تعالوا نروح اسطنبول، أو القسطنطينية، في القرن السادس الميلادي، عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، الرومانية الشرقية، تحت حكم الإمبراطور جستنيان الأول، نيران ودماء وقتلى في الشوارع، نصف المدينة محترق وعشرات القتلى، والسبب مسابقات رياضية، ليست كرة القدم، ولكن سباق العجلات الحربية.

كان المتسابقون وقتها بنفس لمعان وشعبية لاعبي كرة القدم حاليًا، أغنياء وذوي نفوذ.

يعود تاريخ سباقات العجلات الحربية ربما إلى 1500 سنة قبل الميلاد، في ثقافات ودول مختلفة، فقد ذكرت في الإلياذة مثلا، وكانت من ضمن الألعاب الأوليمبية في القرن السابع قبل الميلاد، حتى وصلت للدولة الرومانية، التي أنشأت مضمارًا للسباق في كل مدنها الكبرى، حوالي 170 مضمارًا للسباق، وكان المتسابقون وقتها بنفس لمعان وشعبية لاعبي كرة القدم حاليًا، أغنياء وذوي نفوذ.

لوحة للسباق من مدينة بومبي الأثرية

في الإمبراطورية الرومانية الشرقية ظلت هذه الرياضة ذات شعبية بالرغم من أفول نجمها في الإمبراطورية الغربية، ويظل شاهد على ذلك بقايا مبنى الهيبودروم في إسطنبول، الذي بني في وسط العاصمة كرمز لسلطة وقدرة وكرم الإمبراطور، بطول 400 متر وعرض 200 متر، ويتسع لمائة ألف متفرج، مقاعد رخامية أمامية لعلية القوم، درجة أولى، ودكك خشبية للعامة (الدرجة التالتة)، بالإضافة إلى مظلات متحركة ويمكنك استئجار شلتة للجلوس، وكان الهيبودروم يحتوي في منتصفه على مسلة مسروقة من مصر لتحتمس الثالث، كما كان متصلا بالقصر الإمبراطوري وكاتدرائية أيا صوفيا.

سباقات دموية

كانت السباقات حماسية وعنيفة، تتسبب أحيانًا في مصرع المتسابقين، بل والخيول، دموية أحيانًا كمصارعة المُجالدين المعروفة، حيث شجع قسطنطين الأول السباقات بدلا من المصارعة لأنه رأى أن مصارعة المجالدين لعبة وثنية وليست مسيحية، أمور كلها تثير حماسة وتشجيع الغوغاء والبسطاء وتلهيهم عن حياتهم البائسة.

وصل الإلهاء إلى حد التعصب لمتسابقين وفرق بعينها، كانت هناك أربعة فرق رئيسية، الخُضر والزُرق والحُمر والبِيض، في عصر جستنيان توارى الحُمر والبِيض جراء تحالفات مع الفرق الأقوى، تحالف البِيض مع الزُرق والحُمر مع الخُضر، وظل فريقان رئيسيان كالأهلي والزمالك أو كبرشلونة وريال مدريد، هما الخُضر والزُرق، والزرُق كانوا فريق النظام لأن جاستنيان الأول كان يشجعهم، وكان بعض المتسابقين يغيرون فرقهم (نظام الاحتراف)، لكن يظل المشجعون بنفس اللون.

اﻹمبراطور جستنيان اﻹمبراطور جستنيان

شغب نيكا

كان مشجعو كل فريق يرتدون نفس ألوان الفريق في الشارع وحياتهم اليومية، وانتشرت موضات شبابية في الملابس وقصات الشعر، حتى أن بعضهم أطلق لحية فارسية، وكان لكل فريق من الإثنين ارتباطات اقتصادية واجتماعية مختلفة، مما أخرج الأمر عن المنافسة الرياضية، لتتحول أحيانًا إلى حروب عصابات وعنف في الشوارع، الأمر الذي أدى في النهاية إلى شغب نيكا الشهير، عام 532 ميلادية.

كان هناك من يتلاعب بهم من العائلات الأرستقراطية التي تطمع في الحكم أو تظن أنها أولَى ولها الحق فيه.

كانت الخلافات بين الفريقين ومشجعيهم لا تخص الرياضة فقط، فقد اختلفوا في الآراء الدينية، فالخُضر كانوا يؤمنون بالطبيعة الواحدة للمسيح (المونوفيزية)، بينما الزُرق كانوا يمثلون الأرثوذوكسية الشرقية (الميافيزية)، اختلفوا في الرأي حول الخلافة على العرش، وهتف المشجعون هتافات سياسية بين المسابقات لا علاقة لها بما يحدث في المضمار، طالبوا بتغيير بعض سياسات الإمبراطور، كان هناك من يتلاعب بهم من العائلات الأرستقراطية التي تطمع في الحكم أو تظن أنها أولَى ولها الحق فيه.

بعد أحد السباقات حدثت أحداث عنف وقتل، فتم القبض على 531 من المشجعين من الزرق والخضر، وحُكم عليهم بالشنق، وشنق بعضهم بالفعل، لكن هرب اثنان أحدهما من الخضر والآخر من الزرق، بعد أن انكسرت المشنقة، وحماهما الرهبان في كنيسة القديس لورنس، والتي حاصرها الغوغاء الغاضبون الذين رأوا أن انكسار المشنقة رسالة من الرب.

حدث هذا وجاستنيان في خضم مفاوضات سلام مع الإمبراطورية الساسانية (الفُرس)، وكان هناك غضب شعبي بسبب الضرائب أيضا لتمويل حملاته العسكرية، غضب من كل من الأغنياء والفقراء على حد سواء، فشعر بالخطر، فقرر تخفيف عقوبات الشنق إلى السجن فقط لامتصاص غضب العامة، ثم أعلن عن سباق جديد لإلهاء الشعب يوم 13 يناير 532.

يوم السباق إنهال المشجعون بالسباب على جاستنيان في حضوره، ثم في السباق رقم 22 تحول الهتاف إلى هتاف موحد، نيكا نيكا أي النصر النصر، واتحد مشجعو الفريقين الأخصر والأزرق فهاجموا القصر، وحاصروه لمدة خمسة أيام احترق فيها معظم المدينة، بما فيها كاتدرائية أيا صوفيا، وهاجموا السجن وحرروا المساجين، وأحرقوا مقرات الحكومة ومجلس السيناتورز.

خلع جاستنيان

انتهز بعض السيناتورز الفرصة لخلع جاستنيان، بسبب الضرائب ومعاملته السيئة للنبلاء، فأثروا على المشجعين وأمدوهم بالسلاح، وطالب المشجعون الإمبراطور بطرد جون الكبادوكي المسؤول عن جمع الضرائب، والقاضي تريبونيان، ثم أعلنوا خلع جاستنيان وتولية هيباتيوس ابن أخ الإمبراطور السابق أنستاسيوس الأول.

كاد جاستنيان أن يستسلم ويتنازل ويهرب، لولا زوجته ثيودورا، بحسب تشارلز ديل في كتابه ثيودورا إمبراطورة بيزنطة، وكانت من أصول وضيعة، فقام جاستنيان بعمل خطة لرشوة قادة المشجعين الزرق بالذهب، فأرسل لهم الخصي الشهير وقتها نارسيس، محملا بالذهب، ليقنعهم بأن الإمبراطور لطالما شجع فريقهم، بينما هيباتيوس الذي يريدونه امبراطورًا كان يشجع الخضر، ونجحت الخطة، وانسحب الزرق من الهيبودروم في خيانة للخضر.

نهاية سباقات العجلات الحربية

بعد خروج الزرق من الهيبودروم، انقض الحرس الإمبراطوري بقيادة بيليزاريوس و موندوس مع الجنود القوطيين، أغلقوا الأبواب وذبحوا كل من كان بالداخل سواء خضرًا أو زرقًا، وحاول الكثيرون الهرب فداسوا بعضهم بعضا بالأقدام، وقُتل يومها حوالي 30 ألفًا من المشجعين، بحسب المؤرخ البيزنطي بروكوبيوس في كتاب تاريخ الحروب.

لوحة موزايك لعربة سباق

أُعدم هيباتيوس وبعض السيناتورز المتواطئين ونفى البعض اﻵخر، وصادر أملاكهم وأراضيهم، وأعاد بناء أيا صوفيا لتكون على شكلها الموجود حاليًا، واستمر في الحكم لمدة 33 سنة بعد هذه الأحداث، وبدأت سباقات العجلات الحربية في الخفوت حتى اختفت بزرقها وخضرها، وتحولت روابط المشجعين إلى دعم النظام، فقد دعموا قسطنطين الخامس في حملته ضد الرهبان وشجعوه علنًا في السباقات على إعدام الرهبان والراهبات.

من الطريف أن كسرى الأول أو خسرو (أنوشيروان العادل) كان يشجّع فريق الخضر، وبنى مضمارًا للسباق في طيسفون بالعراق، ليغيظ منافسه جاستنيان الذي كان يشجع الزرق كما ذكرنا، والخلاف بين الخضر والزرق هو والخلاف بين خسرو الأول وجاستنيان الأول هو الذي مهد لإنتصار الإسلام على إمبراطوريتيهما، وذلك بحسب المؤرخة جين هاثاواي بروفيسورة التاريخ في جامعة أوهايو.


مصادر:

  • History of the Wars by Procopius
  • Justinian: The Last Roman Emperor by G. P. Baker
  • The Emperor Justinian and the Byzantine Empire by J. A. S. Evans
  • History of the Later Roman Empire by J. B. Bury
  • A Short History of Byzantium by John Julius Norwich
  • Encyclopædia Romana
  • Empress Theodora by J. A. S. Evans
  • Theodora, Empress of Byzantium by Charles Diehl
  • The Decline and Fall of the Roman City by John Liebeschuetz
  • The Middle Ages: A popular History by Joseph Henry Dahmus
  • 50 Battles That Changed the World by William Weir
  • Sports in World History by David G. McComb