بوستر الفيلم الأخير للمخرج كين لوتش Sorry we missed you. من صفحة الفيلم على فيسبوك

سينما كين لوتش وأزمة العامل الـ"freelancer"

يعيد المخرج البريطاني كين لوتش صياغة أزمات العمل والرأسمالية في العالم الحالي.

هل سمعت عزيزي القارئ عن المخرج الإيطالي، مايكل أنجلو أنطونيوني؟ إنه كان سببًا في قرار محمد خان بأن يصبح مخرجًا.

من ضمن مقولات أنطونيوني "كل مخرج يُخرج فيلمًا واحدًا في حياته بينما بقية الأفلام ليست سوى تكرار لهذا الفيلم، وإذا كان المخرج مجتهدًا بما فيه الكفاية فربما يقدّم فيلمين".

من ذلك الطرح يمكن الكتابة عن أعمال المخرج البريطاني، كين لوتش، التي تدور حول مسألة العمل والبطالة بمفهومهما الحديث، والذي يعرض فيلمه الجديد Sorry we missed you ضمن فعاليات الدورة الـ12 من بانوراما الفيلم الأوروبي.

لماذا نتحدث عن أعمال كين لوتش أساسًا؟

في حواري السابق معها؛ تقول المنتجة والمخرجة ماريان خوري، صاحبة فكرة بانوراما الفيلم الأوروبي، إن الفكرة الجوهرية للبانوراما منذ الدورة الأولى هي عرض أفلام غير تجارية.

نجح ذلك بسبب اعتمادها على استقطاب كثيرين من المهتمين بالفنون، وعددًا غير قليل من الذين انتقلوا من أقاليمهم إلى المدينة بسبب مركزية الفعاليات والأنشطة الثقافية، وأيضًا سكّان وسط البلد من الأجانب الحريصين على حضور البانوراما.

هذه الفئات المتعلّمة التي تحاول الوقوف أمام رؤية الرأسمالية السياسية والثقافية والاجتماعية، ستتحرك داخل القاهرة لمشاهدة الأفلام التي تتيحها البانوراما، وفي الغالب سيجذبهم الحديث عن فيلم Sorry we missed you للمخرج، كين لوتش، وربما سيعودون للبحث عن أعماله السابقة.

عمال وفلاحين وطلبة

في تتبع لمسيرة المخرج كين لوتش نجد ما يؤكد الهاجس الذي يشغله طوال الوقت بخصوص فكرة العمل والبطالة، كيف يواجه العامل عالم الرأسمالية، هل انتهت كل مآسي الرأسمالية وقتلت بحثًا أم أنها تزداد تعقيدًا؟

لا فرق إن قررت الكتابة عن أفلام لوتش من بداية مسيرته إلى نهايتها، أو العكس، بالنسبة لي فضلت العكس، مثلًا كان آخر أفلامه فيلمًا تسجيليًا بعنوان In conversation with jeremy corbyn، الذي يحاور فيه رئيس حزب العمال البريطاني، جيرمي كوربن، حول أزمات العمل والبطالة التي يواجهها المواطن البريطاني، وقت بداية الحديث عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بشكل لا رجعة فيه.

وقبلها في عام 2016 أخرج كين لوتش مع لورا أبيلوس فيلم I, Daniel Blake وحصل على السعفة الذهبية من مهرجان كان للعام نفسه.

يحكي الفيلم قصة نجار يصاب بمرض قلبي يمنعه عن العمل ويسعى للحصول على معاش المتقاعدين، لكنه يصطدم بتعسف الدولة التي تشكك في استحقاقه للمعاش مما يضطره للدخول في أزمات مهينة لكرامته، وأثناء الفيلم يقابل دانييل أرملة شابة تُعيل طفليها وتجد أيضًا تعسّفًا في الحصول على وظيفة، فتلجأ للحل الأكثر بديهية: عاملة جنس، للحصول على مال يكفي طعام أسرتها.

بعد تلك الوجبة الدسمة من الإنسانية المفرطة، تبرع لوتش بكل عائدات عرض الفيلم لصالح حركة مقاطعة الكيان الصهيوني.

قبله أخرج فيلم Jimmy's Hall في 2014، يمكن مشاهدته على Netflix، عن سردية صدمة الفقر التي أعقبت فترة الكساد، يحكي قصة شاب يعاود الرجوع لبلده بعد عشر سنوات من مغادرتها.

وقبل ذلك بعامين قدّم The angles' share الذي يحكي خلاله عن سعي شاب وأصدقاؤه لمحاولة العمل في أحد مصانع الويسكي للخروج من فقرهم.

في عام 2007 شاهد الناس في السينما It's a Free World الذي حصل على جائزة السيناريو من مهرجان فينسيا، ويحكي قصة إنجي التي تُطرد من وظيفتها وتحاول البحث عن وظائف للمهاجرين.

وفيلم Sweet Sixteen الذي يحكي قصة مراهق يحاول البحث عن عمل له ولوالدته المسجونة، وقصة حب مختلفة قدمت في My Name Is Joe لرجل موقوف عن العمل بسبب تعاطيه الخمور ومعالِجته سارة التي تنشأ بينهما قصة حب.

في كل الأعمال السابقة كما في فيلمه الجديد sorry we missed you والذي سنتحدث عنه، كان قلم وعقل كين لوتش هو فرد واحد: الكاتب بول لافرتي.

Sorry we missed you: كله بالفلوس

من المدينة ذاتها، نيوكاسل، التي صور فيها فيلمه I, Daniel Blake تعيش أسرة كريس بطل الفيلم الجديد. استجواب قاسٍ من شخص ما للبطل حول مدى أهليته واستحقاقه للحصول على قليل من المال. بداية نسمع فيها أصوات ولا نرى سوى صورة سوداء، يمكن لأي عامل شبيه في أي مجال كان أن يتخيل ذاته ليكمل معها الفيلم دون اللجوء لبطل آخر يرى صورته.

في الفيلم عامل يفقد عمله الأساسي، ولا يجد عملًا جديدًا مناسبًا بالرغم من كفاءته الوظيفية وجودة مؤهلاته، وتلك مرحلة أكثر خطورة وتعقيدًا فيما يخص العمل والبطالة من كل ما سبقها، فيضطر للالتحاق بإحدى شركات النقل العملاقة والعمل لحسابها كسائق مستقل.

أسرة من زوجين ومراهق وطفلة صغيرة في بيت صغير "مستأجر" رغم عمل الأب والأم المستمر على مدار ستة أيام في الأسبوع وحوالي 14 ساعة يوميًا.

لن ترى الأسرة مجتمعة إلّا لضرورة هي في الغالب مشكلة يرتكبها واحد منهما. التواصل في الغالب عن طريق الهاتف أثناء أوقات قصيرة متقطعة من العمل أو داخل الحافلة للذهاب أو العودة من العمل.

يعيد كين لوتش وبول لافرتي صياغة أزمات العمل والرأسمالية، وتأريخ معاناة الطبقة العاملة ومآسيها في العالم الحالي، وليس بريطانيا فقط.

يتسائلا طوال أفلامهما عن مساحات الحقوق داخل مجتمعات العمل المحلية الحكومية والخاصة. لماذا وكيف اختلفت طبيعة عمل سياسات النيوليبرالية؟ تلك أشياء يمكن ببساطة الحديث عنها في خطابات عديدة مؤثرة وسريعة النسيان لكنها لا تنتهي.

براعة الثنائي هنا تأتي من نحت شخصيات تظل معنا في الخيال. الأبطال يموتون معنويًا ربما بعد الانتصار الشخصي لأنفسهم والبصق على المجتمع في مقابل عجلة الرأسمالية التي لا يعطلها شيء، كدراجه نارية تتجاوز الزحام بسهولة، فتهزمهم قلة الحيلة أمام كليشيه: رجل يتحدى العالم من أجل تأمين دخل بسيط وشريف لأسرته، لكن دون انكسار أو مظلومية من التي يأتي معها موسيقى حزينة تجعل حال الأبطال "يصعب ع الكافر".

أسطورة "اعمل أقل تكسب أكثر"

كان يمكن القول ببساطة، أن العالم غير عادل، سنبقى فقراء ولن ينقذنا الـ "أوفر تايم" وتنتهي القصة دون حديث آخر وفيلم جديد، لكن هل نحن أمام مرحلة جديدة في أزمة البطالة والعمل؟ ولماذ نحن بحاجة لإعادة النظر في مفهومهما؟

في إحدى حواراتها حول كيفية وطرق العمل المستقبلي ذكرت صحيفة فايننشال تايمز نصيحة لأحد كتّابها تقول "اعمل أقل ولكن بجودة أفضل".

يؤيد ذلك مورتن هانسن كاتب صحيفة وول ستريت جورنال الذي يحاول خلال كتابه "كن عظيمًا في العمل: كيف يبذل مَن هم أفضل مجهودًا أقل ويحققون المزيد". شرح كيفية عمل الأشخاص على مشروعات عظيمة في عدد ساعات عمل أقل، بعكس ما يرى البعض من أن "الضغط المتزايد هو السبيل الأفضل للنجاح".

وفي استطلاع رأي أجرته صحيفة فايننشال تايمز لبعض قيادات الأعمال تحت عنوان "كيف أصبحت أكثر إنتاجًا في 2018" كانت أهم النتائج تقول "توقف عن أداء أكثر من مهمة في وقتٍ واحد، إنه يضر أكثر مما يفيد".

حاول أن تجعل قراءة الفقرة السابقة بمثابة حُلم جميل مليء بالتنظير والشاعرية، اعتبرها بمثابة هدية صغيرة تلطف الجو الضبابي لكن إياك أن تتعامل معها كفرضية يمكن للحكومات والقطاع الخاص تطبيقها.

بعيدًا عن خيالات "العمل القليل والمكسب الكبير" ومثل هذا النوع من الأفكار المراهقة التي يدركها الثنائي السينمائي جيدًا؛ تجد نقيضها في حياة الأبطال: عدد ساعات عمل غير آدمية لا توفر أدنى أمان مادي لأصحابها بينما يذهب المحصول إلى صاحب الآلة الذي هو في الغالب لا يعمل أساسًا بل يجلس في المكتب.

لست وحدك يا لوتش

أقول لك سرًا، أنا أيضًا مثل أبطال أفلام المخرج كين لوتش رغم وجودهم في بريطانيا ووجودي في شبرا مصر، لكنني عامل حر، ابن بار للطبقة المتوسطة، فواعلي، أتحمل كل مخاطر عملي ولا يجازف رب العمل لمساعدتي في أي شيء.

يقاسمني صاحب العمل المكسب، ويحملني الخسارة كلها، وأعيش على "كف عفريت"، وبالنسبة للوضع النفسي دعنا نتركه الآن، متوحد مع الأبطال السابقين كتوحد مراهقة مع أشعار نزار قباني، أو فتى جامعي مع أحلام يقظته وبطولاته الوهمية. تعاطفْت معي؟ حسنًا، أرجو ألا تكون طبطبة والسلام، قل لي، هل توافق أن تزوجني ابنتك؟


اقرأ أيضًا: المعادلة الصعبة لوجودك يا دنيا: تأملات حول موال الذرّة