صورة مفتوحة المصدر لـ Brian Yurasits من موقع Unsplash

مياه شرب منزلية ملوثة أو معدنية معبأة في بلاستيك سام: ماذا يشرب المصريون؟

هذه الجزيئات متناهية الصغر من البلاستيك مصدرها الزجاجات المستخدمة في عملية التعبئة، التي يحذر من إعادة استخدامها، لما له من مخاطر على الصحة، بسبب كمية البلاستيك التي تختلط في المياه في كل مرة يعاد فيها تعبئتها.

يأمل محافظ البحر الأحمر اللواء أحمد عبدالله أن تتحول المحافظة إلى منطقة خالية من البلاستيك أحادي الاستخدام بنهاية يوليو/تموز الحالي، حيث يتبني في محافظته مبادرة أوسع تتبناها منظمة الأمم المتحدة بالتنسيق مع وزارة البيئة المصرية، والبرلمان المصري، للحد من انتشار واستهلاك البلاستيك أحادي الاستخدام، وهي تحركات يدعمها المجتمع المدني المصري، بإعلان تأسيس ائتلاف "مصر تمنع البلاستيك".

ولكن الحد من انتشار البلاستيك سينعكس في مصر على صناعة مياه الشرب المعدنية المعبأة في زجاجات بلاستيكية قابلة للاستخدام مرة واحدة فقط، والتي باتت إحدى الطرق القليلة للحصول على مياه شرب نظيفة، بعد أن باتت مياه الشرب القادمة عبر صنابير المياه المنزلية أو العامة، المتهم الأول في العديد من الأمراض التي تصيب السكان، مثل أمراض الكلى، وأمراض الكبد، بسبب الشكوك التي تحوم حول مستوى نظافة هذه الخزانات، إضافة إلى حالات التسمم بالكلور، الذي يستخدم في عمليات معالجة المياه في محطات التنقية، دون إغفال شبهات اختلاط مياه الشرب بمياه الصرف الصحي، نتيجة تهالك خطوط الشبكتين اللتين تتقاطعان في كثير من الأحيان تحت الأرض.

ورغم أن الحكومات المتعاقبة لمصر تنفي هذه الادعاءات، إلّا إنها قابلة للتصديق أحيانًا، وتزيد من الشبهات التي تحوم حول مياه الشرب المنزلية، وتساهم في إقبال الناس على شراء المياه المعبأة التي تبيعها المتاجر، وتقدمها المطاعم والمقاهي.

خطر البلاستيك المدمّر

رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة ماريا فرناندا إسبينوزا، أعلنت في وقت سابق تبنيها لحملة مناهضة للتلوث البلاستيكي، محذرة العالم أجمع من أن المحيطات والبحار تستقبل يوميًا ما يعادل شاحنة نفايات محملة بالبلاستيك، بما يساوي 13 مليون طن سنويًا، إضافة إلى استخدام ما يقرب من تريليون كيس بلاستيك من النوع الذي يستخدم لمرة واحدة سنويًا، وأن 9% فقط من البلاستيك يعاد تدويره.

وتحذر منظمة الصحة العالمية من إساءة استخدام البلاستيك والإفراط في استعماله، حيث يظل موجودًا في البيئة لفترة طويلة إذ أنه لا يتحلل حيويًا، ولكن يتكسر إلى أجزاء أصغر وأدق.

أما حرق النفايات التي تحتوي على بلاستيك، فيؤدي إلى انبعاث بعض المواد الكيميائية المسرطنة مثل الديوكسين - وهو الاسم الشائع لهذه المجموعة من المواد الكيميائية السامة، والتي تتراكم في جسم الإنسان عند استنشاقها من خلال التعرض لأبخرتها، ويمكن أن تنتقل من الأم إلى الجنين عبر المَشيمة. كما تتساقط مادة الديوكسين في المجاري المائية وعلى المحاصيل عندما تلتصق بذرات الغبار.

يستعرض موقع «forbes» في تقرير إجابة لسؤال: لماذا يُقبل البشر على استهلاك المياه المعبأة؟ ويخلص إلى أن الانفجار الهائل الذي شهده معدل استهلاكنا للمياه المعبأة سببه فقداننا للثقة في المصادر المحلية للمياه أو الإمدادات المنزلية، وتخوفنا من تلوثها المحتمل بالمواد الكيميائية الناتجة عن الأنشطة الصناعية أو الزراعية، وهي المخاوف التي فطنت إليها شركات المياه الغازية ومن ثم ضاعفت دعايتها لمنتجها الجديد: «مياه شديدة النقاء» مصدرها آبار المياه البِكر والينابيع الطبيعية.

ماذا نشرب؟

خلص تقرير نشرته عدة صحف ومواقع عن دراسة منسوبة لمنظمة الصحة العالمية، إلى أن كمية جزيئات البلاستيك الموجودة في زجاجات المياه المعبأة التي تحمل عدة علامات تجارية شهيرة، هي ضعف الكمية التي تحملها مياه الشرب المنزلية (مياه الصنبور).

هذه الجزيئات متناهية الصغر من البلاستيك مصدرها الزجاجات المستخدمة في عملية التعبئة، التي يحذر من إعادة استخدامها، لما له من مخاطر على الصحة، بسبب كمية البلاستيك التي تختلط في المياه في كل مرة يعاد فيها تعبئتها.

قد لا تكون المياه المعبأة هي المصدر الوحيد لتناول جزيئات البلاستيك، وليس البشر فحسب ضحايا هذه الجزيئات البلاستيكية، فبحسب تقرير نشره موقع (للعلم) النسخة العربية من موقع (scientificamerican)، تبتلع الكائنات البحرية البلاستيك أحيانًا عن قصد، أو غير قصد، أو بشكل غير مباشر عن طريق التغذية على الفرائس التي سبق لها تناوُل البلاستيك، منها 60 نوعًا من الأسماك، وثلاثة أنواع من السلاحف البحرية، التي تعيش في البحر المتوسط، و9 أنواع من الطيور البحرية، و5 أنواع من الثدييات البحرية من بينها حيتان العنبر، وأنواع أخرى من الحيتان والدلافين، وأن 90% من الطيور البحرية الموجودة في العالم اليوم، لديها شظايا من البلاستيك في معدتها، بعد أن كانت النسبة لا تتعدى 5% عام 1960.

التقرير نفسه يحذر من كارثة بيئية كبرى يواجهها العالم، تتمثل في ملايين الأطنان من المخلفات البلاستيكية التي شكلت عدة جزر عملاقة تنتشر في المحيطات والبحار، وهي نتاج تراكم النفايات التي ينتجها السكان في الدول التي تطل على السواحل البحرية، خاصة الوجهات السياحية.

يرى الدكتور محمود محمد عمرو، المؤسس والمدير السابق للمركز القومي للسموم، ورئيس اللجنة الوطنية للسميات بالمركز القومي للبحوث، في تسليط الضوء على قضية مياه الشرب وحلها "أهم مشروع قومي للبلاد".

وينضم لصفوف أولئك الذين يلقون باللوم على مياه الإمداد المنزلي وغيرها كسبب رئيس للإصابة بالأمراض مثل التليف الكبدي والفشل الكلوي. يؤمن عمرو أن حل أزمة مياه الشرب يوفر نفقات طائلة تتكبدها الدولة لعلاج مواطنيها حاليًا وفي المستقبل القريب.

هل الفلتر هو الحل؟

ويقول خبير السموم لـ المنصة إنه لا يثق في نقاء مياه الشرب المنزلية بنسبة 100%، لكنه يفضلها على المياه المفلترة أو المعبأة "الرديئة".

يعتقد عمرو أن غياب الرقابة الحكومية على الأسواق يسمح بحدوث ممارسات غير صحية خطيرة، مثل انتشار مياه مصدرها نقاط تعبئة غير شرعية أو ما يسمى "مصانع بير السلم"، تستخدم أنواعًا رديئةً من البلاستيك الذي لا يصمد في مواجهة حرارة الجو أو سوء التخزين المنتشر بين كثير من الباعة ممن لا يملكون أماكن تخزين مثالية بعيدة عن ضوء الشمس أو الحرارة.

ويضع خبير السموم المياه المعبأة غير المطابقة للمواصفات في سلة واحدة مع تلك المفلترة منزليًا، ويقول إن الحصول على مياه صالحة للشرب من فلتر منزلي يتطلب التأكد من تنظيف الفلتر يوميًا، حتى لا نحصل على مياه جرى تمريرها عبر "خلية من السموم والبكتيريا"، تتراكم داخل وحدات المعالجة الخاصة بالفلتر المنزلي، مشبهًا الأمر بتمرير المياه على "مغلف الشاي" الذي سبق استعماله "في كل مرة ستحصل على مياه ملونة"، يقصد ملوثة.

ويحذر عمرو من تأثير تناول جزيئات البلاستيك على الأحياء كافة، قائلًا إن تناول الإنسان البالغ لهذه الجزيئات عن طريق المياه المحملة بها، أو التغذي على الأحياء التي سبق لها أن تغذت على هذه الجزيئات، يسبب كوارث صحية.

ويعدد خبير السموم هذه الكوارث التي تشمل الإصابة بسرطان الدم و تليف الكبد والفشل الكلوي وتدمير الجهاز العصبي، وانسداد الأمعاء، بينما يكون التأثير مضاعفًا على الأجنة والأطفال حيث يصل إلى كل ما سبق إضافة إلى حدوث التشوهات الخلقية، وضمور العضلات والعقم.

ويقول إن التأثيرات نفسها تتعرض لها الأحياء المائية التي تتغذى على جزيئات البلاستيك المذابة في المياه، وتتسبب في نفوقها، خاصة بسبب انسداد أمعائها.

مشكلة عالمية

اكتشف باحثون من مؤسسة أوشن كلينوب أن جزيرة القمامة الكبرى الشهيرة في المحيط الهادي، التي تبلغ مساحتها أكثر من 1.6 مليون كيلومتر مربع، هي جزء فقط من منطقة أكبر تقع في شمال المحيط، تجمع فيها التيارات البحرية مخلفات البلاستيك، بشكل متزايد، وأن كمية المخلفات الموجودة هناك قد تكون أكثر بـ16 مرة مما كان يُعتقد في السابق.

وضاعف من مشكلة النفايات البلاستيكية، ما أعلنته الصين، أكبر مستورد للنفايات في العالم، بعد أن قالت للدول التي تتعامل معها وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية "لن نأخذ منكم النفايات إلا بشروط، عليكم تنظيفها أولًا". وهي شروط فرضتها بكين على استيراد النفايات التي تستخدم في عمليات التدوير، باعتبار أنها تستورد جزءًا كبيرًا من هذه التجارة.

ويأتي التوجه الصيني الجديد، ليضيء مؤشر التنبيه في وجه أولئك الذين يعتقدون أنهم يحسنون التصرف، وهم في الواقع لا يفعلون إلا زيادة الأمر سوءًا، الطلب الصيني موجه بالأساس، للأشخاص الذين يفرزون النفايات بمبادرة شخصية، ومحال الطعام والمتنزهات العامة، التي توفر صناديق القمامة المخصصة لفصل المخلفات (الورقية، والمعدنية، والبلاستيكية)، بهدف إعادة تدويرها.

التحذير الصيني يلفت الانتباه إلى أن عملية تنظيف المخلفات قبل إعادة تدويرها باتت أمرًا مكلفًا، وأن الذين يعتقدون أنهم يساعدون في الحفاظ على البيئة، أحيانًا يقومون بأمور عكسية، فالأشخاص الذين يضعون علبة بيتزا مليئة بالدهون في صندوق نفايات مخصص للمخلفات الورقية، لا يختلفون كثيرًا عن أولئك الذين ينتجون مخلفات غير قابلة لإعادة التدوير، هذا ما يذكره تقرير منشور على الموقع الإلكتروني لصحيفة The New York Times الأمريكية.

باتت مشكلة النفايات البلاستيكية أمرًا مؤرقًا لكثير من الدول، تسعى لإيجاد حلول عملية، له مثل العاصمة البريطانية لندن، التي تتبنى خطة طموحة للتقليل من استخدام وإنتاج المخلفات البلاستيكية، عبر تشجيع شبكة من المنافذ والمتنزهات العامة والمتاجر، لتوفير نقاط مجانية لإعادة تعبئة زجاجات المياه، وإتاحة المياه مجانًا، لخفض الطلب على المياه المعبأة، ويمتد الأمر إلى أكواب القهوة والمشروبات الساخنة الأخرى.

هناك أفكار مبتكرة أخرى للحد من استهلاك مياه الشرب المعبأة، وبالتالي تقليل إنتاج النفايات البلاستيكية، تروج له مختبرات (Skipping Rocks) المتخصصة في مجال تدوير التعبئة والتغليف، التي أعلنت عن إنتاج كرات هلامية معبأة بالمياه، مصنوعة من مواد طبيعية، قابلة للأكل، والتحلل بشكل طبيعي، تسمى كرات "أوهو".

في النهاية، يبقى المواطنون بين استخدام نقاط إعادة التعبئة في لندن، أو التفكير في إنتاج أوعية قابلة للتحلل وصديقة للبيئة، أو حتى الدعوات الفردية للتوقف عن إلقاء المخلفات البلاستيكية في المجاري المائية، وذلك بانتظار حل جذري يوفر المياه دون مخاطر.