تصميم المنصة

الحالة الغامضة لنرمين الفقي.. أو كيف تسبب القاهرة الشيخوخة مبكرًا لسكانها

الإنسان الذي يقيم في القاهرة يستنشق في اليوم 11 ضعف المعدّل العالمي المسموح به من الجزيئات الملوثّة، إضافة إلى التلوّث السمعي الذي يصل إلى 85 ديسيبل.

كلما نشرت الفنانة نرمين الفقي عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك أو إحدى صفحات معجبيها، إحدى صورها أثناء تأدية تمارين رياضية أو على شاطئ البحر أو خلال احتفالها بمناسبة ما، تناقلها الكثير من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي مع عبارات تشيد بقدرتها على حفاظها على جمالها ونضارة وجهها رغم اقترابها من سن الخمسين، وهو ما لا يمكن أن يصل إليه من يعيش في مدينة مكتظّة ومزدحمة وملوثة كالقاهرة.

لأجسادنا وخلايانا أعمار افتراضية وقدرات محدودة، تتأثر بعدة عوامل كالتعرّض للملوثات المختلفة، وأنماط حياتنا وأنواع الغذاء الذي نأكله.

بعض هذه الأنماط هي ما نختاره لأنفسنا، كمن يختار تناول شطائر اللحم الدسم بالجبنة الذائبة بدلًا من طبق سلطة، أو تناول البطاطس المقلية في الواحدة فجرًا بدلًا من الفواكه، ولكن إضافة لما يختاره المرء، فإن خلايانا تتأثر كذلك بعوامل حياتيّة ومجتمعيّة لا نختارها، تسرّع من الإصابة بأمراض الشيخوخة.

على سبيل المثال، فإن ممارسة الرياضة اختيار، لكن القدرة الاقتصادية على تأمين مساحة ممارستها بشكل مستمر والحصول على الدعم الفنّي أثناء ذلك، أمر يعتمد على توفّر هذه المساحات بشكل مجّاني أو مدعّم لغير القادرين، أو توفّرها بمقابل اقتصادي يتناسب ومقدرتك الاقتصادية.

كما أن الطعام الصحي هو اختيار، لكن الطعام والمياه الملوثة ليسوا اختيارًا، إضافة إلى أن الخروج إلى أماكن غير مكتظة ويتوفّر بها هواء نضيف، يحتاج إلى قدرة اقتصادية لا تتوفر للجميع.

هذه العوامل ربما تكون جزءًا كبيرًا من الفرق بين نرمين الفقي وغيرها ممن لا يتمتعون ما تتمتع به من حيوية ونضارة.

نرمين الفقي تذهب إلى الجيم

تنتشر صور الفقي مع مدربها في الجيم. ممارسة الرياضة من أهم العوامل التي تساعد على إبقاء الجسد حيًا ونشيطًا، وتطيل عمره، وتقلل من احتمالات الإصابة بأمراض السكر المكتسب والقلب والأوعية الدموية، وهو أمر ليس متاحًا لكثير من الناس في مصر.

لا تتوفر المساحات المفتوحة لممارسة الرياضة في مصر لكل الناس، خاصة ذوي الدخل المنخفض، وإذا كان ممكنًا أن يحصل الرجال أحيانًا على أرضية ملعب سيّئة في واحد من 4072 مركز شباب في أنحاء الجمهورية، فإن هذه المساحات الضيقة لممارسة الرياضة لا تتوفر للنساء.


اقرأ أيضًا: في الاحتراف وتصدير اللاعبين.. لماذا لم تكن مصر كالبرازيل؟


وعلى الجانب الآخر، لا تفتح كل النوادي أبوابها لمحدودي الدخل، فيوجد في مصر 1200 نادٍ رياضي، 83% منها نوادٍ عامة وتقدّم العديد من الخدمات ويستطيع أعضاؤها ممارسة رياضات متنوّعة، لكن أسعارها، بحسب دراسة للمركز المصري لدراسات السياسات العامة لا تطالها العديد من الطبقات الاقتصادية خاصة محدودي الدخل ومن هم أقل.

وتقدم الدراسة أمثلة على أرقام هذه الاشتراكات بعدة نوادٍ مشهورة في مصر، كنادي الجزيرة التي يبلغ سعر الاشتراك فيه لأول مرة 180 ألف جنيه، ونادي الزمالك الذي يمنح العضوية للمؤهلات العليا بـ100 ألف جنيه، والمؤهلات المتوسطة 180 ألف جنيه.

عدم قدرة الكثير من المصريين على الوصول إلى أماكن لممارسة الرياضة، له تأثيرات تظهر مباشرة على صحتهم العامة، يتضح هذا من خلال دراسة قام عليها تسعة باحثين مصريين وألمان، قارنوا خلالها اللياقة البدنية لمجموعة من الأطفال المصريين والألمان من 6 إلى 10 سنوات، ونشرت في مارس/ آذار 2015، خلصت النتائج إلى وجود فروق جوهرية في مؤشر كتلة الجسم بين الأطفال الألمان والمصريين، في الطول لصالح الألمان، والوزن لصالح المصريين.

تتفوق العينة المدروسة من الأطفال الألمان، بحسب نتائج الدراسة، على عينة المصريين في مجمل الاختبارات البدنية التي خاضوها، أثبتت الدراسة أيضًا في محاولتها لدراسة علاقة اللياقة البدنية بالعمر، أن الأطفال الألمان يشهدون تحسنًا في لياقتهم مع زيادة العمر، بعكس المصريين، خاصة مجموعة الإناث.


إقرأ أيضًا: النساء والرياضة.. إلى أين تذهب فتاة مصرية لتتعلم ركل الكرة؟


وفي دراسة أخرى للباحث تامر جمال، أعدّها للحصول على درجة الدكتوراه في جامعة Technische Universität Chemnitz في ألمانيا فإن مصر تخسر طاقة إنتاجية تعادل 21 سنة كاملة من كل 1000 شخص، بسبب أمراض القلب، وعلى مستوى اللياقة لمجموعة من الطلبة الألمان من الرجال والنساء، بمجموعة أخرى في مصر، وجدت هذه الدراسة فروقًا جوهرية بين المصريين والألمان، لصالح الألمان، في الصحة العامة واللياقة البدنية.

القاهرة تقتل

في اتصال هاتفي مع المنصّة، تقول استشاري الأمراض الجلدية وفاء علم الدين إن السبيل الأمثل لحماية الجلد من أمراض الشيخوخة المبكرة التي تصيبه هو الخروج من القاهرة كل أسبوع "كل ويك إند (عطلة نهاية الأسبوع) لازم نبعد عن القاهرة، شوفي شكل السحاب، الهوا اللي بتتنفسيه، كله ملوثات، ده هوا مختلف عن اللي ممكن تشمّيه في الساحل (الشمالي) أو الغردقة"، تضيف علم الدين أن عادات كتطبيق واقي الشمس يوميًا على البشرة والأكل الصحّي وشرب الماء النّقي والبعد عن التدخين السلبي والإيجابي هي عادات ضرورية.

تبدو نرمين الفقي نضرة في كل صورها، قليل من التجاعيد وجلد مشدود، وهي أمور من الصعب إخفاؤها تمامًا بعمليات التجميل، تقول علم الدين إن وجهنا تزيد تجاعيده كلّما قلت مادتا الكولاجين والإلاستين فيه، وهي أمور تسببها الملوّثات بشكل عام، خاصة ملوّثات الهواء وأشعة الشمس الضارّة.

تقول علم الدّين إن التدخين، حتى السلبي منه، سبب رئيسي في تقليل اللأكسجين في الجلد وتكسير الكولاجين والإلاستين في الجسم، وأشعر الشمس الضارة والتي تكون في ساعات الظهيرة لها نفس الآثار على الجلد "دلوقتي مافيش مكان مافيهوش تدخين، حتى عوادم السيّارات تعتبر مشكلة".

ما شرحته علم الدين للمنصة مشكلة لكل من يسكن القاهرة، فبحسب دراسة نشرتها فوربس في أغسطس/أب 2018، فإن القاهرة هي المدينة الأكثر تلوّثًا في العالم، من بين 48 مدينة ضمّتها الدراسة في 24 بلدًا، وبعدها تأتي مدن معروفة بمشاكلها مع التلوّث مثل العاصمة الهندية نيودلهي، والعاصمة الصينية بكين، ومن بعدهما العاصمة الروسيّة موسكو.

بحسب هذه الدراسة فإن الإنسان الذي يقيم في القاهرة يستنشق في اليوم 11 ضعف المعدّل العالمي المسموح به من الجزيئات الملوثّة، إضافة إلى التلوّث السمعي الذي يصل إلى 85 ديسيبل، وهو ما يجعل قضاء يوم في القاهرة، ثالث أكثر المدن ضجيجًا في العالم، كقضاء يوم في أحد المصانع.

ذكرت دراسة نشرت عام 2015، لباحثين هنديين في المجلة الهندية لطب الجلد، أنه على الرغم من أن الجلد يعمل كدرع بيولوجي ضد المواد الكيميائية المؤكسدة وملوثات الهواء الفيزيائية، فإن التعرض لفترات طويلة أو متكررة لمستويات عالية من هذه الملوثات قد تكون له آثار سلبية كشيخوخة الجلد الخارجية وسرطانات الجلد، ويساهم دخان السجائر في الشيخوخة المبكرة وزيادة حالات الإصابة بالصدفية وحب الشباب.

كما أن التعرّض المستمر للملوّثات يؤثّر على تأدية الرئة لوظائفها بشكل جيّد. إذ خلصت دراسة شملت أكثر من 300 ألف شخص أن التعرض لتلوث الهواء الخارجي يرتبط بانخفاض وظائف الرئة وزيادة خطر الإصابة بمرض الانسداد الرئوي المزمن، فعلى الرغم من أن انخفاض وظائف الرّئة عادة ما يرتبط بالتقدّم بالعمر، فإن الدراسة التي نشرت في المجلّة الأوروبية للجهاز التنفّسي هذا الشهر تربط بين التعرض لملوّثات الهواء وشيخوخة الرئة، بحسب موقع science Daily.

قد تبدو نصيحة الدكتورة وفاء علم الدين بالخروج من القاهرة كل أسبوع لاستنشاق هواء غير ملوّث منطقيّة، لولا أن القدرة الاقتصادية لأغلبية المصريين ربما لا تتحمّل ذلك، فبحسب آخر بحث للدخل والإنفاق نشر عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في 2015، فإن 85% من المصريين يعيشون على دخل أقل من 5 آلاف جنيه شهريًا.

وبحسب تقرير نشرته المنصّة الصيف الماضي عن أسعار المصايف الاقتصادية، فإن أسرة من أربع أفرد تحتاج إلى 1200 جنيه على الأقل لقضاء أسبوع واحد في مصيف كرأس البر، تتعدى هذه الكلفة 10 ألاف جنيه إلى كان المقصد منطقة كمرسى علم، وتصل إلى 3 آلاف في منطقة كمرسى مطروح، تكلفة ربما تستطيع دفعها أسر مصرية متوسطة الدخل لأسبوعٍ في السنة، لكن كم أسرة منهم تستطيع تحمّلها عدة مرات خلال سنة واحدة؟

نيرمين الفقي تأكل ما يفيدها

في عدّة حوارات صحفيّة، تقول نرمين الفقي إنها تقلل من تناول النشويات والسكريات، لصالح الخضراوات والفاكهة والمكسّرات، بينما تعتبر اليونيسيف، أن مصر واحدة من 36 بلداً يتركز فيها 90% من عبء سوء التغذية العالمي.

تواجه مصر تحديًا في معدلات سوء التغذية مرتفعة خاصة بين الأطفال دون الخامسة، وهو ما له تأثيرات واسعة المدى على الأجيال المتلاحقة، خاصة تلك التي لا تمتلك الوعي الكافي لتدارك مشاكل سوء التغذية وعلاجها.

يذكر تقرير تكلفة الجوع، الصادر عام 2013 بالتعاون مع مركز المعلومات واتخاذ القرار وبرنامج الغذاء العالمي، أن سوء التغذية له آثار وتكلفة اقتصادية واضحة على الأفراد الذين يتم إهمال معالجتهم، يتمثّل في عدة مظاهر أبرزها قلّة الإنتاجية، ويتسبب في خسارة الاقتصاد المصري ما يقارب الـ20 مليار جنيه مصري، بحسب النتائج التي خلصن إليها الدراسة التي اعتمدت على معطيات من العام 2009.

"انت بتقللي المغذيات اللي بتدخل للجسم، ده بيساهم فإنه قدرته على القيم بوظائفه بتقل مع الوقت"، يشرح استشاري التثقيف الغذائي بالمعهد القومي للتغذية مجدي نزيه كيف أن سوء التغذية يجعل الأفراد المصابين به أكثر عرضة للإصابة بأمراض الشيخوخة "هناك مشكلات في مصر في أنماط الأكل ونوعيّة الأكل الذي يتناوله المصريّون".

يقول نزيه إن نمط الأكل المعتمد على السهر لفترات طويلة وأكل الوجبات المختلفة في أوقات غير منتظمة هو نمط يؤدي إلى الإصابة بسوء التغذية، إضافة إلى نوعية الأكل التي يجب أن تكون متوازنة "أكل البروتين والخضار الكتير دون النظر إلى النشويات خاطئ، كما أن أكل النشويات الكتير بالتوازي مع كميات قليلة من بقيّة المجموعات الغذائيّة أيضًا خاطئ".

في رأي نزيه، فإن الأمر في أغلبه يرتبط بالعادات الغذائيّة الخاطئة لدى المصريين، لكن مقالًا نشرته المنصّة للباحث صقر النّور عن التصحر الغذائي يقترح رواية أخرى لسوء تغذية المصريين، تتعلق بمقدرتهم على شراء الأطعمة الصحية من الأساس.

يشرح صقر النور أن التصحر الغذائي معناه أن أفراد مجتمع ما لا يستطيعون الحصول على الغذاء الصحّي بسبب عدم توفّره أو بسبب عدم قدرتهم على تحمّل تكلفة شرائها، يقول النور إن مصر من المجتمعات التي تعاني التصحّر الغذائي، ويدلل على وجهة نظره من خلال نشرات الأسعار القياسية للسلع الصادرة من الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، والتي تشير إلى ارتفاع الأسعار القياسية (متوسط الأسعار) لكثير من المواد الغذائية الرئيسية بما فيها الخضروات والفاكهة.

سوء التغذية لا يؤثّر فقط على صحة الأفراد ويتسبب في احتماليّات أكبر بإصابتهم بأمراض الشيخوخة، لكنّه أيضًا يساهم في تقليل العمر المتوقّع للأفراد في مجتمعاتهم.

ففي دراسة منشورة عن علاقة سوء التغذية بالعمر المتوقع للفرد في اليابان، أعدها باحث في كلية الطب بجامعة جونتيندو اليابانية، تسبب اختلال النظام الغذائي لليابانيين قبل الحرب العالمية الثانية وقلة اعتمادهم على البروتين، في انخفاض أعمارهم الافتراضية لما تحت الخمسين سنة.

الباحثان هيروشي شيباتا ونوبوتو شيباتا اقتراحا أن تغيير أنماط الغذاء بعد الحرب العالمية الثانية والاعتماد على البروتين بنسبة أكبر، رفع من العمر الافتراضي للسكّان إلى ما فوق الخمسين سنة، وهو ما يجعلنا نتساءل عن تأثير نوعية أكلات المصريين المعتمدة على كثير من النشويات، بحكم المواد المتوفّرة من خلال منافذ التموين الذي يعتمد عليها أكثر من 70 مليون مصري على العمر الافتراضي للمصريين.