مستشفى شبين الكوم التعليمي - صورة مفتوحة المصدر من ويكيميديا

في انتظار النقيب القادم: توحّش المستشفيات الجامعية وامتيازات أساتذة الكليات

توحش قطاع المستشفيات الجامعية أدى إلى مزيد من احتكار أساتذة كليات الطب للمهنة.

أغلق باب الترشح لانتخابات نقابة الأطباء بنهاية الشهر الماضي، بينما تحدد أن يجري التصويت في الجمعة الثانية من أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، في دورة انتخابية تكتسب أهميتها لكونها تجري على مستوى النقيب العام ونقباء النقابات الفرعية، بالإضافة إلى نصف مقاعد مجلس النقابة العامة والنقابات الفرعة.

وحتى تتضح خريطة القوائم الانتخابية بما تعكسه من برامج وتوجهات نقابية، يعرض هذا المقال اثنين من أهم الملفات التي تنتظر النقيب القادم ومجلسه، الأول هو توحش قطاع المستشفيات الجامعية في مواجهة المستشفيات التابعة لوزارة الصحة، والآخر يتعلق بقدرة الأطباء على إدارة شؤونهم، ومدى استطاعتهم القيام بأي فعل جماعي، من خلال النقابة أو بالتوازي معها، وهنا نلاحظ التدني المتواصل في الميل للعمل الجماعي وانصراف الأطباء عن العمل النقابي بالذات.

توحش الجامعات

على مدى السنوات العشرين الأخيرة حدث توسع كبير في قطاع المستشفيات الجامعية، إذ تحولت معظم الحدائق والأفنية المحيطة بالمستشفيات الجامعية القديمة، وحتى تلك المحيطة بكليات الطب، إلى مستشفيات ومراكز ومعاهد طبية فائقة التطور والتخصص.

حدث هذا التوسع والانتشار في البداية، من وجهة نظري، تلبيةً فقط لغرور الطواقم الطبية التي تصر على إنشاء المزيد من تلك الورش التعليمية للتدرّب على كل جديد، وهذا أمر محمود على المستوى التكنولوجي، أما على مستوى النظام الطبي، فإن توحش قطاع المستشفيات الجامعية أدى إلى مزيد من احتكار أساتذة كليات الطب للمهنة، وبالطبع مزيد من تركز هذا الاحتكار داخل مجموعة ضيقة من العائلات الطبية.

تنظر الإدارة، والمقصود هنا كل أعضاء الحكومة وأجهزتها وإداراتها المعنية بتطوير وصيانة وكفاءة النظام الطبي، تنظر تلك الإدارة إلى توسع وهيمنة قطاع المستشفيات الجامعية بعين الرضا، لسبب بسيط، أن هذا القطاع يتصدى بنجاح مضطرد لمهمة الصحة في مصر.

ثمة من يرجح أن هذا القطاع أصبح يعالج يعالج نحو 75% من المرضى، والأهم من هذا الدور الحاسم، من وجهة نظر تلك الإدارة، هو أنه قطاع حديث نما وترعرع بعيدًا عن مقولات الستينات القائلة بالتزام الدولة بضمان صحة المواطنين مجانًا، فلا مجال هنا لهذا الهراء، حتى أن القانون الأخير الخاص بتنظيم العمل بالمستشفيات الجامعية، جعل من علاج المرضى رابع أولوية لهذه المستشفيات بعد التعليم والتدريب والبحوث.

بقيت مصالح أساتذة كليات الطب مصانة وجميع امتيازاتهم كشريحة خاصة داخل سديم الأطباء محفوظة.

لم يكتفِ هذا القانون بذلك، بل إنه أعاد تحديد ملكية تلك المنشآت لتتبع المجلس الأعلى للجامعات وأبعدها عن أي تدخل من قبل وزارة الصحة، كما مهد الطريق لإنشاء مستشفيات جامعية جديدة حتى في تلك الجامعات التي لا توجد بها كليات طب، وكذلك الفصل إداريًا بين كليات الطب القائمة ومستشفياتها الجامعية.

وبدعوى تغيّب أعضاء هيئة التدريس وعدم الاستخدام الكفء للإمكانيات الهائلة ومن ثم تكدس المرضي غير المبرر، لم يكتفِ هذا القانون بإلزام أعضاء هيئة التدريس بالعمل في المستشفيات الجامعية بل إنه أعطى الضوء الأخضر لتوظيف أطباء من حملة الدكتوراة من غير أعضاء هيئة التدريس للعمل بها.

حدث خلاف كبير بين أساتذة كليات الطب والمجلس الأعلى للجامعات في سياق مناقشة المسودات الكثيرة لهذا القانون، انتهى بالتراضي بين الطرفين، فمعظم -إن لم تكن أغلب- مصالح الطرفين متناغمة، الإدارة، بالمعنى الذي قدمته، تريد شيئًا من الانضباط مع مزيد من التوسع حتى يتسنى لها إعادة توظيف دور هذا القطاع كمتصدٍ أساسي وربما وحيد لمسألة الصحة في مصر.

أما أساتذة كليات الطب، من ناحيتهم، ربما لا ترضيهم بعض الأمور الشكلية مثل إلزامهم بالعمل بالمستشفيات الجامعية وإمكانية مساءلتهم عند التقصير. في المقابل وحرصًا على أبنائهم، لم يُضَف بند لمنع ما يسمى بالطبيب الثالث، وهو الطبيب الذي يعمل في المستشفيات الجامعية ولكنه ليس عضوًا في هيئة التدريس، من الاندماج في سلك هيئة التدريس، مع أن لعبة التوسع والتوسع لم تعد مسلية.

بقيت مصالح أساتذة كليات الطب مصانة وجميع امتيازاتهم كشريحة خاصة داخل سديم الأطباء محفوظة، وأشك أن أحدًا من كلا الفريقين أبدى اهتمامًا بموقف نقيب الأطباء الحالي وجمعيته العمومية الطارئة الهزيلة التي طالب فيها رئيس الدولة بإلغاء هذا القانون بعد أن صدر.

يتشكل قطاع المستشفيات الجامعية، لمن لا يعرف، من العديد من المستشفيات والمراكز والمعاهد الطبية التابعة لكل كلية طب، وتوجد ست كليات طب تابعة لجامعة الأزهر، وهذا أمر كريه نظرا لاستبعاد شق من المجتمع من دخولها، بخلاف ذلك يضم هذا القطاع أيضا قرابة 23 كلية طب حكومي وثلاث كليات طب خاص، يشغِل هذا القطاع الهائل عدد ضئيل من الأطباء، يتراوح بين يتراوح بين 10% إلى 15% من الأطباء، هؤلاء هم النخبة التي تجري في عروقها دماء ملكية، وهم من يمنح أطباء وزارة الصحة الشهادات الطبية، دبلوم فقط واذا تسامحوا فالقليل جدا جدا من شهادات الماجستير. وبكل تأكيد فإن تراجع أعداد المقبولين من وزارة الصحة للحصول على درجات علمية أعلى من الدبلوم، ليس سياسة تعليمية معلنة ولكنها روح الاحتكار اي الرابط السحري الأقوى بين كل من هم أصحاب امتياز.

استقطاب وامتيازات

في الحقيقة كان من الممكن لهذا القانون أن يشكل مخرجًا لقطاع الطب العلاجي المتداعي، لكن النقابة الغراء لم ترَ ذلك.

داخل قطاع المستشفيات الجامعية هذا، تتكون الشلل ويزداد الاستقطاب وتظهر التواطئات وتعلن الحروب ويسقط الضحايا، ولكن الظلم البدني والمعنوي الكبير هنا قد يقع على الأطباء الصغار (النواب)، وخصوصًا ممن هم من خارج العائلات الطبية، وربما يدفع بعضهم للاستقالة.

ولكن هذا الأمر لا يمت بصلة لاستقالة قرابة 10 آلاف طبيب من وزارة الصحة في الأعوام الأخيرة، فقد تركت الوزارة في مهب الريح، لا تطوير ولا أمن بل حملات تشويه إعلامي تكاد تكون منتظمة، رغم ما يتقاضوه من رواتب لا تفي بالاحتياجات الأساسية مع فرص ضئيلة إن لم تكن منعدمة للتسجيل ونيل شهادة محترمة.

أما المستشفيات الخاصة فهي مغلقة لحساب أساتذة الجامعة، بل إن أساتذة الجامعات انتشروا أيضًا داخل أغنى مؤسستين في وزارة الصحة؛ قطاع التأمين الصحي والمؤسسة العلاجية. القطاع الوحيد الذي لا يغري أحدًا هو قطاع الطب العلاجي، أقصد المستشفيات العامة والمركزية، وهو قطاع واسع الانتشار كان قطاعًا أساسيًا حتى يوم قريب.

في إطار محاولاتها لتحسين صورتها وتحت ضغط من المجتمع المدني أثناء وبعد ثورة يناير العظيمة، أصدر مجلس النواب قانون التأمين الصحي الشامل. في الحقيقة كان من الممكن لهذا القانون أن يشكل مخرجًا لقطاع الطب العلاجي المتداعي، لكن النقابة الغراء لم ترَ ذلك، فعوضًا عن الرفض الأعمى الذي أعلنته لهذا القانون، كان منوطا بهذه النقابة أن تعمل على أن يستأثر قطاع الطب العلاجي بالنصيب الأكبر من التأمين الصحي، كفرصة للتطوير والتحديث الشامل، ولبث الروح في قطاع تُرِك ليتحلل ذاتيًا مع انه يضم الغالبية العظمى من أطباء مصر.

في الحقيقة كان ذلك ممكنًا بعدة طرق، مثل المطالبة بتعديل ينص على منع أي طبيب من التعاقد مع التأمين الصحي حتى يعمل إما في القطاع الطبي الخاص أو القطاع الطبي العام وليس الاثنين معًا. أعتقد أن اعتماد مثل هذا التعديل هو أمر ضروري للغاية ليس فقط لضمان عدم إساءة استخدام وتخريب نظام التأمين الصحي الجديد، في الحقيقة هذا المنع قد يصبح أداةً لضبط النظام الطبي ككل، مثل كل بلاد العالم، أما هنا فهذا النظام المنشود لن يرضي أصحاب الامتيازات المتعددة، ومن ثم سيترك تلقائيًا لمن سيرضى بالشروط الجديدة، لمن ليس لديهم ما يفقدوه.

على مستوى آخر ولكن في السياق نفسه، كان من الممكن يترتب على استئثار قطاع الطب العلاجي بالتأمين الصحي الشامل الجديد أمر آخر في غاية الأهمية، إذ يتوجب، وفق شروط الجودة، أن يحمل أي رئيس قسم داخل قطاع الطب العلاجي شهادة الدكتوراة، وهذا الأمر كان كفيلًا بحد ذاته، بأن يعيد النظر في قضية احتكار الشهادات الطبية.

كل تلك الأمور لم تحدث، وبدلًا من إلزام الدولة بتطبيقه، راحت النقابة تجعجع بكلام فارغ حول دراسات اكتوارية أجراها خبراؤها الماليين (هكذا) لرفض القانون، ولم تكن مفاجأة أبدًا، وقذ تغيرت ظروف إصداره، أن تطالب وزيرة الصحة الحالية بنفس الشيء، تمهيدًا لتعديله أو تشويهه ومن ثم وأده حيًا.

عمل نقابي معطل

فقد مل الأطباء و ضجروا من نفس برنامج الإخوان المسلمين المطلبي العقيم الذي استمرت النقابة الحالية تردده كالببغاء طوال الدورات الثلاث الأخيرة.

يروق للبعض تسمية النوع السابق من الملفات التي تنتظر نقيب الأطباء القادم بالجانب الموضوعي، في مواجه جانب ذاتي، يتعلق بقدرة الأطباء، كفئة اجتماعية، على العمل معًا للذود عن مصالحهم المشتركة، إن كان ثمة مصالح مشتركة، ففي الماضي لم يكن النظام الطبي أبدًا بهذا السوء، ولكنه وبسبب التراكم التاريخي لتناقضات هذا النظام الجائر، أصبحنا بصدد عالمين منفصلين تمامًا.

أنها قضيه عدالة من الطراز الرفيع، كل الأطباء من أساتذة كليات الطب ومن المنسيين في وزاره الصحة يعرفون مكمن العيب، لن تعيد اختراع العجلة، هكذا قيل لي بيأس مفرط، فالفرص تزداد تقلصًا باستمرار، ولم يعد السفر للخارج مجزيًا كما كان منذ عشر سنوات فقط، ولابد من حل جماعي جذري.

ان من سيتصدى لهذه التحديات، من سيتصدى لهذا العيب الهيكلي، هو وحده القادر علي إعادة جموع الأطباء للعمل النقابي الحقيقي المستدام، فقد مل الأطباء و ضجروا من نفس برنامج الإخوان المسلمين المطلبي العقيم الذي استمرت النقابة الحالية تردده كالببغاء طوال الدورات الثلاث الأخيرة، وهذه هي النتيجة؛ أقصى نسبة تصويت في الانتخابات الأخيرة لم تتجاوز من 5% إلى 6% ممن لهم حق التصويت.

لا يجب التسرع في تحليل هذه الأرقام لإثبات أن الأطباء سلبيون، فالأطباء لم يختبروا بعد، اللهم باستثناء جمعية أحداث مستشفى المطرية التعليمي، لكن في الجزر الطويل الذي تعيشه الحركه النقابية ككل، يمكن، ببعض المجهود في الحقيقة، تدبر هذا الحضور المحدود مرة أخرى كما فعل الإخوان المسلمون لمدة تتجاوز العشرين عامًا، إنها الماكينة الانتخابية، آلية عمل محترفي العمل النقابي، فقط عليك أن تتأكد ان قائمتك الانتخابية تتواجد في كل اللجان الفرعية بدون استثناء، لا يهم مدى قوتها هنا أو هناك، على المستوى القطري، ستكون النتيجه مبهرة، وبعدها موتوا بغيظكم أيها المنظرون.