إليس أثناء تحضير عينة من اللحوم المستنبتة - الصورة بإذن خاص للمنصة

اللحوم المستنبتة معمليًا: أن تأكل ساندوتش شاورما دون الحاجة لقتل حيوان

يرى المهتمون إن تلك التقنية قد تخفف معاناة الحيوانات عن طريق الاعتماد في الإنتاج الكثيف على اللحوم المستزرعة بدلًا من لحوم الحيوانات.

أرادت وكالة ناسا ابتكار طريقة لتزويد طواقم المهمات الفضائية الطويلة بغذاء صحي مغذٍّ وآمن، فلجأت إلى اللحوم المستنبتة التي تصنّع من الخلايا العضلية للحيوانات، ومع تطور هذه الطريقة في تصنيع الطعام وبدء تطبيقها على سطح الأرض أيضًا، فقد نتمكن في وقت قريب من تناول ساندوتش شاورما بدون الحاجة لقتل حيوان.

لإنتاج اللحوم المستنبتة، تؤخذ خزعة من جسد الحيوان، وتستخلص الخلايا الجذعية منها قبل زراعتها داخل وعاء في المختبر، حيث تغذى بالمعادن والفيتامينات والجلوكوز والأحماض الأمينية في ظروف مناسبة، وفقًا لماريان إليس، المتخصصة في اللحوم المستنبتة بجامعة باث، المملكة المتحدة.

هذه الطريقة مفيدة بالنسبة لوكالة ناسا لأن نقل لحوم الحيوانات في الفضاء ليس حلًا مستداما، ولكن نحن على سطح الأرض لدينا الكثير من الحيوانات، فلماذا نحتاج هذا النسق في إنتاج الطعام؟

تجيب إليس عن هذا التساؤل بقولها لـ المنصة إن عدد سكان العالم يتزايد "ولن تكفي أنماط إنتاج الغذاء الحالية احتياجنا للطعام".

من المتوقع أن يبلغ عدد سكان العالم 10 مليارات تقريبا عام 2050 وحينها سيكون عدد سكان مصر 153.8 مليون نسمة، ليرتفع إلى مئتي مليون عام 2100. تلك الزيادة تعني زيادة الطلب على الماء والغذاء مع محدودية الموارد.

ومع ارتفاع مستوى الدخل، سيستهلك الناس المزيد من اللحوم كل عام. من المتوقع أن يتضاعف الإنتاج العالمي من اللحوم من 229 مليون طن في عام 1999/2001 إلى 465 مليون طن في عام 2050.

محليًا، هناك تصور لدى الحكومة المصرية لاستثمارات تستهدف زيادة إنتاج الأبقار والألبان والدواجن لتلبي الاحتياج المتزايد للغذاء ولتقليل الواردات، تبعا لاستراتيجية 2030.

ولكن النمو المتوقع لقطاع الثروة الحيوانية لن يؤدي فقط إلى زيادة توافر البروتين الحيواني بأسعار معقولة للسكان، بل قد يؤدي أيضًا إلى نتائج سلبية على الصحة العامة والبيئة، بسبب كون تربية الماشية من أكبر مسببات الاحتباس الحراري وتلوث الماء والهواء تبعا لتقرير صادر عن الأمم المتحدة.

لذلك فإن إليس تعتقد أن "اللحوم المستنبتة هي إحدى بدائل البروتين التي قد تساعد في قضايا الأمن الغذائي والمخاوف المتعلقة بالتغير المناخي المصاحب لطرق إنتاج اللحوم الحالية".

استنبات اللحوم سيقلل كذلك من زيادة مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية بسبب استخدام الأدوية بعشوائية وانتشار الأمراض ذات الأصل الحيواني، بالإضافة إلى توفير الكثير من المياه إذ أن إنتاج كيلوجرام واحد من لحوم البقر، يستهلك 15500 لتر من المياه. مصر تعاني فعليا من مشكلة نقص المياه، حيث في عام 2030 سيبلغ نصيب الفرد من المياه 300 متر مكعب سنويا فقط.

مستقبل الاستنبات في مصر

وفقا لدكتور وائل ممدوح، رئيس فريق هندسة الأنسجة ومدرس مساعد بكلية العلوم والهندسة بالجامعة الأمريكية في القاهرة، فإن أبحاث استنبات اللحوم ممكنة في مصر لأنها تعتمد على استزراع الخلايا الحيوانية في المعمل باستخدام تقنيات هندسة الأنسجة، ومعظم معامل استزراع الانسجة في مصر مدربة على استنبات الخلايا في المختبر لأهداف عدة، منها تقييم سلوك الخلايا في وجود مادة معينة. ونظرًا لأن اللحوم المزروعة في المعمل تتبع آلية مماثلة لما تتبعه هندسة الانسجة فيما يتعلق بالبروتوكول والمعدات فيمكن تطبيقها بالطريقة المناسبة.

سيواجه العلماء والمنتجين بعض المعوقات في محاكاة البيئة التي تصنع فيها العضلات داخل جسم الإنسان والتجهيز البيولوجي في مرحلة الإنتاج على نطاق تجاري. تكرار الأنسجة العضلية على سبيل المثال يتطلب نظامًا معقدًا من خلايا متعددة وأوعية دموية متكررة.

تبعا لدراسة نشرتها جامعة باث فإن معظم المستهلكين عالميًا على استعداد لتجربة اللحوم المستنبتة، لكن نسبة صغيرة منهم قد تفضلها عن اللحوم التقليدية أو بدائل اللحوم الأخرى. من المرجح أن يستند هذا التفضيل إلى عدة عوامل مثل الذوق والسعر ولكن هذا غير متاح الآن نظرًا لأن اللحوم المستنبتة غير متاحة تجاريًا.

وضحت الدراسة استعداد أكبر لدى المشاركين ذوي الدخل المنخفض لتجربة المنتج. في حين أن النباتيين لديهم نظرة إيجابية للحوم المستزرعة، لكنهم ابدوا استعدادًا اقل لتناولها مقارنة بغير النباتيين.

استقبال التغيرات التكنولوجية الجذرية مثل اللحوم المستنبتة لا يكون سهلًا دائمًا. محمد الذي يعمل جزارًا يؤكد "إحنا مالناش دعوة بالحاجات دي، دي حاجة ودي حاجة، في ناس تحب تشوف المواشي قدامها وهي بتدبح".

يضيف د. وائل ان القضية في مصر يمكن أن تُظهر جدلاً حرجًا من نوع مختلف بين الناس، إذ يهتم المصريون "بالحلال والحرام" فيما يتعلق الطعام.

بهذا الخصوص، يقول عبد القاهر قمر من مجمع الفقه الإسلامي الدولي في جدة إن لا اعتراض لديه على تناول تلك اللحوم طالما الخلايا المستخدمة لاستنبات اللحوم لم تأتِ من خنزير أو أي حيوان آخر حرّم الإسلام تناوله.

خسائر الجزارين

توضح إليس أن اللحوم المستنبتة قد تعتبر "تهديدًا محتملًا لكسب العيش عند اعتبارها بديلًا عن لحوم المزارع، لكننا نراها فرصة للمزارعين للاستفادة اكثر من حيواناتهم، عن طريق استخدام بعض خلاياها لإنتاج اللحوم المستنبتة بالإضافة لاستخدام لحوم الحيوان نفسه. هناك أيضا تصور عن اقتصاديات كاملة تقوم على هذا التطبيق كأي منتج آخر".

استقبال التغيرات التكنولوجية الجذرية مثل اللحوم المستنبتة لا يكون سهلًا دائمًا. محمد الذي يعمل جزارًا يؤكد "إحنا مالناش دعوة بالحاجات دي، دي حاجة ودي حاجة، في ناس تحب تشوف المواشي قدامها وهي بتدبح".

يعتقد محمد أن هذة المنتجات لن تؤثر على عمله لأنه بالفعل لديه "زبونه". لكن في حال انتشار هذا النوع من اللحوم في الأسواق، وهو ما تتوقع إليس خلال خمس سنوات، فقد يواجه خسائر محتملة مع توقعات انخفاض مبيعاته.

معاناة أقل للحيوانات

أصبحت صناعة الحيوانات كابوسًا يؤرق كل مهتم بحقوق الحيوان. المعاملة القاسية التي يمكن وصفها بأنها تعذيب للحيوانات قد تدفع الكثيرين للامتناع عن تناول اللحوم رغبة منهم في عدم الاشتراك في هذا الفعل.

اللحوم المستنبتة قد تكون مستقبل الغذاء في مصر في مواجهة تحديات نقص الماء والغذاء مع وجود المعامل والخبرات التي يمكنها تطوير تلك التقنية.

لم تعد مناطق تربية الدواجن الريفية والقريبة من الريف مناطق واسعة تمرح بها الدواجن وتأكل وتتحرك بحرية كما كنا نعرف. تحول الأمر إلى مزارع مزدحمة ومتاجر صغيرة تتكدس في أقفاصها الطيور بالأيام الى أن تحين ساعة ذبحها ووضعها في آلة تشبه الغسالات القديمة في نفس اللحظة لنتف ريشها قبل حتى أن تفقد حياتها.

يرى المهتمون إن تلك التقنية قد تخفف معاناة الحيوانات عن طريق الاعتماد في الإنتاج الكثيف على اللحوم المستزرعة بدلًا من لحوم الحيوانات.

على كل حال يرى وائل أن العالم سيتبع هذه التقنية الجديدة كونها أقل ضررًا بالحيوانات وصديقة أكثر للبيئة، موضحًا أن الناس في البداية قد لا يقبلون فكرة تناول اللحوم المحضرة في المختبر ولكن مع مرور الوقت ستنتشر الفكرة في العالم كله وتلقى رواجًا.


أنتجت هذه القصة في إطار ورشة العلم حكاية لمعهد جوتة وDAAD بدعم من وزارة الخارجية الألمانية.