مشهد علوي لسوق الشيخ زويد الأسبوعي. الصورة: محمد علي السوهاجي- أرشيف المنصة

دماء على الملابس: شهادات المصابين في حادث الشيخ زويد الانتحاري

هكذا وصف الطفل صلاح، 9 أعوام، والمصاب بشظايا في ساقيه معايشته لحادث التفجير الانتحاري، بينما تمدد شقيقه عماد المصاب في ذراعيه بالشظايا في غرفة مجاورة، وابن عمهم علاء، الطفل الذي فقد إحدى عينيه، في غرفة ثالثة.

أسفرت العملية الانتحارية في السوق الشعبي لمدينة الشيخ زويد عن مقتل 7، بينهم الطفل لقمان سليمان علي الذي يبلغ من العمر أربعة أعوام، وإصابة 27 بشظايا متفرقة في الجسد أو بتر للأطراف أو فقدان للأعين.

المنصة انتقلت إلى مستشفى العريش المركزي وجمعت عددًا من شهادات المصابين في حادث الشيخ زويد الإرهابي الذين سمحت حالتهم الصحية بالحديث.

"شعرت بهواء ساخن يدفعني بقوة فسقطت على الأرض. كنت أزحف لأني شعرت أن قدماي تعطلتا إلى أن حملني شخص لا أعرفه ووضعني في صندوق سيارة نصف نقل ومعي آخرين إلى مستشفى الشيخ زويد العام" هكذا وصف الطفل صلاح، 9 أعوام والمصاب بشظايا في ساقيه معايشته لحادث التفجير الانتحاري، بينما تمدد شقيقه عماد المصاب في ذراعيه بالشظايا في غرفة مجاورة، وابن عمهم علاء، الطفل الذي فقد إحدى عينيه، في غرفة ثالثة.

قائمة بأسماء المصابين والقتلى في التفجير الانتحاري. الصورة: محمد علي السوهاجي- خاص للمنصة

الحشد الأهلي الأكبر في الشيخ زويد

يعتبر سوق الثلاثاء الأسبوعي لمدينة الشيخ زويد أكبر حشد شعبي للتسوق بداية من الساعة السادسة صباحًا حتى آذان الظهر، ويمثل السوق لأهالي المدينة فرصة للتواصل الاجتماعي حيث يفد أهالي القري وسكان المدن المجاورة للشراء.

وفي السنوات الأخيرة انخفضت كثافة سوق الشيخ زويد الأسبوعية نظرًا لرحيل سكان رفح إلى مدن العريش وبئر العبد وإخلاء عدد من قرى الشيخ زويد عقب العملية العسكرية الشاملة سيناء 2018، إلا أن السوق لا يزال فرصة لتزويد السكان بالمؤن.

ومع أن المدينة أفلتت في مستهل يوليو/ تموز 2015 من محاولة تنظيم ما يسمى بولاية سيناء بسط نفوذه على المدينة عسكريًا؛ إلا إنها كانت على موعد جديد مع العمليات الدامية آخرها الحادث النوعي الذي وقع صباح أمس عندما فجر انتحاري نفسه في قوة للشرطة وسط السوق في الساعة التاسعة وخمس وأربعين دقيقة من صباح الثلاثاء.

كيف وقع الحادث؟

يقول علاء بائع الأسماك في سوق الثلاثاء الشعبي، وأحد المصابين في الحادث "توقفت مدرعة الشرطة وسيارة نصف نقل وترجّل منها أفراد الشرطة وفي تلك اللحظة تحركت للحديث مع أحد أصحاب المحال المجاورة حتى فوجئت بشيء يحملني ويلقيني بعيدًا، ولا أعلم ما حدث بعد ذلك، إذ وجدت نفسي في المستشفى ولو كنت في موقعي الأول بجانب قوة الشرطة لتحولت إلى أشلاء.

سيدة تمددت في غرفة العناية المركزة المتوسطة مصابة بشظايا مختلفة تبدو عليها علامات الهلع الشديد لأنها لا تعرف مصير طفلها لقمان صاحب الأعوام الأربعة والذي لفظ أنفاسه داخل سيارة الإسعاف قبل وصوله إلى مستشفى العريش.

استسلمت السيدة لمحاولات الأطباء توصيل أكياس الدم والمحاليل بجسدها وهي تسأل عن مكان ابنها لقمان.

في الطوابق الثلاثة لمستشفى العريش انتشرت أسرّة المصابين البالغ عددهم 27 بينهم 8 أطفال، اكتست أغطيتهم وملابسهم بالدماء، فيما استنفرت إدارة الصحة بشمال سيناء كافة الطواقم لإسعاف المصابين بكل التخصصات.

أحد الأطفال المصابين في مستشفى العريش العام مع محافظ شمال سيناء. الصورة: محمد علي السوهاجي- خاص للمنصة

منعت قوات الشرطة أعداد الأهالي الكبيرة من الدخول إلى أروقة المستشفى لتمكين الأطباء من ممارسة عملهم، وكذلك عمل محاضر استماع لأقوال المصابين ورواياتهم للحادث، بينما وقف الدكتور أحمد منصور مدير المستشفى أمام مدخل الاستقبال والطوارئ، مؤكدًا أن المستشفى مسيطرة تمامًا وقادرة على استيعاب الواقعة بالإمكانيات الطبية المتوفرة ووجود 12 استشاري من 4 جامعات مصرية بالمستشفى يشاركون في إسعاف المصابين.

دوريات الشرطة

يقول شهود عيان من الشيخ زويد "جرت العادة مرور أفراد شرطة من قسم الشيخ زويد بالمرور في الشارع الرئيسي وسط المدينة والجلوس أمام أحد المقاهي مع جهاز حاسب آلي للكشف عن بيانات الأشخاص المارين في الشارع بشكل عشوائي".

يشرح الشهود أن هذا المشهد يتكرر أيام الثلاثاء أثناء انعقاد السوق الأسبوعية نظرًا لوجود عدد كبير من الأهالي الذين يفدون للسوق من كافة الأحياء للتزود باحتياجاتهم الأسبوعية من خضراوات وأطعمة وملابس ودواجن ومواشي تصل إلى السوق من محافظات أخرى للاستفادة من انخفاض الأسعار النسبي وتنوع البضائع، والأرجح أن العناصر التي تنتمى لتنظيم ما يسمى ولاية سيناء رصدت تكرار روتين أفراد الشرطة في نفس الموقع بشكل شبه يومي.

قال أحد مرافقي المصابين إنه شاهد قدمًا بشرية وأشلاء ملقاة في محيط مركز الانفجار، وتبيّن لاحقًا أنها للشخص الانتحاري الذى عثرت قوات الشرطة على رأسه وبعضًا من أشلاء جسده. يقول الشهود إنها تعود لصبي، وهو ما أكده بيان وزارة الداخلية المصرية الذي نشرته على صفحتها بفيسبوك مساء أمس.

بيان وزارة الداخلية الذي يقول إن الإنتحاري صبيّ يبلغ من العمر 15 عامًا

وتخالف هذه الرواية الصورة التي نشرها تنظيم ما يسمى الدولة الإسلامية لانتحاري الشيخ زويد الذي يبدو فيها رجلًا في العقد الرابع، بينما يقول آخرون إن تفجيرين وقعا بالتزامن أحدها لشخص يرتدي حزامًا ناسفًا فجر نفسه وسطهم بعد لحظات من نزولهم من مدرعة وسيارة نصف نقل، لكن لم تتوصل المنصة لأي معلومات مؤكدة بخصوص هذه الرواية.

يصف أحد شهود العيان أنه شاهد أفراد الشرطة المصابين والقتلى والدماء تنزف منهم، بينما وقف أحد أمناء الشرطة وحيدًا مشهرًا سلاحه يطلق دفعات من الرصاص في الهواء بعد حادث التفجير وحتى بداية عمليات نقل المصابين في سيارات نصف نقل مدنية.

ويشير شاهد ثانٍ إلى أن أحد ضباط الشرطة توفي أثناء نقله في سيارة الإسعاف، وكان معه في نفس السيارة طفل مصاب، قبل تسليم جثمان الضابط في كمين الريسة لأن أفراد الأمن يتم نقلهم إلى المستشفى العسكري بالعريش مباشرة.

الانتحاري "أبو هاجر المصري" الذي فجر نفسه في سوق الشيخ زويد

دون إنترنت أو إسعاف

وفي تلك الأثناء انقطعت شبكات الاتصالات وخدمات الإنترنت تمامًا عن مناطق العريش والشيخ زويد ورفح بعد لحظات من حدوث الانفجار. ورصد شهود العيان انتقال حوالى 15 سيارة اسعاف إلى مدينة الشيخ زويد إنطلاقًا من العريش لتبدأ في نقل المصابين إلى مستشفى العريش العام من مستشفى الشيخ زويد العام.

وقال شهود عيان إن الأهالي استخدموا سياراتهم الخاصة ونقل المصابين إلى المستشفى فور وقوع التفجير، نظرًا لعدم وجود سيارات إسعاف في الشيخ زويد، كما حلّقت طائرات حربية على ارتفاع منخفض في أجواء الشيخ زويد والعريش بعد حوالي ساعة من وقوع الانفجار.

وأضاف الشهود "انفضّ سوق الثلاثاء الشعبي في دقائق معدودة وغادر عشرات الأهالي، وأغلقت المحال التجارية أبوابها، حيث انتشرت قوات الجيش والشرطة في الشوارع، مع إطلاق أعيرة نارية في الهواء.

أول تفجير انتحاري في الشيخ زويد

وبهذا الحادث؛ تسجل مدينة الشيخ زويد أول هجوم انتحاري في سوق شعبي في تاريخها، مخلفًا مصابين وقتلى من أبناء قبائل وعائلات مختلفة. بجانب أفراد الشرطة الذين اقتصرت أعمالهم في المدينة على عمليات تفتيش البيوت وجمع البيانات والاحتجاز للاشتباه من الشوارع، وهي المهام التي كلفوا بها منذ 9 فبراير/ شباط 2018 تزامنًا مع إنطلاق العملية العسكرية الشاملة، إذ كان وجودهم قبل هذا التاريخ رمزيًا في المدينة ويقتصر على العمل الإدارى داخل قسم الشرطة.


لماذا تختلف هذه العملية عن غيرها؟ الإجابة في هذا التحليل الإخباري


حذاء للطفل و10 آلاف لأسر القتلى

عقب حادث التفجير الانتحاري؛ انتقل إلى مستشفى العريش العام مدير أمن شمال سيناء اللواء رضا سويلم، تحت حراسة مشددة. وبعد مغادرته بنصف ساعة؛ حضر إلى المستشفى، محافظ شمال سيناء اللواء محمد عبد الفضيل شوشة، الذى زار المصابين وسلّمهم 500 جنيه إعانة عاجلة، وأمر أحد مرافقيه بإحضار ملابس وحذاء لطفل مصاب طلبها من المحافظ بعد تمزقها في الحادث.

وأشار محافظ شمال سيناء إلى تلقيه مكالمة هاتفية من وزير الدفاع يخبره أن مستشفيات الجمهورية العسكرية جاهزة لاستقبال أي حالات تتطلب حالتها الصحية التحويل الطبي، ووصف شوشة منفذ الهجوم بأنه "مختل عقلي مغسول الدماغ"، مضيفًا "أهالي الشيخ زويد لديهم روح معنوية عالية وفي حالة صمود وهو الأمر الذي يدعم جهود الدولة في القضاء على الإرهاب".

وقالت مدير عام مديرية التضامن الاجتماعي في المحافظة سعدية محمود إن المديرية ستصرف 10 آلاف جنيه لأسرة كل قتيل و5 آلاف للمصاب، بخلاف معاش استثنائي دائم.

تجمع لأهالي المصابين أمام مستشفى العريش مع محافظ شمال سيناء. الصورة: محمدعلي السوهاجي- خاص للمنصة

نداءات في المساجد

مساجد عدة في مدينة العريش أطلقت نداءات للتبرع بالدماء للمصابين، وسارع الأهالي إلى مستشفى العريش استجابة للنداء، ووصلت إلى المستشفى أكياس دماء إضافية قدمها متبرعون في مستشفى الشيخ زويد العام.

وعلّق أحد المتطوعين قائمة بأسماء المصابين والوفيات في باحة المستشفى الخارجية، والتفّ حولها مئات الأهالي لمعرفة إن كان أحد أقاربهم أصيب في الحادث أو قتل، خاصة وأن انقطاع شبكات الاتصالات والإنترنت منعهم من القدرة على التواصل والاطمئنان، فكانت وسيلتهم الوحيدة هي الانتقال إلى المستشفى.

عدد من الأهالي المتجمعين في المستشفى قال للمنصة إن ما حدث هو نقلة بالغة الترويع في العمليات الإرهابية، وقال عدد منهم إن "استهداف الشرطة داخل سوق شعبي مكتظ بالأهالي يبين أن الإرهابيين لا يفرقون الآن بين قوات الشرطة والجيش والأهالي غير المسلحين كما أن هذا النوع من العمليات يوضح تردي حالتهم وقوتهم العسكرية"، مضيفين "نشعر بالخطر الحقيقي الآن فلا نعلم هل سنرتاد السوق بعد ذلك أم لا، معربين عن خشيتهم من عودة حملات تفتيش المنازل والاشتباهات الشُرطيّة".