نص كلمة السيسي خلال أعمال القمة العربية الثلاثين 31/3/2019

.. وأن يقف المجتمع الدولي وقفة حازمة في وجه قوة معروفة للجميع، تورطت ولا تزال في تهريب السلاح والمقاتلين إلى ليبيا، ودعم المنظمات الإرهابية بدون أي رقابة أو محاسبة.


بسم الله الرحمن الرحيم،

فخامة الأخ الرئيس الباجي قايد السبسي، رئيس الجمهورية التونسية الشقيقة،

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو،

ملوك ورؤساء وأمراء ورؤساء وحكومات الدول العربية الشقيقة،

معالي السيد أحمد أبو الغيط أمين عام جماعة الدول العربية،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أود في البداية أن أتقدم بخالص الشكر لفخامة الأخ الرئيس الباجي قايد السبسي، ولحكومة وشعب الجمهورية التونسية الشقيقة على الاستضافة الكريمة، والتنظيم المتميز للقمة العربية في دورتها العادية الثلاثين، معربًا عن صادق الأمل في نجاح هذه القمة، التي لا يخفى على أحد أنها تأتي في منعطف خطير في تاريخ أمتنا العربية، ازدادت فيه التحديات وتعددت الأزمات، وتعقدت المهام المطلوبة لمواجهتها.

بعض هذه التحديات متراكم، وهو جزء من إرثٌ، من إرث مرحلة التحرر الوطني، ومرحلة تأسيس جامعة الدول العربية في الأربعينات من القرن الماضي، ويأتي على رأسها الصراع العربي الإسرائيلي، والذي أثق في أننا جميعًا نتفق على أنه لا مخرج نهائي منه إلا بحل سلمي شامل وعادل، يعيد الحقوق إلى أصحابها، بحيث يحصل الشعب الفلسطيني على حقه في الدولة المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية، وتعود الجولان المحتلة إلى سوريا، لتتحرر جميع الأراضي العربية المحتلة، ويتم طي هذه المرحلة المؤلمة، التي استنزفت الأمة وطاقاتها لسبعة عقود، وتبدأ مرحلة السلام الشامل والعادل وإعادة البناء.

لا يزال الدم العربي يراق في عدد من الأوطان العربية، بأيد عربية حينًا، وعلى يد إرهابيين أجانب وميليشيات عميلة لقوى إقليمية، تسعى للتدخل في الشؤون العربية لإعلاء مصالحها، أحيانًا أخرى.

غير أن الأمر لا يقتصر على تراكمات موروثة، واستحقاقات متبقية من مرحلة التحرر الوطني، وإنما هناك أيضًا التحديات التي شاهدناها في العقد الأخير، وحزمة الأزمات التي تفجرت منذ ثمانية أعوام في أكثر من بلد عربي، من سوريا إلى ليبيا واليمن، وغيرها من الدول العربية، لتحمل أخطار التفكك والطائفية والإرهاب، الذي بات يهدد صلب وجود الدولة الوطنية ومؤسساتها في منطقتنا العربية، ويهدر مبادئ العروبة والعمل المشترك لصالح تدخلات إقليمية في شؤون دولنا، وتوجهات طائفية ومذهبية تفرق بدلًا من أن تجمع، وتهدم بدلا من أن تبني.

إن تلك التراكمات وهذه التحديات الجديدة، تضع على عاتقنا كقادة لدولنا وشعوبنا في هذه المرحلة الفارقة من تاريخ أمتنا مسؤولية عظيمة.

فما سنتخذه من قرارات لمواجهتها سيكون لها أثر حاسم، ليس فقط على حاضرنا، وإنما أيضا على مستقبل الأجيال القادمة التي ستحاسبنا، كما سيحاسبنا التاريخ على القرارات التي سنتخذها، وعلى النهج الذي سنتبعه في توجيه دفة دولنا، إما إلى بر الأمان بمشيئة الله، أو نحو مصير لا تُحمد عقباه لا قدر الله إن لم نحسن الاختيار، ونتمسك بالعمل المشترك الرشيد الذي يعلي المصالح لاعليا لأمتنا العربية على كل اعتبار آخر.

في اليمن، نضم صوتنا إلى كل المطالبين بتطبيق اتفاق ستوكهولم، كمقدمة لبدء المفاوضات الرامية لتسوية الأزمة اليمنية، وفقًا لمرجعياتها المعروفة، قرار مجلس الأمن رقم 2216، والمبادرة الخليجية.

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو،

إن استمرار الظلم التاريخي الواقع على الشعب الفلسطيني، سيبقى وصمة عار حقيقية على جبين المجتمع الدولي طالما استمر ضرب عرض الحائط بقرارات الشرعية الدولية، وبقيت محاولات الالتفاف على مرجعيات السلام ومحدداتها.

لقد اختار العرب السلام وقدموا مبادرة شاملة، تمد اليد بالسلام العادل مقابل تحرير الأراضي العربية المحتلة كافة وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، ولا تزال اليد العربية ممدودة بالسلام العادل والشامل، القائم على التمسك الكامل بكل الحقوق المشروعة وبمقررات الشرعية الدولية ورفض أية محاولة للالتفاف عليها.

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو،

إننا اليوم أمام استحقاق آخر، لا يقل إلحاحًا أو تأثيرًا على مستقبل منطقتنا، بل والعالم كله، وهو المواجهة الشاملة لجميع أشكال الإرهاب، وما يتأسس عليه من فكر متطرف يبيح قتل الأبرياء، وينتهك كل التعاليم الدينية السمحة، والمبادئ الأخلاقية، والأعراف الإنسانية كافة.

إن مواجهة خطر الإرهاب الذي بات يهدد وجود الدولة الوطنية في المنطقة العربية، تقتضي التحرك بشكل سريع وبدون مماطلة، لتطبيق جميع عناصر المقاربة الشاملة لمكافحة الإرهاب، التي تضمنتها قرارات جامعة الدول العربية ذات الصلة، وعلى رأسها قرار تطوير المنظومة العربية لمكافحة الإرهاب، الذي اعتمد في القمة العربيـ في القمة العربية الأخيرة في الظهران.

ولن تكون هذه المواجهة الضرورية ناجحة، إلا إن شملت أيضا التحرك الحثيث لتجديد الخطاب الديني، بحيث يعكس الروح السمحة الحقيقية لديننا الحنيف، بعيدًا عما يدعيه الجهلاء، وبمنأى عن أي أفكار تخالف جوهره، وتدعو للعنف أو الفرقة أو الطائفية باسم الدين، وهو منها براء.

الأخوة أصحاب الجلالة والفخامة والسمو،

لا يزال الدم العربي يراق في عدد من الأوطان العربية، بأيد عربية حينًا، وعلى يد إرهابيين أجانب وميليشيات عميلة لقوى إقليمية، تسعى للتدخل في الشؤون العربية لإعلاء مصالحها، أحيانًا أخرى. ألم يئن الأوان لوقف هذا النزيف المستمر للدم العربي؟ ألم يحن الوقت لتسوية عربية لتلك الأزمات، تحقن الدماء، وتحفظ دولنا، وتوقف الإهدار المستمر لمقدرات شعوبنا وثرواتها.

إننا نطالب بالتحرك الفوري لبدء المفاوضات في إطار عملية جنيف لتحقيق تسوية شاملة للأزمة في سوريا، تحفظ وحدتها وسلامتها الإقليمية، التي باتت اليوم مهددة أكثر من أي وقت مضى، منذ اندلاع هذه المحنة قبل ثمانية أعوام، وتحقق الطموحات المشروعة لشعبها، وتعيد بناء هذه الدولة العربية العريقة ومؤسساتها، وتقضي على الإرهاب البغيض.

لقد آن الأوان أن نلحق كعرب بركب التقدم الاقتصادي الذي تعيشه مناطق أخرى متعددًة، متعددٌة في العالم، وأن نستفيد من الفرص غير المسبوقة التي يتيحها النظام الاقتصادي العالمي.

إن الطريق واضح وعناصر التسوية الممكنة معروفة، والمكونات الأربعة للمفاوضات كما حددتها الأمم المتحدة، وقرار مجلس الأمن رقم 2254 معلومة للكافة.

المطلوب فقط هو إرادة السلام والتسوية لدى الفرقاء السوريين، وموقف عربي حاضن لهذه التسوية وداعم لها وضاغط في اتجاه تحقيقها، ورافض بشكل قاطع لكل التدخلات من أي قوى إقليمية غير عربية تحاول استغلال محنة الشعب السوري الشقيق، لبناء موطئ، مواطئ نفوذ على أراضي هذه الدولة الشقيقة.

كما نطالب بتحرك شامل لتنفيذ جميع عناصر مبادرة الأمم المتحدة للتسوية في ليبيا، والتي اعتمدها مجلس الأمن منذ أكثر من 18 شهرًا، ومرة أ، ومرة أخرى أقول، إن عناصر التسوية قائمة ومعروفة للكافة، والمطلوب هو إرادة سياسية تتعالي على المصالح الضيقة، وتعلي مصلحة ليبيا واستقرارها فوق المزايدات السياسية والمطامع الشخصية، وأن يقف المجتمع الدولي وقفة حازمة في وجه قوة معروفة للجميع، تورطت ولا تزال في تهريب السلاح والمقاتلين إلى ليبيا، ودعم المنظمات الإرهابية بدون أي رقابة أو محاسبة.

وفي اليمن، نضم صوتنا إلى كل المطالبين بتطبيق اتفاق ستوكهولم، كمقدمة لبدء المفاوضات الرامية لتسوية الأزمة اليمنية، وفقًا لمرجعياتها المعروفة، قرار مجلس الأمن رقم 2216، والمبادرة الخليجية، ومقررات الحوار الوطني، ونطالب الجميع بالتخلي عن منطق الغلبة والاستقواء، والتوصل إلى كلمة سواء، تعلي مصلحة اليمن وشعبه الشقيق.

إنني واثق أيها الأشقاء أنكم ستتفقون معي، في أنه أينما أمعنا النظر في مختلف أزمات منطقتنا، نجد عناصر الحل في جميع هذه الأزمات معروفة ومتاحة، الغائب فقط هو الإرادة السياسية، والرغبة الصادقة في نبذ الفرقة، وإعلاء المصلحة الوطنية والقومية العليا فوق كل اعتبار آخر، فلتكن قرارات قمتنا هذه نوبة إفاقة، وإعلانًا عن انطلاق قطار التسويات، وطي هذه الصفحة الحزينة من تاريخ أمتنا.

لقد آن الأوان أن نلحق كعرب بركب التقدم الاقتصادي الذي تعيشه مناطق أخرى متعددًة، متعددٌة في العالم، وأن نستفيد من الفرص غير المسبوقة التي يتيحها النظام الاقتصادي العالمي، ونحول الإمكانات الكامنة لأمتنا إلى حقائق تعيشها وتنعم بها الأجيال الحاضرة والقادمة.

فلتكن اجتماعاتنا اليوم خطوة على طريق التنمية العربية الشاملة، التي يحق لكل مواطن عربي أن يحلم بها، وأن نبذل أقصى جهد لتحقيق هذه الآمال والتطلعات. وفقنا الله جميعًا إلى كل ما فيه خير أمتنا العربية، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


ألقيت الكلمة في تونس بحضور الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي، وأمين عام جماعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، وعدد من ملوك ورؤساء وأمراء وحكومات الدول العربية.

خدمة الخطابات الكاملة للسيسي تجدونها في هذا الرابط