رصيف 6 في محطة مصر. تصوير: صفاء عصام الدين

يوميات صحفية برلمانية| من على رصيف الموت: النواب يشيدون بالرئيس والحكومة

يبدو مشهد النواب وهم يقفون أمام الحديد الفاصل بين الجرار وحافة الرصيف وكأنه صورة مشوشة، الصورة الأوضح كانت للضحايا واستغاثاتهم.

بقلب منقبض ويد مرتعشة وخطوات تحاول أن تبدو ثابتة، دخلت إلى محطة مصر في يوم من أصعب الأيام وأكثرها قسوة، يوم لا يستطيع الصحفي فيه أن يقف محايدًا لا يشعر بالغضب، وهو محاط برائحة الموت والدم.

بدأت رحلة وفد لجنة النقل والمواصلات في مجلس النواب إلى رصيف الموت في محطة مصر صباح أمس الخميس، وكلما اقترب الأتوبيس الذي ينقلنا من محطة مصر، تتسارع دقات القلب، أقرأ الفاتحة على أرواح الضحايا، وأترقب الوصول للبوابة التي عبروا منها بخطواتهم الأخيرة إلى الموت.

كان مفترضًا أن تنتهي هذه الرحلة إلى إجابات واضحة، ولكنني بعدها عدت محملة بمزيد من التساؤلات عن حال السكة الحديد، وموعد الحادث المقبل، مكانه، وطريقة وقوعه، وعدد ضحاياه.

الاجتماع مغلق

آثار احتكاك الجرارين والذي نتج عنه الحادث، إلى جوار الجرار الثاني. تصوير: صفاء عصام الدين

كان رئيس هيئة النقل والسكك الحديدية أشرف رسلان في استقبال الوفد البرلماني الذي يرأسه رئيس لجنة النقل والمواصلات، النائب هشام عبد الواحد.

يتجه رسلان بالنواب لمكتبه بمقر الهيئة الملاصق للمحطة؛ فأحاول السيطرة على مشاعر القهر والغضب، وأسارع بالصعود على السلم مع زملائي للحاق بالنواب.

ندخل عبر ممر طويل إلى حجرة اجتماعات كبرى، مجهزة بنظام إطفاء في سقف الحجرة الملحقة بمكتب رئيس الهيئة، الذي يميل على رئيس لجنة النقل ويطلب منه إخراج الصحفيين من القاعة.

لم يفكر عبد الواحد مرتين ولم يناقش، بل وجه حديثه للصحفيين قائلًا "سنعقد اجتماعًا لمدة نصف ساعة أو ساعة إلا ربع ونخرج لكم"، ليستقبل الصحفيون هذا الطلب ببعض الغضب. لم نتوصل لاتفاق على المغادرة والانسحاب، واضطررنا جميعا للانتظار لنحو ساعة ونصف.

أمام ملل الانتظار والتوتر والجو المشحون بغضب عام، خرج بعض الصحفيين للتمشية أو الوقوف أمام الباب المجاور لقاعة الاجتماعات، فإذ بمسؤولين من الهيئة يطالبوننا بالدخول لمكان الانتظار، وبسؤال أحدهم عن السبب فقال "الكاميرات جياباكم يا فندم"، ليرد الصحفيون ردود غاضبة مكتومة كادت تؤدي لمشادات مع الموظفين "وقفتنا هتعطل القطارات"، "وقوفنا في الطرقة هيخبط القطارات في بعضها"، "أهم حاجة الكاميرات".


اقرأ أيضًا: دماء جديدة على القضبان: جرار بلا سائق يقتل 25 شخصًا ويصيب 50 في محطة مصر


اطمئنوا.. بدأ التطوير

آثار الرماد والحريق في موقع الحادث. تصوير: صفاء عصام الدين

بعد مرور أكثر من ساعة ونصف على الاجتماع المغلق بدأ رئيس اللجنة مؤتمرًا صحفيًا لم يكشف فيه عن تفاصيل الاجتماع، ولم يستقبل أي أسئلة من الصحفيين، بل وجه عدة رسائل إشادة مرتبطة بالحادث.

أشاد عبد الواحد بتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بضرورة محاسبة المقصرين، وبوزير النقل المستقيل هشام عرفات وقراره "الجرئ" بالاستقالة، وبـ"حرفية الدولة" في التعامل مع الحادث واعتبار أدائها "نقطة بيضاء"، والتأكيد على أن تطوير منظومة السكة الحديد بدأ منذ سنوات واستكماله مستمر.

بعد انتهاء عبد الواحد من رسائله لم يفتح الباب لتلقي أية تساؤلات وانطلق بصحبة نواب اللجنة وقيادات هيئة السكة الحديد نحو رصيف الموت، لتفقد مكان الحادث.

على رصيف الموت

رصيف 6 في محطة مصر. تصوير: صفاء عصام الدين

بمجرد الدخول لبهو المحطة يسرع الجميع تجاه رصيف 6 المحاط بالمتاريس لإبعادها عن طريق الوفد الذي يتوجه لمكان الحادث.

بمجرد عبور المتاريس يستقبلك ما تركه الانفجار من حطام ورماد ورائحة الحريق، يدخل معنا في الزحام مواطنون قبل أن يدرك الأمن تسللهم، يقفون لالتقاط صور سيلفي مع جرار الموت وحطام الرصيف.

تتعثر خطاي وسط الحطام، أتخيل الخطى الأخيرة للضحايا وفزعهم ونداءاتهم وصرخاتهم، يبدو مشهد النواب وهم يقفون أمام الحديد الفاصل بين الجرار وحافة الرصيف وكأنه صورة مشوشة، الصورة الأوضح كانت للضحايا واستغاثاتهم.

أحد النواب يتفقد موقع الحادث. تصوير: صفاء عصام الدين

بمجرد وقوفي فوق الحطام الملاصق للجرار المغطى بآثار الحريق، تساقطت فوقي قطرات سوداء محملة ببقايا الإطفاء والرماد، وعندما توجهت نحو بقايا المبنى الملاصق للجدار الذي اصطدم به الجرار حذرني أمين شرطة من سقوط أجزاء منه فوق رأسي.

على الأرصفة المقابلة هناك من جاءوا واصطفوا للحاق بقطاراتهم التي لم تصل بعد، يراقبون ويصورون رصيف الموت من بعيد.

هنا ورش أبو غاطس

ورش أبو غاطس. تصوير: صفاء عصام الدين

"معا نبني سكك حديد مصر"، لافتة كبيرة تستقبلك لدى وصولك منطقة ورش أبو غاطس لصيانة الجرارات، حيث المحطة الأخيرة في زيارة الوفد البرلماني.

عند دخول منطقة الورش المجاورة لشريط القطاع الموازي لشارع أحمد حلمي، ستلاحظ لافتات تحذر العاملين من الإصابات وكيفية التصرف في حال حدوث إصابة أثناء العمل في ورش الصيانة.

يتحرك الوفد خلف رئيس هيئة السكة الحديد نحو جرار على أحد القضبان، يوضح أنه الجرار الذي اصطدم بالجرار الآخر، قبيل الحادث، آثار الحطام ما زالت على الأرض، قطع مكسورة جراء التصادم مازالت بين القضبان.

يتحدث رئيس الهيئة عن جرار الموت الذي استغرق دقيقة واحدة للتحرك من منطقة الورش حتى وصل إلى رصيف 6، بعد تغلب الجرار الذي ظل قيد التشغيل على "المحاشرة" مع الجرار الآخر.

يسأل رئيس اللجنة عن أية وسيلة يمكن توفيرها لإيقاف الجرارات عن بعد في حال حدوث خطأ بشري مماثل لحادث الأمس.

يتردد رئيس الهيئة في تقديم إجابات لنواب النقل الذين ظهروا في نهاية الزيارة منفعلين. بسؤاله عما إذا كانت حوادث مماثلة وقعت من قبل في مصر، أجاب إنها "حالة شاذة نادرة"، وأمام إصرار النواب على إيجاد طرق حمائية، رد نائب رئيس الهيئة "لو السواق اتبع التعليمات لن تحدث"، فانفعل النائب وحيد قرقر قائلا "السواق ما اتبعش"، ليقاطعه رئيس اللجنة النائب هشام عبد الواحد مؤكدا على ضرورة تقليل تدخل العنصر البشري لتفادي الأخطاء.

ويتجاهل رئيس الهيئة مرة أخرى الإجابة عن الأسئلة، وبعد شد وجذب قال رسلان "إنتوا عارفين إن الهيئة في مصيبة"، وتحدث عن بنية تحتية متهالكة ومشاكل تعود إلى 40 سنة ماضية، وطلب عمالة فنية "ناس تكشف طبي وتكون لائقة مية في المية"، وعندما سئل عن الاعتمادات المالية المطلوب قال "هقولك"، ولم يحدد رقمًا.


اقرأ أيضًا: كيف يسير قطار وحده بدون سائق؟