جابي أجيون. الصورة: أرشيف بيت ازياء كلوّى.

جابي أجيون.. اليسارية المصرية التي غيرت شكل أزياء باريس

عندما سمحت لها والدتها بالذهاب إلى السوق لشراء الأقمشة؛ شعرت بالسعادة والحرية الذين ارتبطا عندها بالقماش.. ربما هنا كانت البداية.

لابد أن عينيك عبرتا يومًا على العلامة التجارية الشهيرة كلوّي CHLOÉ داخل أروقة أحد المولات، أو في إعلان على أحد مواقع التسوّق الإلكتروني، لكن ما يبقى مجهولًا للكثيرين أن بيت الأزياء الفرنسي الشهير الذي تأسس في بدايات الخمسينات كانت وراءه اليسارية المصرية جابرييل حانوكا، الشهيرة بـ جابي أجيون.

طفولة سكندرية

في الأسكندرية، مطلع العشرينات، وتحديدًا في الثالث من مارس/ آذار 1921ولدت جابرييل حانوكا، لعائلة يهودية ثرية ذات أصول يونانية إيطالية، في منزل تملؤه الكتب. يدير الأب مصنعًا للسجائر، والأم شغوفة بالموضة، تجلب الخيّاطة لتفصيل ملابس للأسرة تستوحيها من مجلات الأزياء الفرنسية. في سن الثالثة عشرة سمحت لها والدتها بالذهاب إلى السوق لشراء الأقمشة؛ وهناك شعرت بالسعادة والحرية الذين ارتبطا عندها بالقماش.. ربما هنا كانت البداية.

تلقت جابرييل تعليمًا فرنسيًا مثلها مثل باقي فتيات المجتمع الراقي، وفي المدرسة الابتدائية قابلت الطفل ريمون أجيون، الذي يكبرها بعام واحد، والمولود هو الآخر لعائلة يهودية ثرية من أصل إيطالي مشهورة بتصدير القطن. هنا بدأت صداقة بين طفلين ستستمر طويلًا.

جابرييل قبل سفرها من مصر

شبح يخيم على مصر اسمه الشيوعية

شبّ الأطفال، نحن الآن في نهاية الثلاثينات، الحرب العالمية الثانية تحرق العالم، أفكار التيارات الفاشية من ناحية واليسارية في مواجهتها تجتاحان صفوف الشباب.

صار لريمون ميولًا سياسية يسارية: انضم لرابطة أنصار السلام في مرحلة المراهقة، ثم شارك في تأسيس الاتحاد الديموقراطي عام 1939، ثاني الحركات الشيوعية، بعد أنصار السلام. هذا الاتحاد سيرسم وجه الموجة الثانية للنشاط اليساري في مصر الأربعينات، بعد الموجة الأولى التي بدأت في العشرينات مع تأسيس الحزب الاشتراكي المصري عام 1921، والذي تحول للحزب الشيوعي المصري في 1923، قبل أن يأمر سعد زغلول بحله في 1924. ومع تعرضه لضربات أمنية قوية؛ تفرق شمل مناضليه وخفت نشاطه.


اقرأ أيضا: العنقاء وزجاجة البراندي.. معضلة الشيوعيين المتجددة


يضم الاتحاد الديموقراطي عددًا ممن سيصبحون فيما بعد أبرز قيادات الحركة الشيوعية المصرية: هنري وراؤول كورييل، بالإضافة إلى مارسيل إسرائيل، وهليل شوارتز. ريمون أجيون كانت تربطه بهؤلاء صلة قرابة. وسيضم الاتحاد الديموقراطي أيضًا عددًا من المصريين من ضمنهم أحمد فؤاد الأهواني ومحمد نصر الدين المدرس بكلية البوليس.

يقول رفعت السعيد في كتابه تاريخ الحركة الشيوعية في مصر "اتسع نشاط الاتحاد الديموقراطي واتسعت المجموعة الماركسية المتوارية خلفه، وتزايد عدد الماركسيين في صفوفها. وفجأة دب خلاف بين الذين تصدوا لقيادة الاتحاد".

 جابي وريمون في القاهرة. الصورة: مجلة فانيتي فير الفرنسية.

حافظ أعضاء الاتحاد الديموقراطي على علاقتهم بجماعة الفن والحرية بقيادة چورچ حنين، مؤسس الحركة السريالية في مصر، وقاموا في ديسمبر من عام 1939، مع أعضاء الفن والحرية بنشر صحيفة ماركسية باللغة الفرنسية أطلقوا عليها اسم "دون كيشوت"، تناولت موضوعات مثل خطر الفاشية الأوروبية بقيادة هتلر وموسوليني على الحريات الديموقراطية والسلام، والحاجة المُلحة لمعارضتها، بجانب حضور للقضايا الاجتماعية والطبقية.

لكن الجماعة وجهّت بعض الانتقادات للسياسة السوفييتية فاتُهمت بالتروتسكية وما لبثت المجلة أن أغلقت.

قرار بالارتباط وسط العواصف

وسط تلك الأجواء الملتهبة يقرر الشابان جابرييل حانوكا وريمون أجيون الزواج عام 1940، بعد قصة حب بدأت في الطفولة، ويهديهما الشاعر إدمون جابيس إحدى قصائد ديوانه أغاني لوجبة الغول (1943) بعنوان أغنية بلا عنوان: "ومنذ تلك الليلة/ الجدران لديها أربعة أسقف/ الحزن لديه عادة/ الجمال لديه عش/ والسرير لديه سارية/ للإبحار، للإبحار".

نشط ريمون بعد ذلك هو وزوجته وعدد من اليساريين الإنجليز في تكوين لجنة لرعاية المهاجرين اليوغسلاف في مصر (بلغ عددهم 28 ألف مهاجر)، وجمع التبرعات لهم، وتقوية الصلات بالشيوعيين في صفوفهم؛ حسبما ذكره رفعت السعيد في كتابه وفق محضر النقاش مع ريمون في باريس عام 1973.

جابي وإدمون جابيس. الصورة: مجلة فوج الإيطالية

فساتين باريس

سافرت جابرييل إلى فرنسا للمرة الأولى وعمرها ثمانية عشرة عامًا، قبل الحرب العالمية الثانية مباشرة. أعجبتها أناقة الفرنسيات التي كانت تشاهدها قبل وصولها باريس على صفحات مجلات والدتها، وأصبحت فرنسا تعني لها كلمة موضة.

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وفي عام 1945 رأى ريمون أن الأحوال السياسية في مصر لا تسير في المسار الصحيح: انقسامات في ساحة العمل الشيوعي. فالاتحاد الديموقراطي تم حله، بعد نشوب خلاف بين القيادات الثلاثة كورييل وشوراتز وإسرائيل، إذ رأى هنري كورييل ضرورة البدء بتمصير الحركة وإبعاد الأجانب، فيما رأى شوارتز أن التمصير شعار عنصري، بينما اختلف معهما مارسيل إسرائيل حول الموقف من الدين.

أنتج هذا الخلاف ثلاث منظمات هي: الحركة المصرية للتحرر الوطني (حمتو) بقيادة هنري كورييل، والثانية كانت ايسكرا (الشرارة) بقيادة هليل شوارتز، والثالثة تحرير الشعب بقيادة مارسيل إسرائيل، ومن بين مؤسسات تحرير الشعب خرجت دار نشر الفجر الجديد التي أنتجت حركة أدبية وثقافية أثرت الوسط الثقافي المصري آنذاك. بعدها اتحدت حركتا حمتو مع ايسكرا عام 1947 تحت اسم حركة حدتو صاحبة الباع الطويل في تاريخ الحياة السياسية المصرية.


اقرأ أيضا: "حدتو".. كيف تضحي من أجل الاشتراكية ثم تخسر كل شيء


كل هذه الانقسامات، بجانب استهداف الحكومة المصرية والاحتلال الإنجليزي للشيوعيين بموجات اعتقال متتابعة؛ دفعا ريمون للتفكير في الرحيل إلى فرنسا بشكل كامل، ودعمت جابرييل زوجها في قرار الهجرة ليعيشا ويبدآن فصلًا جديدًا من حياتهما.

 جابي وريمون في جنوب فرنسا. الصورة: مجلة فانيتي فير الفرنسية

هنا باريس الخمسينات: يسار ومثقفون

انضم ريمون بعد الهجرة للحزب الشيوعي الفرنسي، وانخرط الزوجان معًا في دائرة الكتاب والشعراء والفنانين أمثال لورانس داريل وبيكاسو، وأصبحا جزءًا من تلك الدائرة البوهيمية التي كانت تجتمع في مقاهي منطقة ريڤ جوش بباريس.

أخذت جابرييل مشاهد وانطباعات وطنها معها؛ فمصر كما شبّهتها في حوار لها عام 2012، كانت بمثابة ألوان: "رِمالها هي أجمل رمال رأيتها في حياتي، ذلك اللون البيچ، كملمس الحرير في اليد، أصبح رمزًا لبيت أزياء كلوّي فيما بعد" حسبما شرحت في الحوار.

.. وفلسطين أيضًا

بعد حرب 1948 وإعلان تأسيس إسرائيل؛ تعاون ريمون أجيون وإسماعيل صبري عبد الله، الذي كان يدرس وقتها في باريس، مع الفرنسي ماكسيم رودنسون، الذي سيصبح فيما بعد من أهم علماء الدراسات الشرقية الماركسيين، في نشر مجلة الشرق الأوسط.

هذه المجلة كانت فريدة من نوعها بالنسبة للغرب في تلك الفترة بسبب حديثها عن الفلسطينيين كجماعة وطنية، وليسو لاجئين في حاجة إلى المساعدة الإنسانية. وشارك المفكر والاقتصادي المصري سمير أمين في تحرير المجلة بشكل غير مباشر خلال فترة دراسته في باريس.

يحكي سمير أمين في الجزء الأول من مذكراته عن الصداقة التي نشأت بينه وبين ريمون خلال عملهما معًا في المجلة، قائلا "كان ريمون أيامها يمتلك موارد مالية لا بأس بها، ورثها عن عائلته، وقد أنفق هذه الثروة بالتدريج في دعم القضايا التقدمية الحميدة. لكنَّ مزاياه لم تكن تقتصر على هذا الكرم السياسي، فقد تميز دائمًا بالدقة والألمعية في كل ما كان يقوم به". يضيف أمين "كان أجيون يستقبلنا في شقته الفخمة ذات الدورين في نويي، حيث نتناقش في مواد مجلة الشرق الأوسط بالتفصيل، وإليه يعود الفضل في تميز هذه المجلة".

ينتهي التعاون بين الأربعة في عام 1951 بعودة إسماعيل صبري إلى مصر؛ كما ذكر جوئل بينين في كتابه "شتات اليهود المصريين".

جابي أجيون في شبابها. الصورة: مجلة فوج العربية.

الاستقلال ليس نزوة عابرة

في العام التالي (1952) أفصحت جابرييل لزوجها عن عدم رغبتها في أن تعيش من مصدر دخله، وأن عليها أن تجني مالها الخاص. كانت تشعر بأن هناك شيئًا ما مفقودًا في الأزياء على ساحة الموضة الفرنسية بين الـ أوت كوتور (الأزياء الراقية) والخياطة الرخيصة، فقررت صنع فساتين ذات طابع يجمع الاثنين، مستوحاة من أزيائها الشخصية ذات النمط الكلاسيكي والعملي أيضًا.

كانت جابي ترى أن خروج الفرنسيات إلى العمل، يخلق ضرورة صنع ملابس جاهزة بذوق رفيع تعوضهن عن ملابس الـ أوت كوتور التي تتطلب وقتًا في الذهاب لأخذ المقاسات بجانب الأموال التي عليهن دفعها مقابل ذلك. من ثمّ قامت بشراء قماش من البوبلين القطني، وصنعت منه ستة فساتين فقط.

لدهشة أصدقاءها المثقفين مما تفعله؛ تقول جابرييل في حوارها عام 2012 أن أحد أصدقائها الساخرين قال "أعطوها أسبوعين وسوف تتخلى عن كل هذا"، لكن إيمان جابرييل في ما تفعله كان قويًا، وظلت متمسكة به.

اسم صديقة: تميمة الحظ

استعارت جابرييل اسم صديقتها كلوّي، وانطلقت رحلة بناء الماركة عام 1952 من خلال التعامل مع المحلات التي كانت تتسوق منها جابرييل. ساعتها أراد أصحاب تلك المحال أن تحمل الملابس أسماء محلاتهم، لكن جابرييل نجحت في أن تُبقي اسم ماركتها كما هو. ابتدعت مصطلح "الملابس الجاهزة ذات الطابع الفاخر" الذي أطلقته على أسلوب تصميم ملابسها.

بيعت الفساتين بمجرد عرضها، وفي العام التالي كوّنت جابرييل شراكة مع چاك لورنوار، الذي تولى الجانب التجاري من المشروع، في حين تولت هي الجانب الفني.

عرض أزياء فريد من نوعه

في عام 1956 تحدثت جابرييل مع صاحب "كافيه دو فلور"، الذي كان أحد ملتقيات المثقفين واليساريين من أصدقائها في شارع سان چرمان، عن رغبتها في عرض مجموعة أزيائها في المقهى أثناء الإفطار.

الفكرة كانت فريدة من نوعها آنذاك، فعروض أزياء الخمسينات كانت تتسم بالنمطية إلى حد كبير بصورة تتعارض مع رؤية جابرييل التي أرادت أن تُظهر طابعها الخاص الخالي من التكلف، واختيارها للمكان ساعدها على نقل تلك الرؤية.

 أزياء كلوّى لصيف 1956. الصورة: جي بوردن

استقبلت الصحافة الفرنسية هذا العرض بترحيب شديد. ففي مقابل التصميمات المبهرة لرائدي الموضة كريستيان ديور وكوكو شانيل؛ كانت عروضهما تفتقد هذه الروح الحيوية الحداثية التي بثتها جابرييل؛ تلك الروح التي، حتى يومنا هذا، جعلت من دار أزياء كلّوى رائدة في عالم عروض الموضة الفرنسية والعالمية.

في نفس العام (1956) افتتح ريمون جاليري خاص بالفن الحديث أسماه جاليري أجيون، كان الملتقى المفضّل للفنانين من أصدقائه الشيوعيين والماركسيين أمثال سمير أمين الذي جعله من بين أماكنه المفضلة في باريس. يقول أمين في مذكراته "كان ريمون، وهو لا يميل للتجارة بطبيعته، يشعر بالملل كثيرًا إذا لم يكن لديه في الجاليري أصدقاء من بينهم إيزابل (زوجة أمين) وأنا. أما الزبائن الحقيقيين، الذين سيشترون اللوحات بالفعل، فكان يملّ منهم".

وفي نفس العام أيضًا، أنجب الزوجان ابنهما الوحيد فيليب.

مكان جديد.. وجيل جديد.. وشهرة عالمية

في بدايات كلوّي لم يكن لدى جابرييل مكتبًا شخصيًا. كل شيء كان يحدث في منزلها، في بعض الأحيان كانت غرفة الجلوس مقرًا لخمسة أو ستة من العاملين بالخياطة والتصميم معًا في نفس الوقت. الأمر الذي وصفته جابرييل في حوارها "بالجحيم"، لكنهم كانوا شبابًا مفعمون بالحماس.

في الستينات، أسندت جابرييل مهمة نقل رؤيتها الإبداعية إلى جيل جديد من المصممين الموهوبين، امتاز من بينهم مصمم ألماني شاب يدعى كارل لاجرفيلد الذي ترددت جابرييل في تعيينه بسبب شكوك حول ذوق الألمان كما قالت في حوارها المطول.

 كارل أثناء عمله في كلوّى عام 1964. الصورة: مجلة فوج البريطانية.

أثبت كارل أن ذوق الألمان لا يختلف كثيرًا عن الفرنسيين؛ فهو كان ذكيًا ومثقفًا ومحبًا للفن أيضًا. وأعجبت بمهاراته في العمل، ففي حين كان ينتج المصممون الآخرون تصميمين، كان يجلب لها عشرين تصميمًا في يوم واحد، الأمر الذي جعل منه كبير المصممين في عام 1966.

سبعينات كلوي

تحت إشراف جابرييل وإخراج كارل؛ كانت السبعينات منعطفًا في تاريخ كلوي. حيث بدأت بافتتاح أول محل باسم العلامة الصاعدة في باريس عام 1972، برزت من خلاله الدار على الساحة الفرنسية وانتقلت منها إلى العالمية.

تضمنت قائمة الزبائن مشاهير السينما والمجتمع، من بينهن الممثلة الفرنسية برچيت باردو، وأميرة موناكو جريس كيلي، بجانب چاكلين أوناسيس (كينيدي سابقًا)، وفي عام 1975 أطلقت كلوّي أول عطر يحمل اسمها.

عاد ريمون إلى مصر في زيارة وحيدة عام 1970، ولم تكن له أية علاقة تنظيمية بالحركة الشيوعية المصرية آنذاك، كما ذكر جوئل بينين في كتابه.

.. ويبقى مكان في القلب

خرج كارل من عباءة كلوي عام 1983، ليصبح المدير الفني لبيت أزياء شانيل، لكنه يعود مرة أخرى لمدة خمس سنوات من عام 1992 إلى 1997، عند عودته كانت جابرييل باعت حصتها عام 1985، لكنها ظلت الأم الروحية، وبقيت على صلة وثيقة وطيبة مع بيت الأزياء الذي صنعته على عينها، ورؤسائه التنفيذيين المتعاقبين، وداومت الحضور إلى العروض.

في عام 1997 دعا منير مفرّج رجل الأعمال اللبناني ورئيس كلوّي، وقتها، جابرييل لحضور أول عرض لمصممته ستلا مكارتني. جلست هي في الصفوف الأولى تشاهد مجموعة العرض وبكت.

في قلبها كانت بذرة كلوي، وأمام عينيها بعد هذه السنوات هذه البذرة طارحة.

حصلت جابرييل على وسام جوقة الشرف الوطني عام 2013، وهو أعلى تكريم رسمي في فرنسا نظير ما قدمته لصناعة الأزياء في البلاد.

ظل جابرييل وريمون معًا حتى وفاة ريمون عام 2009، وبعده بخمس سنوات تلحق به جابي في 27 سبتمبر/ أيلول 2014 بمنزلها في باريس عن عمر يناهز 93 عامًا؛ تاركة إرثًا كبيرًا وعلامة مميزة في عالم الأزياء، وفروع حول العالم وحقائب أيقونية وأحذية عصرية وعطور فريدة.