تصميم: يوسف أيمن

امشي من هنا.. وإن شاء الله هايجي لك إيدز: هذا ما يواجهه المثليون في عيادات طبية

يعمل بعض الأطباء وفقًا لمعتقداتهم الدينية أو تقاليدهم الخاصة، بالتعارض مع القسم على حماية خصوصية المريض.

وليد شاب مثلي يعيش بمدينة المنصورة ويدرس بكلية الحقوق. في فبراير 2018 انتقل له مرض الدمامل التناسلية الذي يصيب الرجال المثليين بمنطقة الشرج. ولأنه ينتمي لعائلة ذائعة الصيت، وقد تكشف ميوله المثلية إذا ذهب إلى طبيب بمدينته، سافر إلى القاهرة لتلقي العلاج على يد طبيب أمراض جلدية وتناسلية مشهور.

كان لدى وليد فكرة مُسبقة أن الأطباء في القاهرة قد يتمتعون بقدر أكبر من المهنية، ربما الحياة في العاصمة مختلفة بطريقة أو بأخرى، لكنه شرح للطبيب ما يشكو منه دون ذكر سبب الإصابة احتياطيًا.

"أنت بتمارس الجنس من ورا؟"، وجه الطبيب السؤال لوليد بعد فحصه، فرد؛ "لو تقصد الجنس الشرجي فالإجابة آه"، ويظهر أن الإجابة لم ترق للطبيب، قال "يبقى اللي عندك نتيجة اللي بتعمله، عالعموم أنا هكتبلك علاج تمشي عليه وياريت تتابع مع دكتور غيري".

خرج وليد من عيادة الطبيب محبطًا، خائفًا من تكرار تجربة الذهاب إلى طبيب.

عمرو، شاب آخر مثلي، متعايش منذ نوفمبر 2017 مع فيروس نقص المناعة المُكتسب، في مايو 2018 ذهب إلى طبيب مناعة مع بداية رحلة علاجه، استقبله بوجه مُرحّب بشوش، وبدت مقابلة الطبيب مريحة لعمرو خصوصًا عندما عرف الطبيب بحالته وقال إنه مستعد لمتابعته خلال رحلة العلاج كاملة.

"هو أنت أصبت بالفيروس إزاي؟" سأله الطبيب، فأجاب عمرو "عن طريق علاقة جنسية"، سأل الطبيب "حصل إزاي؟"، فسر عمرو إجابته الأولى "علاقة جنسية شرجية"، "عمرو أنت جاي؟" أجاب عمرو "أيوا". "طيب اتفضل امشي، أنا مش هقدر أساعدك وياريت وأنت خارج تاخد فلوسك" قال الطبيب.

مشروع نهر

هذه الوقائع ضمن وقائع مشابهة التقطتها من أصحابها، بين فبراير/ شباط 2016 حتي ديسمبر/ كانون الأول 2017، أثناء عملي لعامين مسؤول تواصل في مشروع نهر التابع لمنظمة FHI360 والذي يقدم توعية وفحص مجاني آمن للعاملين والعاملات بالجنس التجاري، مدمني ومدمنات المخدرات، والرجال الذين يمارسون الجنس مع الرجال.

وقتها كان الأشخاص يبحثون عن أماكن تقوم بفحص فيروس نقص المناعة، وتكون صديقة لمجتمع الميم أو على الأقل لا تقوم بوصمهم أو تتحيز ضدهم، وارتبطت التوعية بفيروس نقص المناعة في هذا المكان بالتوعية من الأمراض المنقولة جنسيًا وتوفير الدعم النفسي لهم.

"من غير المُنصف أن يكون الشخص الذي يقدم لك يد المساعدة هو نفس الشخص الذي يدير وجهه إليك لمجرد اختلاف بينه وبينك في الميول"، يقول عمرو للمنصة، الأمر بالنسبة له كأن يتوقف الطبيب عن علاجك عندما يعرف أي فريق كرة قدم تُشجع أو إلي أي حزب سياسي تنتمي أو حتى الديانة التي تعتنقها ليقوم بأداء واجبه الذي أقسم عليه. لكن في حالة عمرو اكتشف أن الأطباء يهتمون بما هو أكثر خصوصية وهي من تشارك الفراش.

إذ يعمل بعض الأطباء المصريين وفقًا لمعتقداتهم الدينية أو أفكارهم، هذا بعكس قسم الأطباء على حماية خصوصية المريض. وبعكس العقوبات التي تفرض على الأطباء إذا نكثوا القسم في حالات أخرى، لا يمكن للمريض إذا كان من مجتمع الميم الشكوى كون المثلي مجرم يجب محاسبته بتهم مثل الفسق والفجور في قانون العقوبات.

ﺑﺴﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﺮﺣﻤﻦ ﺍﻟﺮﺣﻴﻢ، ﺃﻗﺴﻢ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ ﺃﻥ ﺃﺭﺍﻗﺐ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﻲ ﻣﻬﻨﺘﻲ، ﻭﺃﻥ ﺃﺻﻮﻥ ﺣﻴﺎﺓ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻓﻲ ﻛﺎﻓﺔ ﺃﺩﻭﺍﺭﻫﺎ، ﻓﻲ ﻛﻞ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﻭﺍﻷﺣﻮﺍﻝ، ﺑﺎﺫﻟًﺎ وساعيًا ﻓﻲ ﺍﺳﺘﻨﻘﺎﺫﻫﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﻭﺍﻟﻤﺮﺽ ﻭﺍﻷﻟﻢ ﻭﺍﻟﻘﻠﻖ، ﻭﺃﻥ ﺃﺣﻔﻆ للناس ﻛﺮﺍﻣﺘﻬﻢ، ﻭﺃﺳﺘﺮ ﻋﻮﺭﺍﺗﻬﻢ، ﻭﺃﻛﺘﻢ ﺳﺮّﻫﻢ، ﻭﺃﻥ ﺃﻛﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺪﻭﺍﻡ ﻣﻦ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺭﺣﻤﺔ ﺍﻟﻠﻪ، ﺑﺎﺫﻟًﺎ ﺭﻋﺎﻳﺘﻲ ﺍﻟﻄﺒﻴﺔ ﻟﻠﻘﺮﻳﺐ ﻭﺍﻟﺒﻌﻴﺪ، ﺍﻟﺼﺎﻟﺢ ﻭﺍﻟﻄﺎﻟﺢ، ﻭﺍﻟﺼﺪﻳﻖ ﻭﺍﻟﻌﺪﻭ، ﻭﺃﻥ ﺃﺛﺎﺑﺮ ﻋﻠﻰ ﻃﻠﺐ ﺍﻟﻌﻠﻢ، ﺃﺳﺨِّﺮﻩ ﻟﻨﻔﻊ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻻ ﻷﺫﺍﻩ، ﻭﺃﻥ ﺃﻭﻗﺮ ﻣﻦ ﻋﻠﻤﻨﻲ، ﻭﺃﻋﻠّﻢ ﻣﻦ ﻳﺼﻐﺮﻧﻲ، ﻭﺃﻛﻮﻥ ﺃﺧًﺎ ﻟﻜﻞ ﺯﻣﻴﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻬﻨﺔ ﺍﻟﻄﺒﻴﺔ ﻓﻲ ﻧﻄﺎﻕ ﺍﻟﺒﺮ ﻭﺍﻟﺘﻘﻮﻯ، ﻭﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﺣﻴﺎﺗﻲ ﻣﺼﺪﺍﻕ ﺇﻳﻤﺎﻧﻲ ﻓﻲ ﺳﺮﻱ ﻭﻋﻼﻧﻴﺘﻲ، ﻧﻘﻴًﺎ ﻣﻤﺎ ﻳﺸﻴﻨﻨﻲ ﺃﻣﺎﻡ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺭﺳﻮﻟﻪ ﻭﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ. ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﺃﻗﻮﻝ ﺷﻬﻴﺪ". نص قسم الأطباء

كانت أهم الجمل التي تجعل الأشخاص يترددون على المكان اعتباره مساحة آمنة بالنسبة لهم، ورغم عدم تقبل بعض عاملين/ات المكان بميول الأشخاص إلا أنهم كانوا يقدمون الخدمة دون إبداء استياء، لأنه كان شرط التوظيف في FHI360، والتي لديها سياسات ضد الوصم ورهاب المثلية.

عندما انتهى المشروع في نهاية 2017 أصبحت أماكن التحاليل التابعة لوزارة الصحة هي الوحيدة التي تقدم فحصًا لفيروس نقص المناعة دون الحاجة لإظهار إثبات الشخصية.

تلاعب بالمشاعر

هذه القصة تدور في قسم 2 بمستشفى الصدر في مدينة المنصورة، حيث يجرى الفحص والمشورة المجانية لطالبي الخدمة، عندما أتم حسن عامه الـ21 ذهب إلى مستشفى المنصورة للقيام بالتحليل الدوري، يعيش في محافظة القاهرة لكنه يدرس بكلية الهندسة جامعة المنصورة.

يحكي حسن "كانت أخصائية المشورة تتمتع بأكبر قدر ممكن من رهاب المثلية، جافة المعاملة، ويصاحب كلامها معي نبرة توبيخ عندما عرفت أنني مثلي الجنس، قالت لي إن "ما أفعله حرام"، ولم تنتبه لردي عندما عبرت لها عن حرية كل شخص في اختيار الممارسات الجنسية التي يُفضلها.

ولكنها فعلت ما هو غير مهني أو أخلاقي تمامًا، أثناء انتظار حسن نتيجة الفحص عن مرض نقص المناعة، تلاعبت بمشاعره، سألته عن توقعاته لنتيجة فحصه، افترض حسن الأسوء وظن إيجابية الفحص وأوشك على الانهيار، قبل أن تخبره سلبية النتيجة وقالت له لو لم تكف عن ما تفعله إن شاء الله هيجيلك إيدز " وأمرته بالانصراف.

فحص إجباري

الأمر لم يتوقف عند تلك المواقف، بل يشارك الأطباء في ممارسات تقوم بها الشرطة ضد أفراد مجتمع الميم، مثل إجراء فحص فيروس نقص المناعة إجباريًا.

وثق تقرير منظمة العفو الدولية الصادر عام 2008 بعنوان "أطباء يتقاعسون عن تحمل مسؤوليتهم الطبية"، مشاركة أطباء مصريين في فحوص فيروس نقص المناعة الإجباري أو الفحص الشرجي الإجباري، وتسليم وثائق خاصة بالمرضى لاستخدامها كدليل إدانة.

يقول التقرير إن الشرطة المصرية قامت بحملة أمنية في عام 2008 ضد المتعايشين مع فيروس نقص المناعة، وشارك في هذه الحملة أطباء سلموا إلى الشرطة أشخاصًا متعايشين، بعد ربطهم في سرير المستشفى، واتهموهم بممارسة الفجور.

الاستمارة من الطبيب إلى القاضي

أفاد التقرير أن مُتلقي الخدمة ملأوا استمارة سبقت إجراء الفحص جاء من ضمن أسئلتها إذا كان الشخص قام بممارسة الجنس مع أشخاص من نفس الجنس، ورغم أن تلك الأنواع من الاستمارات من المعروف ألا يطلع عليها سوى الطبيب أو أخصائي المشورة، إلا أن عند محاكمة هؤلاء الرجال استخدمت استمارة المشورة كدليل ضدهم في المحكمة لإثبات أنهم مارسوا الجنس مع أشخاص من نفس الجنس، وحكم عليهم بأحكام وصلت إلى 3 سنوات، ولم تتطرق المحكمة لمحاكمة الطبيب الذي نكث القسم وأفشى سر المريض.

هذه الانتهاكات ليست جديدة على بعض الأطباء، فقد شارك بعضهم في الماضي بانتهاكات أكبر تسببت في تدمير حياة كثيرين ولم يتجاوزها أصحابها.

.. كشف شرجي

يقوم الكشف الشرجي الإجباري على إدخال إصبع الطبيب أو أداة في شرج المُتهم، منتهكًا حُرمه جسد الشخص الماثل أمامه. هذا الفعل يعد مخالفة لقسم الأطباء الذي ينص جزء منه على "الحفاظ على كرامة الناس، وستر ﻋﻮﺭﺍﺗﻬﻢ، وكتم ﺳﺮّﻫﻢ".

تركت تجربة الفحوص الشرجية في نفوس الأشخاص الذين مورس الأمر عليهم أثرًا لا يذهب مع الوقت "أسوأ لحظتين في حياتي كانتا يوم فحص الطب الشرعي لي، والحُكم علي بعدها بعامين سجن. في أي يوم أتذكر هذا الموضوع يأتيني كابوس يعيد المشهد في ذاكرتي". هذا كان حال أحد الأشخاص الذين تعرضوا للفحوص الشرجية الإجبارية عام 2001، وفقًا لتقرير هيومان رايتس "في زمن التعذيب.. إهدار العدالة في الحملة المصرية ضد السلوك المثلي".

"طلب مني مدير مصلحة الطب الشرعي أن أخلع ملابسك واركع".

- يا ساتر، قال، وكنت قد ركعت على يدي وقدمي وخلعت سروالي مفترضًا أن هذه الوضعية التي أرادها".

- لا، لا، لا، هذا لن ينفع. اخفض صدرك وأرفع مؤخرتك.

قلت له لا أستطيع، وبكيت بشكل هستيري، قال "اخرس، كل شيء واضح ويمكن رؤيته"، وفجأة دخل 6 أطباء وبدأوا فتح أردافي، وضعوا ريشة على فتحة شرجي ودغدغوني بها. لم يكن ذلك كافيًا بالنسبة لهم، بعد الريشة أتت الأصابع وحشروا شيئا بداخلي.

"كنت آمل أن يشعروا بالأسف من كل ذلك البكاء، لكنهم لم يفعلوا، لم يبدو أنهم شعروا بأي شيء.

"لماذا لم تبك عندما وضع الرجال أشيائهم فيك؟"، قال فخري المدير وكنت أريد البصق في وجهه وقتها لكنني كنت ضعيفًا.

هذه ليست الحالة الوحيدة التي تعرضت لمثل هذا الفحص المُهين، وإنما تعرض الكثيرين لمثل هذه الفحوصات و كان الأطباء يعاملونهم بمهانة عن عمد.

في 2002 اعتقل محمد، عن طريق أحد مصائد الشرطة لإيقاع المثليين عن طريق الإنترنت، كان عمره 17 عاماً ولم يمارس الجنس في حياته، أجري فحص بصري عليه وجاءت نتيجة الفحص إيجابية، حكم على محمد بثلاث سنوات بسبب نتيجة الفحص الشرجي الذي قام به الطبيب.

كل ما ذكر سابقًا حدث في سنوات ما قبل ثورة 2011، كان هناك دائمًا ظن أن الوضع سيتغير إلى حال أفضل منذ بداية الثورة، ولكن لم يحدث ذلك.

طبقًا لتقرير "الدوس على الكرامة أو الفحوص الشرجية القسرية في مقاضاة المثلية الجنسية، الصادر في 2016، جاءت مصر ضمن 8 بلدان انتهك الأطباء كرامة أفرادًا فيها عن الفحص الشرجي.

في 2015 حاور موقع Buzzfeed نائب مدير الطب الشرعي في وزارة العدل، آنذاك، ماجد لويس، تحدث لويس وقتها عن الفحوص الشرجية ورأى أن أطباء الطب الشرعي يمكنهم من خلال هذا الفحص معرفة إذا قام الشخص بممارسة الجنس الشرجي لفترات طويلة أو لا.

رفض تقديم العلاج في حماية القانون

أثناء عملي في منظمة... سألت إذ أمكن التقدم بشكوي إلى نقابة الأطباء إذا رفض الطبيب تقديم الخدمة الطبية المطلوبة أو تقاعس عنها، فكانت الإجابة من أطباء أن أي شخص يمكنه تقديم شكوى ولكن سيكون عليه تقديم ما يُثبت إدعائه في أي صورة من الصور.

هذا في بعض الأحيان أمر غير منطقي، فإذا تمكن الشخص من إثبات إدعائه، يوجد في القانون مادة فضفاضة نوعاً ما في لائحة آداب المهنة رقم 238 لسنة 2003 الباب الثاني: واجبات الطبيب نحو المرضى مادة 24 والتي نصها "في الحالات غير العاجلة يجوز للطبيب الاعتذار عن علاج أي مريض ابتداءً أو في أي مرحلة لأسباب شخصية أو متعلقة بالمهنة، أما في الحالات العاجلة فلا يجوز للطبيب الاعتذار".

يعني ذلك أن القانون يُعطي الحق للطبيب في عدم علاج شخص ما لأسباب الطبيب الشخصية، إذا في حالة تقدم شكوي في طبيب لعدم علاج المريض، سيكون مخرج الطبيب أن الحالة ليست عاجلة لهذا اعتذر عنها لأسباب شخصية، أو قد يلجأ الطبيب إلي حجة نقص عوامل الأمان مما دفعه أيضًا إلى الاعتذار وبهذا سيقوم مقدم الشكوي بالوقوع في دائرة مُفرغة بين الطبيب والنقابة.

أخيرًا، من الأمور التي قد تدفع الشخص للتراجع عن تقديم شكوى أن يكون مضطرًا لإبداء سبب رفض الطبيب لعلاجه، في تلك الحالة ستضعه الميول الجنسية في خانة المجرم أمام القانون.


اقرأ أيضًا: مُراد وندى وسلمى: مثليون لكنهم من نفس الكوكب


* غيّرنا أسماء الأشخاص التي وردت قصصهم في المقال احترامًا لخصوصيتهم.