من حفل تسليم لفائف التوراة عام 2010. الصورة: الجيش الإسرائيلي- فليكر

إعادة اختراع العالم بالـ دي إن إيه: الحق التاريخي لإسرائيل في أرض فلسطين

تصر ثقافتنا السياسية على النظر لليهود على أنهم الأحفاد المباشرين للعبرانيين القدامى. ولكن اليهود لم يوجدوا أبدًا كشعب، وبصفة أقل كأمة.

ترجمة لمقال المؤرخ وأستاذ التاريخ غير المتفرغ بجامعة تل أبيب شلومو ساند، منشور في صحيفة هآريتز العبرية.


تمتعني تذبذبات تشيم جانز، حتى وإن لم أفهمها دائما. فأنا أقدر كثيرًا نزاهته الفكرية، حتى وإن كان في بعض اﻷوقات، ربما مثل الجميع، يحاول حل التناقضات بطروحات بائسة.

ولكن، قبل الدخول في صلب الموضوع، ينبغي أن أتوقف أمام غلطة مزعجة، أنا واثق أنها في النهاية ليست خادعة عمدًا ولكنها مجرد حماقة، فيما يتعلق بكتاباتي. ففي مقاله "من الصهيونية المتطرفة إلى صهيونية المساواة" (9 نوفمبر 2018)، يكتب جانز، "ﻷنه بحسب (شلومو) ساند، ليس ثمة استمرارية چينية بين اليهود القدامى واليهود المحدثين، وهذا يؤدي إلى أن تكون القومية اليهودية التي ولدتها الصهيونية هي مصطنعة بالكامل، وهي قومية خلقت من لا شيء".

إذا كان افتراضي أن جانز قد قرأ كتبي بشكل صحيح، فيبدو أنه قد قرأها بسرعة أكثر من اللازم وبشكل محرّف. فمنذ نشر كتابي اﻷول "اختراع الشعب اليهودي" قبل عقد من الزمن، حاولت تأكيد أنه ليس فقط اليهود الذين لا يملكون دي إن إيه DNA مشترك؛ بل ولا أي من المجموعات الإنسانية اﻷخرى التي تدعي كونها شعوبًا أو أممًا.

إلى جانب ذلك لم أعتقد مطلقا أن علم الچينات يمكن أن يُسبغ حقوقًا قومية. فعلى سبيل المثال، ليس الفرنسيون الحاليون هم الأحفاد المباشرون للـ غال (سكان المنطقة التي تكوّن فرنسا وأجزاء من إيطاليا وبلچيكا الآن)، تماما كما أن اﻷلمان ليسوا سلالة التيوتون أو اﻵريين القدامى، حتى إذا كان كثير من الحمقى، حتى قبل أكثر من نصف قرن، قد آمنوا بذلك فعلًا.

ملصق لفيلم مصري في إحدى سينمات يافا الفلسطينية. الصورة: مؤسسة "خزائن" لحفظ الأرشيف اليومي الفلسطيني

الصفة الوحيدة التي تملكها الشعوب بشكل مشترك هي أنها اختراعات لاحقة بلا أية "صفات" جينية مميزة. والمشكلة الحادة التي تحيرني بصدق هي أنني أعيش في ثقافة سياسية وتربوية أحادية تستمر بإصرار على النظر لليهود باعتبارهم الأحفاد المباشرون للعبرانيين القدامى.

إذا ما سعينا إلى تنظيم العالم كما كان قبل 2000 سنة، فسوف نحوله إلى بيت مجانين. فلماذا لا نعيد الأمريكيين اﻷصليين إلى مانهاتن على سبيل المثال، أو نعيد العرب إلى أسبانيا والصرب إلى كوسوفو؟

الأسطورة المؤسسة للصهيونية، والتي تستمر في خط غير منقطع من ماكس نوردو وأثر روبين إلى علماء الجينات المثيرين للإزعاج في عديد من الجامعات اﻹسرائيلية، في جامعة يشيفا في نيويورك، تعمل كرابط أيديولوجي رئيسي للوحدة الأبدية للأمة، واليوم أكثر من أي وقت مضى. التبرير للاستيطان/الاستعمار الصهيوني (اختر أي مصطلح تفضله فهما يعنيان الشيء نفسه) هو مبدأ فكري يعبر عنه إعلان إنشاء الدول، نصًا "لقد كنا هنا، وتم اقتلاعنا، وقد عدنا".

بصراحة تامة، حتى عندما اعتقدت خطأً أن "الشعب اليهودي" قد نفاه الرومان في عام 70 أو 132 بعد الميلاد، لم أعتقد أن هذا يسبغ على اليهود نوعا من "الحق التاريخي" المتخيل في اﻷراضي المقدسة. فإذا ما سعينا إلى تنظيم العالم كما كان قبل 2000 سنة، فسوف نحوله إلى بيت مجانين. فلماذا لا نعيد الأمريكيين اﻷصليين إلى مانهاتن على سبيل المثال، أو نعيد العرب إلى أسبانيا والصرب إلى كوسوفو؟ وبالطبع، مثل هذا المنطق الملتوي "للحق التاريخي" سيلزمنا أيضا بدعم استيطان/استعمار الخليل وأريحا وبيت لحم.

عندما تابعت بحثي، أدركت أن الخروج من مصر لم يحدث مطلقًا وأن سكان مملكة يهودا لم ينفهم الرومان. فليس ثمة دراسة واحد لمؤرخ متخصص في العصور القديمة يورد "النفي"، أو أية دراسة تأريخية تعيد إنشاء هجرة جماعة من المنطقة.

إن "النفي" حدث مؤسس لم يحدث مطلقا، وإلا كان موضوعًا لعشرات الدراسات البحثية. مزارعو مملكة يهودا الذين شكلوا الغالبية المطلقة للسكان في القرن الأول الميلادي، لم يكونوا ملّاحين مثل الإغريق أو الفينيقيين، ولم ينتشروا عبر العالم. لقد كان التوحيد اليهوذاتي، الذي أصبح منذ العهد الحشموني (سلالة حاكمة في مملكة يهودا) دينًا ديناميكيا منخرطًا في التبشير، هو ما أرسى القواعد لوجود اليهود منذ القدم حول العالم.

وهنا حيث ننفذ إلى قلب طروحات جانز، هذا الخبير القانوني والمنظّر السياسي المتميز، ليس مستعدًا لقبول التبريرات المعتادة للاستيطان ولفهم الصهيونية منذ نهاية القرن التاسع عشر لملكية اﻷرض. هو على وعي كامل بأن مثل هذه الفرضيات الشعبية ستلزمه بتبرير استمرار مشروع الاستيطان الحالي، وربما أيضًا بأن ينكر حقوق السكان اﻷصليين الذين لا يزالون باقين في "أرض إسرائيل".

جانز حتى يعلم أنه لم يكن ثمة أمة يهودية في الواقع على اﻹطلاق، وذلك سبب لجوئه للصورة الحرفية "لوصف مختصر"، وهو مصطلح مدهش وأصيل في السياق القومي، مؤسس بالكامل على الجهل. بالنسبة له وحتى يفهم ما عناه كليرمونت- تونير في خطابه الشهير (وهو شخص وجهت خطابي إليه في مقال بالنسخة العبرية من هآريتز في أغسطس 2018)، فإن تصفح ويكيبيديا قد يكفيه. وحينها كان سيعلم مباشرة أن الليبرالي الفرنسي كان يشير بكلمة "أمة" إلى مجتمع ديني مغلق ومنعزل. ألا يرى اليهود أنفسهم، في المقابل، كشعب أو أمة وفق الاستعمال الحديث لهذه المصطلحات؟

حتى العصر الحديث، استخدمت مصطلحات "شعب" أو "أمة" بمعان مختلفة. في الكتاب المقدس، ينزل موسى إلى الشعب ويتحدث إليهم مباشرة (دون مكبر صوت، صحيفة، تليفزيون، أو تويتر). والشعب أيضا يتجمع للترحيب بيوشع وتهنئته على انتصاراته.

لكن يهوديًا من كييڤ لا يمكنه محاورة يهودي من مراكش، ولم يغن أغنيات اليهود اليمنيين ولا هو أكل نفس الطعام مثل مجتمعات الفلاشا مورا، أو بيتا إسرائيل في إثيوبيا.

في العصور الوسطى رأى المسيحيون أنفسهم "شعب الله"، وهو مصطلح واسع الاستخدام لقرون.

في زماننا، يطبق مصطلحا "شعب" أو "أمة" بطريقة مختلفة، وإن لم يكن ذلك دائما بدقة. "فالشعب"، بصفة عامة، هو مجتمع إنساني يعيش داخل إقليم محدد، ويتحدث أفراده لغة مشتركة وله ثقافة مدنية لها نفس اﻷسس أو لها أسس متشابهة.

"اﻷمة"، على الجانب اﻵخر، مصطلح يطبق حاليًا بصفة عامة على شعب يدعى السيادة على نفسه أو قد حقق هذه السيادة بالفعل.

لا أعتقد أن الشعوب قد وجدت قبل العصر الحديث هذه اﻹمكانية التي كان سينفيها مستوى الاتصالات الذي كانوا يملكونه. كان ثمة عشائر كبيرة، قبائل، ممالك قوية، إمارات كبيرة، مجتمعات دينية، ومجموعات أخرى بصور متنوعة من الروابط السياسية والاجتماعية، عادة ما كانت غير وثيقة. وفي عصر كان فيه قلة من الناس يمكنهم القراءة والكتابة، وكان لكل قرية لهجة مختلفة والمعجم هزيل بشكل مريع، من الصعب الحديث عن شعب له وعي مشترك. ولم تشكل أقليات المثقفين المتعلمين أمما بعد، حتى وإن خلقت أحيانا هذا الانطباع.

إنني لا أفهم لماذا ينبغي أن تدعى كل القطط قططًا وكل الكلاب، كلابًا، فيما ينبغي لقطة واحدة أن تُدعى كلبًا. اليهود، مثل المسيحيين، المسلمين، أو أتباع العقيدة البهائية، يتشاركون إيمانا قويا بالله إلى جانب ممارسات دينية متنوعة ومتصلة ببعضها بقوة. ولكن يهوديًا من كييڤ لا يمكنه محاورة يهودي من مراكش، ولم يغن أغنيات اليهود اليمنيين ولا هو أكل نفس الطعام مثل مجتمعات الفلاشا مورا، أو بيتا إسرائيل في إثيوبيا.

إن مجمل نسيج الحياة المدنية اليومية كان مختلفا بالكامل في كل مجتمع من هذه. وبالتبعية، فحتى اليوم، وهذا هو الصحيح، الطريقة الوحيدة للالتحاق بـ "الشعب اليهودي" هو من خلال تحول ديني.

من معرض لضحايا الهولوكوست في سان فرانسيسكو. الصورة: إد بيرمان- فليكر

رأى أعضاء اتحادات العمال اليهودية أنفسهم في الواقع، وبشكل صحيح تماما، كشعب يديشي (لغة يهود أوروبا) في حاجة إلى استقلال ذاتي ثقافي-لغوي، ولكنهم رفضوا بشكل مباشر فكرة الهجرة إلى فلسطين كجزء من مشروع ﻷمة يهودية عبر العالم.

المسيحيون في المقابل رأوا اليهود باعتبارهم أعضاء عقيدة حقيرة تعبد المال. وتصور المسلمون أن هؤلاء مؤمنون بديانة أدنى. ومع بدء التقدم في العصر الحديث، بدأ كثير من اﻷوروبيين في معاملتهم كعرق نجس. وسعت معاداة السامية بقوة لقولبة اليهود كشعب-عرق أجنبي له دماء مختلفة (لم يكن الـ دي إن إيه قد اكتشف بعد).

ولكن كيف كانت بحق صورتهم الذاتية؟ كمنتج واضح لمنظومة التعليم الصهيونية، يخبرنا تشيم جانز أنهم رأوا أنفسهم كأمة حلمت بالوصول إلى "أرض إسرائيل". ولن أقترح أن على جانز أن يقرأ لمؤلفين يهود بامتياز مثل هيمان كوهين أو فرانز روزنزفايج والذين رفضوا الهجرة إلى "الأراضي المقدسة". فأنا على ثقة من أنه لن يكون لديه الوقت لذلك. وسأطلب منه فقط أن يقرأ تاريخًا قصيرًا هو أكثر موثوقية بقليل.

حتى الحرب العالمية الثانية، كانت الغالبية الساحقة من اليهود الشرقيين والغربيين، والتقليديين الأرثوذكس، والمحافظين، واﻹصلاحيين، والشيوعيين وأعضاء اتحادات العمال اليهودية، معادين للصهيونية. لم يكونوا يرغبون في السيادة على أنفسهم في إطار دولة قومية في الشرق اﻷوسط. وقد رأى أعضاء اتحادات العمال اليهودية أنفسهم في الواقع، وبشكل صحيح تماما، كشعب يديشي (لغة يهود أوروبا) في حاجة إلى استقلال ذاتي ثقافي-لغوي، ولكنهم رفضوا بشكل مباشر فكرة الهجرة إلى فلسطين كجزء من مشروع ﻷمة يهودية عبر العالم.

بالنسبة ﻷوروبا بعد مشاركتها في المذبحة الجماعية لليهود، كان من الملائم أن تتخلص من بقايا سكان أصليين لما يشاركوا في القتل المروع، ومن ثم فقد خلقت مأساة جديدة، وإن كانت بقياس مختلف تماما.

وهنا نصل إلى المحاولة اليائسة اﻷخيرة لتبرير المشروع الصهيوني بشكل لاحق: الصهيونية كاستجابة لموقف طارئ. فالتاريخ لسوء الحظ كان أكثر تراجيدية. وقد فشلت الصهيونية بوضوح في إنقاذ يهود أوروبا ولا كان بمقدورها إنقاذهم.

بداية من عام 1882 وحتى عام 1924، تدفق اليهود بحشودهم، حوالي 2.5 مليون، إلى قارة أمريكا الشمالية الموعودة. ونعم لولا قانون جونسون-ريد العنصري للهجرة الذي منع الهجرة المستمرة، فإن مليونًا أو ربما مليونيين آخرين من اﻷرواح كانت قد أنقذت.

مرة أخرى، بصراحة تامة: لقد ولدت بعد الحرب [العالمية الثانية] في معسكر مهجرين في النمسا. وخلال عاميّ اﻷولين عشت مع والدي في معسكر آخر، في بافاريا. والداي اللذان فقدا آبائهما في التصفية العرقية النازية، أرادا الفرار إلى فرنسا، أو كبديل، الهجرة إلى الولايات المتحدة. ولكن كل الأبواب كانت مغلقة، فأرغما على الذهاب إلى البلد الناشئ إسرائيل، المكان الوحيد الذي وافق على قبولهما. والحقيقة أنه بالنسبة ﻷوروبا، بعد مشاركتها في المذبحة الجماعية لليهود، كان من الملائم أن تتخلص من بقايا سكان أصليين لما يشاركوا في القتل المروع، ومن ثم فقد خلقت مأساة جديدة، وإن كانت بقياس مختلف تماما.

ليس تشيم جانز مرتاحا لهذه الرواية التاريخية، خاصة في الوقت الذي يستمر فيه قمع السكان اﻷصليين (الفلسطينيين) وسرقة أراضيهم حتى اﻵن. فالصهيونية التي نجحت في تشكيل أمة جديدة، ليست مستعدة للاعتراف بخلقها السياسي- الثقافي- اللغوي، ولا حتى الحقوق القومية التي أسبغتها هذه العملية عليها. ولكن جانز، محقّ في نهاية المطاف. فمن مائير كاهانا (حاخام إسرائيلي عنصري) إلى ميريتس (حزب يساري)؛ يستمر كل الصهاينة في رؤية الدولة التي نعيش فيها لا كجمهورية ديموقراطية تنتمى إلى كل مواطنيها اﻹسرائيليين، الذين يملكون بالتأكيد الحق في تقرير المصير ذاتيا، ولكن ككيان سياسي ينتمي إلى يهود العالم، الذين مثل أسلافهم لا رغبة لديهم في القدوم هنا ولا هم يعرّفون أنفسهم كإسرائيليين.

ما يبقى لي إذًا هو أن استمر في كوني "لا-صهيوني" أو "ما بعد-صهيوني" بينما أقوم بما أستطيع للمساعدة في إنقاذ المكان الذي أعيش فيه من عنصرية تشتد باستمرار، ﻷسباب منها، تدريس ماضٍ تاريخي زائف، والخوف من الاندماج مع اﻵخر، والنفور من الثقافة المحلية، … إلخ. ﻷنه كما كتب الشاعر التركي ناظم حكمت، "إذا لم احترق/ إذا لم تحترق/ … إذا لم نحترق/ كيف يمكن للنور/ … أن يهزم الظلمة؟"