سلطان عمان قابوس بن سعيد يستقبل في مسقط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

من السر إلى العلن: محطات التطبيع العربي مع إسرائيل

بعيدًا عن العلاقات الدبلوماسية السياسية، فلدينا أكثر من دولة عربية كان لديها تمثيلًا دبلوماسيًا من نوع آخر، على المستوى الاقتصادي من خلال افتتاح متبادل لمكاتب تجارية.

زيارة رسمية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى سلطنة عمان، وأخرى لوزير الاتصالات الإسرائيلي يعقوب قرا لأبو ظبي، تزامنا مع حضور وزيرة الرياضة الإسرائيلية ميري ريجيف وعزف نشيد الدولة العبرية لأول في الإمارات خلال بطولة رياضية عالمية، ومشاركة لمروحيات الجيش الإسرائيلي في إنقاذ ضحايا سيول البحر الميت بالأردن.

أحداث تدافعت في أقل من أسبوع واحد، شكلت تحولًا في العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل، حيث نقلتها من مرحلة "الزيارات السريّة والتطبيع المستتر" إلى العلانية، والمشاركة في المحافل الدولية على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الرياضي.

العلاقات بين العرب وإسرائيل لم تتخذ الطابع الرسمي والعلني بين ليلة وضحاها، ولكنها مرت بعدة مراحل، وتطورت عبر العديد من المحطات، التي نستعرضها في هذا التقرير.


محطات التطبيع العربي - الإسرائيلي

بداية العلاقات الرسمية بين دولة عربية وإسرائيل، جاءت على يد أكبر رأس في الوطن العربي، عندما وقعت مصر "معاهدة السلام" في عام 1979، والتي تتلخص فيما جاء بالمادة الثالثة من الاتفاقية "يتفق الطرفان على أن العلاقات الطبيعية التي ستقام بينهما ستتضمن الاعتراف الكامل والعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية وإنهاء المقاطعة الاقتصادية والحواجز ذات الطابع التمييزي المفروضة ضد حرية انتقال الأفراد والسلع".

رغم ما لاقته هذه الاتفاقية من رفض عربي واسع على المستويين الرسمي والشعبي، وصل إلى حد المقاطعة الرسمية لمصر وتعليق عضويتها بالجامعة العربية، إلا أنها "كانت فاتحة لمسيرة التطبيع العربي مع إسرائيل والاتجاه نحو مسار التفاوض المسبوق بالاعتراف بها والمتبوع بإقامة علاقات متنوعة معها"، بحسب ما ذكرته دراسة لمركز الحضارة للدراسات والبحوث.

تعرف الدراسة التي تحمل عنوان "التطبيع والمقاومة عبر مائة عام من وعد بلفور"، كلمة التطبيع في المجال السياسي، بأنه "إعادة العلاقات بين دولتين بعد فترة من قطعها، بمعنى إقامة علاقات طبيعية بين دولتين أو أكثر"، وتقسم العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل إلى أربعة أنواع؛ التطبيع السياسي، والاقتصادي، والأمني، والثقافي.

بعد اعتراف مصر الكامل بإسرائيل، جاءت ثاني الخطوات، من خلال توقيع منظمة التحرير الفلسطينية لاتفاقية أوسلو في 1993، والتي نصت على أن تعترف إسرائيل بالمنظمة كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، مقابل اعتراف الأخيرة بالدولة العبرية على 78% من الأراضي الفلسطينية.

في العام التالي، وقعت الأردن على معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية، أو ما تعرف بمعاهدة وادي عربة، والتي تضمنت اعتراف كلا الطرفين بسيادة الآخر، وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة، وتوزيع مياه نهر الأردن وأحواض وادي عربة الجوفية بشكل عادل بين البلدين، بالإضافة لإعطاء ثلاثة أرباع نهر اليرموك للمملكة الهاشمية.

الآن هناك ثلاث دول عربية تعترف اعترافًا كاملًا بإسرائيل، هي مصر والأردن وموريتانيا التي اعترفت بها في 1999، إلا أن نواكشوط قررت تعليق العلاقات الدبلوماسية مع تل أبيب، عقب الحرب على قطاع غزة عام 2009، قبل أن تقرر قطعها نهائيًا في مارس/ آذار 2010.

وبعيدًا عن العلاقات الدبلوماسية السياسية، فلدينا أكثر من دولة عربية كان لديها تمثيلًا دبلوماسيًا من نوع آخر، على المستوى الاقتصادي من خلال افتتاح متبادل لمكاتب تجارية، حيث تشير دراسة لعزيز حيدر عن العلاقات الاقتصادية بين الدول العربية وإسرائيل، والمنشورة بمجلة شؤون فلسطينية عام 2012، أنه في عام 2006 كان لدى إسرائيل علاقات تجارية مع 11 دولة عربية، بمجمل صادرات بلغ 410 ملايين دولار، وارتفعت لـ 463.5 مليون دولار في 2008.

وتوثق دراسة أخرى للباحثة براءة درزي، منشورة في مؤسسة القدس الدولية، محطات التطبيع العربي مع إسرائيل، وما قامت به كل دولة، من خطوات رسمية، تمثل في افتتاح مكاتب بين العواصم العربية وتل أبيب.

قطر

في عام 1995 أعلنت قطر عن عزمها افتتاح مكتب تجاري لإسرائيل في الدوحة، وهو المكتب الذي افتتحه بالفعل في العام التالي رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك شيمون بيريز، ولكنه أغلق بشكلٍ نهائي في فبراير/ شباط 2009، احتجاجًا على الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

إغلاق المكتب التجاري الإسرائيلي لم يعنٍ إنهاء التواصل بين البلدين، فاستمر تبادل الزيارات بين البلدين، من بين ذلك زيارة وزيرة خارجية إسرائيل تسيبي ليفني إلى الدوحة في أبريل 2008 للمشاركة في مؤتمر حول الديمقراطية، وكذلك استضافت قطر أرئيل مرجليت، العضو السابق في الكنيست الإسرائيلي، في مؤتمر اقتصادي بعنوان "إثراء المستقبل الاقتصادي في الشرق الأوسط"، الذي عقد في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي.

سلطنة عمان

في يناير/ كانون الثاني 1996، وقّعت سلطنة عمان مع إسرائيل اتفاقية لتبادل افتتاح مكاتب تمثيلية في البلدين، تهدف لتطوير العلاقات المتبادلة بين الجانبين على المستوى الاقتصادي والتجاري، والتعاون في مجالات الماء والزراعة والدواء والاتصالات، وافتتح بيريز المكتب في عُمان بالتزامن مع افتتاح مثيله في قطر.

هذا المكتب أغلق بعد ذلك بأربع سنوات، عقب اندلاع أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية في أكتوبر/ تشرين الأول لعام 2000، وكذلك أعلنت مسقط عن إغلاق مكتبها التجاري في تل أبيب.

الإمارات

في نوفمبر 2015، أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية افتتاح ممثلية دبلوماسية لتل أبيب لدى وكالة الأمم المتحدة للطاقة المتجددة "إيرينا" التي تتخذ من أبو ظبي مقرا لها، في الوقت الذي أكدت فيه وزارة الخارجية الإماراتية أن أي اتفاقيات بين إسرائيل والوكالة لا تمثل أي تغيير من موقف الإمارات وعلاقاتها بإسرائيل، حيث لا توجد أي علاقات دبلوماسية بين البلدين.

ورغم النفي الدائم للإمارات لوجود أي علاقات دبلوماسية بينها وبين تل أبيب، إلا أن العلاقات التجارية والاقتصادية موجودة وبقوة، حيث ذكرت إحدى الدراسات أن منظمة مدراء الاقتناء واللوجستية في إسرائيل، كشفت عن أرقام الصادرات الصناعية بين الدول العربية وتل أبيب في 2008، وكانت الإمارات أكثر الدول بعد مصر والأردن بـ 25.5 مليون دولار، يليها المغرب بـ 17.2 مليون دولار، مضيفة أن هذه الأرقام لم تتضمن صادرات المجوهرات الإسرائيلية، التي بلغت لسوق دبي فقط 200 مليون دولار.

وزيرة الثقافة والرياضة الإسرائيلية ميري ريجيف تصافح محمد بن ثألوب الدريعي رئيس اتحاد الإمارات للمصارعة الجودو بعد فوز لاعب إسرائيلي بالميدالية البرونزية خلال بطولة جراند سلام للجودو في أبو ظبي، الإمارات العربية المتحدة، السبت، 27 أكتوبر 2018.

المغرب وتونس

في عام 1994، أعلنت المغرب عن افتتاح مكتب اتصال إسرائيلي في العاصمة الرباط، ومثله في تل أبيب، حيث يقوم المكتبان بمهام تجارية بالأساس، قبل أن يغلق عام 2000، احتجاجًا على الممارسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين خلال أحداث الانتفاضة الثانية.

الأمر نفسه حدث مع جارتها تونس بعد عامين، حيث تم افتتاح مكتب للمصالح الإسرائيلية في العاصمة التونسية، وآخر للمصالح التونسية في تل أبيب، قبل أن تعلن وزارة الخارجية التونسية عن قطع العلاقات مع إسرائيل، وإغلاق مكتبي المصالح في أكتوبر 2000.

المبادرة العربية للسلام

في القمة العربية ببيروت مارس 2002، أطلق العاهل السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز المبادرة العربية للسلام، والتي جاء في بنودها أنه مقابل الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي المحتلة، حتى خط 4 يونيو 1967، وقبول قيام الدولة الفلسطينية في الضفة وقطاع غزة، وعاصمتها القدس الشرقية، ستعتبر الدول العربية والإسلامية أن الصراع العربي الإسرائيلي بات منتهيًا، وستقيم علاقات طبيعية مع إسرائيل في إطار هذا السلام الشامل، لتعتبر هذه المبادرة هي الأولى من نوعها التي تدعو بشكل علني للتطبيع مع تل أبيب، ولكن بشروط.

قالت دراسة نشرها معهد أبحاث الأمن القومي بجامعة تل أبيب في يوليو الماضي، أن التطورات التي شهدتها المنطقة خلال العقد الأخير غيرت أولويات الدول العربية "المعتدلة"، ونظرتها إلى إسرائيل، حيث باتت تنظر إليها كشريك لمواجهة التحديات الإقليمية المتزايدة، والمتمثلة في صعود النفوذ الإيراني، والجماعات الإسلامية المسلحة، بالإضافة لزيادة الاضطرابات الداخلية في الدول العربية.

وأضافت الدراسة التي شارك في إعدادها رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق موشيه يعلون، أن هذه التحديات أدت لتراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية، لصالح الاعتراف بوجود مصالح استراتيجية مشتركة مع تل أبيب، وصلت إلى حد تصريح غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي في حوار لموقع إيلاف السعودي، أنهم "مستعدون للمشاركة في المعلومات الأمنية والاستخباراتية، وأن هناك الكثير من المصالح المشتركة بيننا وبينهم".

الوضع العربي ضعيف

"نحن في أسوأ فترة تمر بها المنطقة العربية"، هكذا وصف سمير غطاس الباحث السياسي وعضو مجلس النواب المصري، الوضع العربي الحالي في تصريحات خاصة، مؤكدًا أن ما تتعرض له الدول العربية من خضوع تام للمشروع الأمريكي من خلال ابتزاز مالي وسياسي قوي، ومشاكل داخلية، أصبح أكبر من اهتمامها بالقضية الفلسطينية.

وأضاف غطاس أن الأمر الآن اختلف عما قدمته المبادرة العربية من شرط حل القضية الفلسطينية قبل التطبيع، فالسياسة الإسرائيلية تعمل على أن يكون التطبيع شرطًا أساسيًا قبل التوصل لاتفاق، لذلك فـ "إسرائيل تحصل على التطبيع العربي مجانًا، دون حتى أن تقوم الدول العربية برفع تكلفة القيام بهذا التطبيع"، على حد قوله.

وتابع غطاس أن الأنظمة العربية لم تعد تعبأ بالغضب الشعبي حيال القيام بعلاقات مع الطرف الإسرائيلي، مما دفع للخروج بهذه الزيارات من صفة السرية إلى صفة العلانية، خاصة مع غياب وجود أحزاب أو معارضة سياسية قوية داخل الدول العربية، تواجه قيام مثل هذه العلاقات، التي لا تفيد من وجهة نظره القضية الفلسطينية على الإطلاق.

واتفق سعيد اللاوندي، الخبير بالعلاقات الدولية والباحث بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، على أن الدول العربية الآن في أضعف حالاتها، مؤكدًا في تصريحات خاصة، أن إسرائيل حريصة على تطبيع علاقتها مع الدول العربية، وبعض هذه الدول لديها استعداد لتبادل هذا التطبيع.

ويعتقد اللاوندي أن زيارة نتنياهو الأخيرة لسلطنة عمان، تهدف إلى كسب عدد كبير من الأصدقاء فرادى وليس مجتمعين، فهناك زيارات أكثر تحدث في السر لمسئولين إسرائيليين بالدول الخليجية.

وأضاف أن مشاكل فلسطين لم تعد تحظى بنفس القدر من الاهتمام العربي، حيث أصبحت توجد قضايا أهم للدول العربية، مثل الأزمة السورية واليمنية والليبية.، متابعًا "ما كان شائنًا في المراحل السابقة لم يعد هكذا في هذه الأيام. إقامة هذه العلاقات تسفيد بها إسرائيل في الأساس، وهذا هو التوجه الإسرائيلي منذ عهد شيمون بيريز، الذي قال إنه يريد من العرب أن يستخدموا العقل الإسرائيلي والمال الخليجي والأيدي العاملة المصرية الرخيصة".