اﻷنبا أبيفانيوس- صورة أرشيفية

على خُطى متى المسكين.. من اﻷنبا مقار إلى باب السماء

خلال تلك الفترة، كان الراهب أبيفانيوس مسؤولاً عن مكتبة المخطوطات الخاصة بالدير، ما أتاح له العمل في مجال الترجمة والبحث الديني الذي نتج عنه مؤلفات عديدة.

أقامت الكنيسة الأرثوذكسية، اليوم الثلاثاء، قُدّاس الجنازة على جثمان الأنبا أبيفانيوس، رئيس دير القديس مقاريوس (الأنبا مقار) بوادي النطرون، الذي عُثِرَ على جُثمانه داخل الدير في ساعة مُبكرة من صباح اﻷحد الماضي، غارقًا في الدماء ومُصاب بجروح وكسور في الجُمجمة.

وأثار خبر العثور على جُثمان الأسقف جدلاً واسعًا، إذ رجّح البعض مقتله بعد تواتر أنباء عن الحالة التي وُجد فيها جُثمانه، حتّى أعلنت الكنيسة في بيان رسمي، أن القضية صارت في يد "الجهات الرسمية" التي بدأت تحقيقاتها "نظرًا لأن غموضًا أحاط بظروف وملابسات رحيله"، في إشارة إلى الأسقف الذي ترأس الدير المعروف بأبي مقار على مدار خمسة أعوام، عُرف فيها كواحد من أبناء تيار التجديد الذي بدأه في العصر الحديث الأب متّى المسكين.

في كنف اﻷنبا مقار

كان الأنبا ميخائيل مطران أسيوط يصارع المرض، حين طلب من البابا تواضروس إعفائه من مهام الإشراف على دير الأنبا مقار؛ فأجرى البابا استفتاءً بين كهنة الدير انتهى إلى اختيار الأنبا أبيفانيوس، في 10 مارس/أذار 2013، رئيسًا لهذا الدير البالغ من العمر قرونًا بدأت منذ 360 ميلادية.

قبل ذلك العام بـ29 سنة، تحديدًا في 17 فبراير/ شباط 1984، كان اﻷب أبيفانيوس شابًا في عامه الثلاثين، درس الطب لكنه قرر التخلي عن العمل به لصالح الانخراط في سلك الرهبنة، الذي تدرّج فيه داخل دير الأنبا مقار، حيث عاد تلميذًا من جديد، لكن هذه المرّة للأب متّى المسكين، إلى أن رُسّم قسًّا عام 2002.

خلال تلك الفترة، كان الراهب أبيفانيوس مسؤولاً عن مكتبة المخطوطات الخاصة بالدير، ما أتاح له العمل في مجال الترجمة والبحث الديني الذي نتج عنه مؤلفات عديدة.

بعد توليه رئاسة الدير، لم تكن الأمور دائمًا على ما يرام، كما تنم عن ذلك أخبار منشورة في وسائل الإعلام، كان منها خبر استبعاد أحد الرهبان من الدير نشرها موقع وطني، وشكوى نشرها موقع مسيحيو مصر وقال إنها من رهبان بالدير يشكون من استبعاد الأنبا لزميل لهم، وذلك في أبريل/ نيسان 2018، لكن الموقع نفسه عاد في اليوم التالي لنشر الشكوى ليؤكد إن مشكلة الراهب ورئيس الدير تم حلّها.

حين تم تنصيب الأنبا أبيفانيوس رئيسًا أو أبًا روحيًا للدير، أُعلن أن الاختيار جاء بأغلبية اﻷصوات. لكن وبحسب موقع وطني، فإن البابا تواضرس في معرض إجابته عن سؤال وجه له ضمن سلسلة حلقات كنسية بعنوان "سؤال للبابا"، ذكر أن استفتاء اختيار الرئيس الجديد للدير انتهى إلى أن يكون الأنبا أبيفانيوس أحد اسمين حازا على أعلى أصوات بين الرُهبان، ليحوز المنصب ﻷن صاحب الاسم الآخر كان "غير راغب في تولي المسؤولية".

اللافت أن هذا السؤال، وُجِّه للبابا في أكتوبر/ تشرين اﻷول 2017، أي بعد مرور 4 أعوام ونصف العام على تولي اﻷنبا أبيفانيوس مهمته الجديدة.

على المستوى العام، لم تكن آراء الأنبا أبيفانيوس بعيدة عن الجدل، فرأيه عن اتحاد أجساد المسيحيين بجسد المسيح رآه البعض "ضد مفهوم الفداء" ونعتوه بـ"البدعة"، وكان ردّهم عليه بأقوال للبابا شنودة، أحد أبرز وجوه التيار المقابل لمدرسة متّى المسكين، الذي ورث الأنبا أبيفانوس عنه المنهج التجديدي.

وتجلّى تطبيق اﻷنبا أبيفانيوس العملي لمفهوم التجديد عام 2016، حين وقف ومعه الأنبا سرابيون مؤيدين لمقترح قبول معمودية الكاثوليك، حتى وإن باءت محاولاتهما كأبناء لـ"تيار التجديد" في الكنيسة بالفشل أمام اﻷصوات المحافظة التي لها اليد العُليا في الكنيسة منذ عهد البابا شنودة. والأخير كان بينه وبين الأب متّى المسكين خلافات عديدة، على رأسها يأتي الخلاف الفكري.

في تلك المحاولة، لم يقتصر دفاع الأنبا أبيفانيوس عن قبول معمودية الكاثوليك على إبداء الرأي فحسب، بل إنه قدّم دراسة للمجمع المقدس انتصر فيها لفكرة قبول معمودية الكاثوليك مدللًا على رأيه بالكثير من الحجج اللاهوتية والعقائدية، أمام رفض أبناء التيار الكنسي المحافظ.

ولولا الرحيل المفاجئ، لكان اﻷنبا أبيفانيوس المُحب للانفتاح على الآخر، يستعد لمؤتمر حوار الأديان السنوي بالفاتيكان، والذي سيقام في 17 سبتمبر/ أيلول 2018، كعضو بوفد الكنيسة القبطية، في اختيار منها لرجل قال في دفاعه عن قبول معمودية الكاثوليك "لسنا ديانين لكنائس العالم. وهناك قدوة للتحديث والتجديد، فالمسيح ذاته قدم لنا عهدًا جديدًا".

على درب "متى المسكين"

في ذلك العام نفسه، الذي انتصر فيه اﻷنبا لقبول معمودية الكاثوليك، أثار أبيفانيوس جدلاً ثانيًا بين قطاع من المحافظين، بسبب كلمة ألقاها خلال مؤتمر انعقد في إيطاليا لإحياء الذكرى العاشرة لرحيل اﻷب متّى المسكين، رأى فيها البعض "إساءة للكنيسة".

في ذلك المؤتمر، عددّ التلميذ مزايا مُعلمه، ونسب إليه الفضل في "إحياء حياة الرهبنة" وإصلاح أحوال اﻷديرة القبطية بعد أن كانت "في حال يُرثى له"، وهي أقوال رأى فيها البعض "مبالغة"، خاصة وأن اﻷب متّى وكما كان لأفكاره التجديدية أنصار، كان لها أيضًا رافضين. وزاد من وضوح الانقسام بين المعسكرين ما وقع من خلافات بين اسمين كبيرين في الكنيسة، هما متّى المسكين وشنودة الثالث.


في العام 1948، أي قبل ميلاد التلميذ أبيفانيوس بست سنوات، كان الأب متّى المسكين يقطع طريقه إلى أحد أكثر البقاع عزلة آنذاك، وهي صحراء القلمون، حيث عاش ثلاث سنوات راهبًا بعيدًا عن تفاصيل الحياة الخارجية، وظل الوضع على ما هو عليه حتى استدعي- وقد صار قُمّص- ليخدم كوكيل للبطريركية في اﻷسكندرية، حيث عمل على تنظيم الخدمة وضبط المالية والخدمات الطقسية.

من تلك اللحظة، بدأت الخلافات مع الأب متّى، فبدأ الأمر باعتراضات على أسلوبه وقراراته، ودفعته تلك الاعتراضات لمحاولة ترك الخدمة مرّتين، إلى أن أقاله البابا يوساب الثاني عام 1955، ليستقر في مغارة بوادي النطرون، حيث بدأ الرهبان يحيطون به.

عُرف عن متّى المسكين أنه كان يريد العودة لحياة الرهبنة "الصحيحة"، وكان لكتابه حياة الصلاة أثرًا كبيرًا في اجتذاب الشباب للرهبنة، ولمن لم يرغب في الرهبنة لكنه لا يريد أن يفوّت على نفسه خدمة الكنيسة، أسس الأب بيتًا للمُكرّسين الشباب، في أواخر الخمسينيات.

هكذا انصبت جهود الأب متّى على الرهبنة والخدمة الكنسية ووضع المؤلفات، لكن الطريق لم يكن مُعبّدًا تمامًا، ففيه واجه قرار عزل من الرهبنة والكهنوت، أصدره البابا كيرلس السادس واستمر لمدة 9 سنوات، عاشها متّى وتلاميذه في مغارات وادي الريان، وبينما هم في تلك العُزلة طالهم قرار آخر من اﻷنبا ثاؤفيلس أسقف دير السريان، بتجريدهم من رتبهم وأسمائهم الرهبانية.

مرّ الرجل بالعقبات، حتى أتته أخيرًا فرصة لبدء مرحلة جديدة، فيها تقرر إسناد مهمة إعادة إعمار دير اﻷنبا مقار، بعد مُصالحة مع البابا كيرلس، ومن هذه البقعة في البحيرة، بدأ الأب متّى تعميرًا ماديًا ومعنويًا، حيث مجهوده موزعًا بين الزراعة وبناء القلايات وتعليم سُكانها من الرهبان الشباب، وإطلاق العظات وخطّ المؤلفات التي صارت مرجعًا لقساوسة من مختلف بقاع العالم، حسبما ذكرت عنه صحيفة الإندبندنت البريطانية، في تقرير نشرته بعد وفاته.

وكانت المؤلفات التي لخصّت رؤية الأنبا التجديدية أمام القواعد الكنسية التقليدية، واحدة من النقاط الخلافية بينه وبين البابا شنودة الثالث باعتبارها تنطوي على "بعض الأخطاء العقائدية"، حسبما يصفها موقع الأنبا تكلا، ما جلب على الرجل تُهمة الهرطقة منذ منتصف الخمسينيات وحتى بعد وفاته ثم وفاة البابا شنودة، لتبدأ صفحة جديدة بين الدير والكنيسة اﻷم في عهد البابا تواضروس.

وبكلمة أمام كلمة، جاء الردّ على بعض كتابات للأنبا متّى، وذلك فيما خطّه البابا شنودة من مؤلفات كان منها مجموعة "اللاهوت المقارَن" وكتاب "بدع حديثة"، وما ألقاه من محاضرات كان منها على سبيل المثال ما ردّ به على أقوال الأنبا فيما يتعلق باﻷعمال والناموس. ومع البابا شنودة وقف الأنبا بيشوي مطران دمياط، الذي جمّع قائمة بـ"أخطائه" أي أخطاء متى المسكين.


لكن الخلاف لم يقتصر على الجانب اللاهوتي، فامتد إلى خارج أسوار الكنيسة واتخذ بُعدًا سياسيًا، ففي حين كان الخلاف على أشدّه بين البابا شنودة والرئيس أنور السادات، كان الأخير يتبرع لدير أبي مقار بعشرين كيلومتر مربع (2000 هكتار) من اﻷراضي، وبعمال للاستصلاحها، وفقًا لما ذكرته الإندبندنت

وحين تفاقمت الأزمة بين رأسي الدولة والكنيسة، وصولاً لتحديد إقامة البابا شنودة في 1981، كان تدخل الأب متّى، مثار جدل بين قائل إنه كان للتهدئة والحوار وبين مُتهم له بـ"التآمر" مع السادات ضد البابا، فضلاً عن رفض البعض الآخر لتصريحاته عن عدم وجود اضطهاد للأقباط في مصر وغيرها من آراء كالتي وردت في كتابه "الكنيسة والدولة"، الذي تضمن حديثًا عن تدخل من "الكنيسة القبطية" في الشأن السياسي العام، وفقًا لوثائق نشرها موقع "دوت مصر".


ومنذ 1981 استمر الخلاف وشبه القطيعة بين رأس الكنيسة وبين اﻷب متى، حتى جمعهما دير أبو مقار لساعات، وذلك حين زاره البابا شنودة عام 1996، قبل عشرة أعوام من رحيل متّى المسكين، تاركًا خلفه إرثًا من النقاشات والمؤلفات والأفكار التجديدية التي حملها تلاميذ كان منهم الأنبا أبيفانيوس، الذي لحق بالمُعلم قبل أيام، وبعد 34 سنة عاشها في كنف الدير نفسه؛ الأنبا مقار.

اقرأ أيضًا: اسم الوردة في دير الأنبا مقار