تصميم: أحمد بلال، المنصة
في نشرات الأخبار، ضحايا غزة مجرد أرقام، حرفيًا أرقام لا يشيرون فيها حتى إلى عدد الأطفال والنساء الذين قضوا جراء الغارات الإسرائيلية

"آخر خدمة البي بي سي": يد "الغُز" تلاحق "المحليين"

منشور الثلاثاء 5 مارس 2024

يقول المثل الشعبي المصري الشهير "آخرة خدمة الغز علقة"، وهو يشير إلى طريقة تعامل المحتل الإنجليزي مع الفلاحين المصريين طوال نحو ثمانية عقود، وكيف أنهم كانوا يُسخِّرونهم للعمل لديهم وينهبون إنتاج أرضهم ثم يوسعونهم ضربًا وتنكيلًا على طريقة "إنت ولد فلاح.. جوني حيضربك بالكرباج"، فكان المثل "آخر خدمة الغزاة (الغز) علقة".

تمر الأيام وينتهي الاحتلال لكن تستمر طريقته، في الكيفية التي تعاملت بها قناة بي بي سي البريطانية بعد اندلاع طوفان الأقصى، مع ستة صحفيين في مكاتب القاهرة وبيروت؛ أحالتهم للتحقيق وأوقفت إحداهم عن العمل، بعد أن نشرت صحيفة بريطانية تقريرًا تتهمهم فيه بـ"تبرير قتل حركة حماس للإسرائيليين"، بناء على تقرير نشرته منظمة صهيونية متخصصة في ملاحقة حسابات الصحفيين الذين يعملون في وسائل الإعلام الدولية بزعم ضمان قيامهم بتغطية مهنية لكل ما يتعلق بإسرائيل.

تهمة هؤلاء ليست أنهم كتبوا آراء مباشرة وصريحة تتعلق بالحرب، فهم بالتأكيد أكثر احترافية ومهنية من ذلك، ويدركون جيدًا القواعد العامة التي تحكم مكان عملهم طوال سنوات، بل كانت جريمتهم الشنعاء التي بلغت حد التضحية بجهودهم المميزة وما قدموه للقناة من خدمات وتغطية صحفية من أماكن شديدة الخطورة، هي لايك وشير أو ريتويت لتعليقات ومقالات أثارت اهتمامهم على السوشيال ميديا.

ومن بين الصحفيين الذين طالتهم يد "الغز"، وجوه مشهورة ومعروفة لكل من يتابعون هذه القناة، أو محطة الراديو قبل إغلاقها، أبرزهم ندا عبد الصمد من مكتب بيروت، وسالي نبيل من مكتب القاهرة، التي عوقبت لأنها وضعت لايك على تويتة تنقل تصريحات لأسيرة إسرائيلية مفرج عنها، تقول إن مقاتلي حماس عاملوها بشكل لائق.

رفعت القناة مؤخرًا التجميد الذي فرضته بعد أسبوعين من بداية الحرب على الصحفيين الستة، بعد تحذيرهم وإلزامهم بتلقي دورة تدريبية في قواعد تعامل الصحفيين العاملين مع السوشيال ميديا، ولكنها عادت الشهر الماضي لتحيل سالي نبيل للتحقيق، بزعم تكرارها نفس السلوك، عندما وضعت لايك على تقرير نشرته صحيفة تركية عن إقبال الإسرائيليين على شراء الأراضي في قبرص تمهيدًا للهجرة بعد هجمات السابع من أكتوبر وما تلاها من حرب لا تزال مرشحة للاستمرار مع دخول شهرها الخامس.

الصحفيون "المحليون"

عملت مراسلًا صحفيًا لأكثر من عشر سنوات لعدة وكالات أنباء عالمية، من بينها الأسوشيتد برس ورويترز ووكالة الأنباء الألمانية، وكذلك بي بي سي في بداية حياتي المهنية. وأعرف عن تجربة حجم الصعوبات التي يواجهها من يسمونهم في تلك المؤسسات الغربية بـ"الصحفيين المحليين/local journalists"، وكيف أننا نكون دائمًا محلَّ شكّ "السادة البيض"؛ نموذج تطبيق قواعد الموضوعية وعدم الانحياز والمهنية التي قد يحول انحيازنا و"عاطفتنا" دون التزامنا بها، وبالتالي لا يمكن التعامل معنا بثقة تامة حتى لو التزمنا بكل القواعد المعلنة من طرفهم.

حرب الإبادة الجماعية عادت بكل الأطراف إلى أصولها وكشفت الانحياز العنصري المفضوح للإعلام الغربي

عندما بدأت العمل في وكالة أسوشيتد برس الأمريكية في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، كان محظورًا ذكر كلمة "فلسطين"، بزعم عدم وجود دولة معترف بها من الأمم المتحدة بهذا الاسم. وعندما كنت أكتب أن جامعة الدول العربية تضم في عضويتها 22 دولة، كان المحرر في نيويورك يحرّف هذه المعلومة بتغيير العدد إلى 21 دولة ومنظمة التحرير الفلسطينية، بالحجة نفسها أنَّ فلسطين ليست دولة، ولا يضع أيَّ اعتبار لأن الجامعة منحت فلسطين عضوية كاملة مثل أيِّ دولة أخرى.

نعم كنت أحاول التحايل على هذه القاعدة التي كنت أرى فيها انحيازًا فاضحًا للرواية الصهيونية، وليس مجرد تطبيق قاعدة مهنية ترتبط بالقانون الدولي، بوضع كلمة "فلسطين" في اقتباسات نقلًا عن أيِّ مسؤول عربي، إذ كانت الوكالة الأمريكية تلتزم بقاعدة عدم جواز العبث بمحتوى الاقتباس المباشر. فعندما يستخدم رئيس دولة عربية اسم "فلسطين" في حديثه، لا يجوز تغييرها إلى "الفلسطينيين" أو "منظمة التحرير الفلسطينية" كما يفعل المحررون الأمريكيون عادة قبل نشر ما نرسله من مكتب القاهرة من تقارير.

لم تكن القضية انحيازًا أو رغبةً في تقديم معلومات مزيفة للقراء الغربيين، ولكن نقل ما يعتقده ويؤمن به غالبية مواطني هذا الجزء من العالم، المعني بشكل مباشر بهذه القضية، وكيف أنَّ هناك رواية أخرى بجانب ما تتمسك به مؤسسات الإعلام الغربية المنحازة لإسرائيل، التي تعتبر روايتها أمرًا مسلمًا به وحقيقةً موضوعيةً.

مع مرور السنوات، تحسنت نسبيًا معاملة "الصحفيين المحليين" في الوكالات والصحف ومحطات التليفزيون الغربية، خاصة بعد أن تبين للقائمين عليها أن هؤلاء الصحفيين ممن يتقنون اللغات الإنجليزية والفرنسية، يقدمون تقاريرَ أكثر عمقًا ومصداقيةً من الزوار الأجانب البيض، الذين ينتقلون من بلد لآخر دون أن يعرفوا الكثير عن ثقافات هذه البلاد والأهم لغتها، ويكتفون بتقديم الصور النمطية والتغطيات السطحية في أغلب الحالات. وبالطبع كان هناك البعد الاقتصادي حيث أجور "الصحفيين المحليين" أدنى من نظرائهم البيض حال انتقالهم من الولايات المتحدة أو أوروبا.

عليهم أن يتعلموا الدرس

سالي نبيل التي أعرفها على المستوى المهني منذ أكثر من عشر سنوات عبر شاشة بي بي سي نموذج رائع لعدد قليل من الصحفيات والصحفيين العرب الذين يقدمون تغطية صحفية مهنية متميزة. تنتقل من القاهرة إلى مختلف الدول العربية التي تشهد كوارث وحروبًا لمتابعة ما يجري بها وتقديم الصورة كما هي، باللغتين العربية والإنجليزية، متمسكة بحجابها البسيط.

شاهدت تغطيتها للحرب في السودان وليبيا ولبنان والعراق، وفي كل مرة أشعر شخصيًا بالفخر لأنَّ هناك جيلًا جديدًا من الصحفيات والصحفيين العرب الذين استطاعوا اختراق جدار العزل غير المعلن، الذي وضعه القائمون على وسائل الإعلام الغربية في الاعتماد فقط على المراسلين الصحفيين البيض أصحاب العيون الزرق والشعر الأصفر، بزعم أنهم وحدهم القادرون على القيام بمهامهم بموضوعية ومهنية.


ولكنَّ حرب الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل ضد الفلسطينيين في غزة عادت بكل الأطراف إلى أصولها، وانكشف الانحياز العنصري المفضوح لوسائل الإعلام الغربية لصالح إسرائيل، بما في ذلك قناة بي بي سي البريطانية التي طالما زعمت أنها أكثر رصانةً وعقلانيةً من وسائل الإعلام الأمريكية.

لم يعد الأمر يتعلق فقط بتقديم تغطية منحازة لوجهة النظر الإسرائيلية، والتعامل وكأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الممتد منذ نحو مائة عام بدأ فقط مع هجوم السابع من أكتوبر، ولكنه تصاعد ليتضمن ملاحقة بغيضة لـ"الصحفيين المحليين"، وكل من يحمل آراء تبدي التعاطف مع معاناة الشعب الفلسطيني ورفض الاحتلال العنصري والجرائم التي يرتكبها جيش الاحتلال الصهيوني في غزة، بما في ذلك استخدام سلاح التجويع.

وإذا كان أسلافنا الفلاحون في مصر أدركوا سريعًا مدى عنف وعنصرية واستغلال المحتل البريطاني للسكان المحليين، وخرجوا لنا بالأمثال عن "خدمة الغُز"، فإن حالة الزميلة سالي نبيل تؤكد مجددًا أنَّ "آخر خدمة بي بي سي" أيضًا "عَلقة"، وأنَّ يد "الغز" لا تزال تظن أنها طائلة، وأنَّ تلك المحطة التي تدعي العراقة والمهنية غير قادرة على مجابهة ضغوط المنظمات وجماعات الضغط الصهيونية، والأسوأ أنها لا تقدر أو تبالي بصحفييها المهنيين الذين لم يبخلوا بأيِّ جهد ليقدموا لها تغطية متميزة، في مهام كان من الممكن أنَّ تكلفهم حياتهم.

أتمنى أن تنتهي هذه الحقبة السوداء سريعًا، أولًا لتتوقف آلة القتل الإسرائيلية المفزعة بحق الفلسطينيين، وثانيًا ليستعيد الجميع توازنهم، ونفكر كصحفيين جميعًا في الدروس المستفادة من هذه التجربة الصعبة، التي أثرت بكل تأكيد في مصداقية هذه المؤسسات الغربية العملاقة التي تدعي الموضوعية والحياد والمهنية.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.