برخصة المشاع الإبداعي: أمنية خليل- فليكر
من مظاهرة في ميدان التحرير، 20 أبريل 2012

لم ننجح هذه المرة| الحنينُ سجنٌ اختياريٌّ جميل

منشور الأربعاء 31 يناير 2024

مرّت سنوات طويلة على استماعِي لأول مرةٍ للشيخ إمام عيسى يشدو بكلمات الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم "كل ما تهل البشاير من يناير كل عام". في البداية كان تفسيري الطفولي أن الإشارة إلى يناير سببها أنه أول شهور العام ورمز البدايات الجديدة. لكن ما علاقة شهر يناير البارد بالنور الذي يدخل الزنازين ليطرد الخوف والظلام؟

بعد أن تجاوزت الطفولة وازداد وعيي، علمت أنَّ الشاعر سطّر كلماته أثناء اعتقاله بعد انتفاضة الخبز في يناير 1977، لكن ظل يراودني سؤال: لِمَ يرتبط هذا الجيل عاطفيًا بشهر يناير بالذات؟ لِمَ يحتفون بشهرٍ شهد انكسار انتفاضتهم واعتقالهم، وهدوء الأوضاع بعد يومين فقط من اشتعال المظاهرات الرافضة للسياسات الاقتصادية؟

شغلني هذا السؤال، وسخرت في شبابي من حالة النوستالجيا للحظةٍ مرَّ عليها -وقتها- أكثر من ثلاثين عامًا، لحظة ارتبط فيها حلم النصر الشعبي بواقع هزيمة حركته!

​ظلت هذه الأسئلة مرتبطة بتعالي مراهق مهتم بالعمل العام، ثم شاب منخرط في حركات سياسية شبابية ساهمت في إحداث التغيير عام 2011، فأطاحت أشخاصًا كانوا يحكمون، وأتت بغيرهم ليحكموا البلاد. إلى أن ضبطت نفسي متلبسًا ذات يوم، بعد 2014، وأنا أدندن وحيدًا رائعة أنغام "والسنة اتسَمِّت يناير".  تبًا.. إنه الحنين، وقد نال مني هذه المرة!


نذروا كل شيء لاستعادة لحظة واحدة

​وُلدت لأبوين انخرطا في الحركة الوطنية الطلابية في سبعينيات القرن الماضي، ولعبا دورًا قياديًا مع رفاقهما في تحديد أولويات العمل الوطني حينها، وتحركوا لتحقيق ما آمنوا به!

أتذكر جيدًا لحظة انتزاعي من حضن والدتي وأنا طفل في الخامسة، حين اعتقلتها قوات الأمن. انهلت على والدي بالأسئلة: من قبض عليها؟ ولِمَ؟ متى ستعود؟ كيف أتصرّف في غيابها؟ 

كانت الردود على هذه الأسئلة هي أول دروسي السياسية، ومن أهم ذكرياتي القليلة التي تركها لي والدي قبل أن يغادر عالمنا بعدها بعام واحد. يومها قررت أول اختياراتي في الحياة: سأصبح محاميًا.

قلتها بعد أن أحببت المحامي الأستاذ عبد الله الزغبي، رحمه الله، الذي قال لي "أمك دي ست عظيمة". ثم تابعت مرافعاته في المحكمة حتى أعادها إليَّ، فكان هو بطلي المفضل الذي حلمت أن أصبح مثله.

​في السهرات العائلية طالما سمعت من والديَّ وأصدقائهما عن تظاهر ملايين الغاضبين الرافضين للقرارات الاقتصادية للنظام في يناير 1977. وعن هروب رئيس الجمهورية بطائرته إلى أسوان قبل استعادة سيطرته على مقاليد الحكم والعودة مرة أخرى. سمعت عن حياة المعتقلات، وصمود المناضلين تحت الضغوط، وذكرياتهم الضاحكة رغم قسوة الزنازين.

​تربيت وسط كائنات من الحنين أدعوهم "ماما/ بابا/ عمو/ أونكل/ طنط"، تختلف الألقاب لكن يظل جوهرهم واحدًا: كتل حنين متحركة، نذروا كل حيواتهم لاستعادة لحظة نهض فيها المارد الشعبي، وارتعشت فرائص جلاديه، وتمكن شعبهم من إملاء شروطه على الحكام في 1977.

​أربعة وثلاثون عامًا وسبعة أيام، حاولوا خلالها استعادة نفس اللحظة، كل بطريقته. وعندما عادت في يناير 2011 كان الوضع قد تغير تمامًا: فالجماهير اختلفت، ووسائل التواصل اختلفت، وطبائع الحكام اختلفت، والوضع الدولي اختلف. حتى قوى المعارضة لم تعد هي ذاتها. 

لحظتها وجدوا أنفسهم في موقع المشاركين بعد أن كانوا القادة المحركين!


الحنين.. العائق أمام المستقبل

​منذ بداية ارتباطي بالعمل العام كنت أميل دائمًا لأكثر التيارات علميةً. ورأيت أن الميزة الرئيسية للتيارات المدنية اعتمادها العلم وحده في الرصد والرؤية وتحديد المشاكل وحلولها. ودون هذا المنهج تفقد القوى المدنية ميزتها النسبية، بل الرئيسية من وجهة نظري.

​بعد ثورة يناير 2011 لم يتملكني وهم أنَّ جيلنا هو "الأخير زمانه" الذي أتى "بما لم يستطعه الأوائل". نحن مجرد حلقة من سلسلة طويلة للنضال الوطني، بدأت مع الوعي بفكرة الوطنية المصرية الحديثة ذاتها مع الثورة العرابية، وشاءت الظروف أن يأتي جيلنا في لحظة تاريخية مواتية لإحداث تغيير في نظام الحكم.

هناك مقولة شهيرة مفادها أن "الغباء هو فعل الشيء نفسه مرتين، بالأسلوب نفسه والخطوات نفسها، وانتظار نتائج مختلفة". وأرى أن هذه الخلاصة تنطبق على كافة مناحي الحياة؛ تكرار الخطأ ذاته مرتين هو أكبر مضيعة للوقت والجهد.

​تعلمت من ارتباطي بأجيال سبقتنا إلى ساحة العمل الوطني، أنَّ الحنين المحفِّز لاستمرار السعي يمكنه أن يكون العائق الأكبر لإمكانية الوصول، وأنَّ اللحظة التاريخية، بظروفها وقواعدها وسبل التعامل معها، تنتهي بمجرد انتهاء زمنها. وأنَّ محاولات التمسك بوسائل وطرق الماضي، مهما كان نبل المقصد، ستقف حائلًا أمام الانخراط المتحرر في الحاضر بلا أحكام مسبقة.

الشروط الخمسة قبل السعي

لن نتمكن من السعي لتحقيق أحلامنا النبيلة التي خرجنا مع ملايين المصريين لتحقيقها إلا بمراجعة يتوافر لها خمسة شروط، حسب اعتقادي.

أولها، ضرورة الاعتراف بأنَّ أحداث ثورة يناير انتهت في 12 فبراير/شباط 2011، وأصبحت جزءًا من اللحظات المضيئة في تاريخ وطننا، لن ينال منها أعداؤها، ولا تحتاج إلى حماية أبنائها. وسيحكم عليها التاريخ، من خلال أجيال أخرى لم تشارك، وفي الأغلب لم تعاصر، أيًا من المنخرطين في معاركها.

ثانيًا، علينا إدراك أنَّ السبب الرئيسي في نجاح يناير، أنها كانت سابقة لتخيلات جميع الفاعلين التقليديين في المجال السياسي وقت حدوثها، سواء السلطة أو المعارضة التقليدية. وأنَّ أي محاولة لاستنساخها بذات الأدوات في ظروف مختلفة، لن ينتج عنها سوى إلصاق سمة الفشل بتجربة كانت ناجحة وتقدمية، ولن ينطبق على هذه المحاولة سوى المقولة الشهيرة التي توصّف الغباء!

​ثالثًا، علينا التخلي عن دور الضحية، والكف عن استعذاب دور البطل الذي تحالفت كل القوى الرجعية المعادية لوأد حلمه بالحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية. والاعتراف بأنَّ وجود أعداء لهذا الحلم، من المنتفعين بالوضع الذي كان قائمًا، أمر طبيعي، وطبيعي أيضًا أنم سيتحالفون لإفشال هذا الحلم، وأنَّ مسؤولية حمايته تقع على عاتق الحالمين به وحدهم.​

رابعًا، علينا التمتع بالحس النقدي لتحديد مكامن الخطأ، والاعتراف به، وتقديم نقد ذاتي لتجربتنا، ليستفيد به كل المشتركين معنا في هذا الحلم، حاليًا ومستقبلًا.

خامسًا وأخيرًا، فإنَّ علينا التحلي بالشجاعة الكافية لتحمل مسؤوليتنا عن عدم تحقيق حلمنا وحلم شعبنا، والتفكير في طرق جديدة للاستفادة من خبراتنا الذاتية، وخبرات من سبقونا، لتحقيق هذا الهدف.

متوخيًا الالتزام بالشروط الخمس، أرى أنَّ الخطأ الأكبر المشترك في الشارع السياسي المصري كان رفض الاختلاف السياسي إلى درجة تبادل الاتهامات بالتخوين والعمالة بين جميع الأطراف.

وسأتناول هذه الحالة وتشخيصها في المقال التالي. 

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.