لاجئات نيجيريات في أحد مراكز الاحتجاز الليبية - فيلم "جحيم اللاجئين في ليبيا" - سكاي تي في 

بمباركة أوروبية.. اللاجئون في ليبيا "عبيد" القرن الحادي والعشرين

منشور الاثنين 27 فبراير 2017

- نشرت صحيفة الجارديان هذا المقال لـ"روس كيمب"* قبل عرض فيلمه الوثائقي عن أوضاع اللاجئين في ليبيا. 


 

إنه قبر جماعي لا نحتاج للأمم المتحدة كي تؤكد لنا وضعه. كل يوم، يلقى 14 لاجئ جديد -أغلبهم من دول تقع جنوب الصحراء- مصرعهم خلال عبورهم المتوسط.

كثيرون يرون حلمهم الأوروبي يتحول إلى كابوس مبكرًا، بينما يتزاحمون على القوارب المطاطية الواهية على شواطئ ليبيا. هم ضحايا مذبحة صامتة تجري في الصحراء الإفريقية الكبرى، رحلة مميتة أكثر حتى من الرحلة بين الشاطئين، وذلك وفقًا لمنظمة الهجرة الدولية.

بحلول الربيع، سيلقى آلاف المهاجرين واللاجئين الفارين من الفقر والعنف حتفهم في ليبيا، لكني أشك في أنك ستسمع عنهم شيئًا. يَضْمُر التعاطف مع تزايد الأعداد إلى حد عصي على الفهم.

إنها القصة القديمة ذاتها؛ نشعر باعتياد ما صار مألوفًا من أنباء وصور لرجال يُساقون كالقطيع إلى القوارب. ربما يعود هذا إلى كونهم أفارقة يكتب إلى جوار أسمائهم: "لاجئ غير مستحق جاء لأسباب اقتصادية". هؤلاء هم الناس الذين يستحضرهم ساستنا في في أذهانهم عندما يتكلمون عن  الحشود والأوبئة واللصوص. التركيز المفهوم على اللاجئين السوريين؛ اختطف الضوء بعيدًا عن الطريق الأكثر خطورة إلى أوروبا مرورًا بليبيا.  

                    

روس كيمب مع لاجئين أفارقة في أحد مراكز الاحتجاز في ليبيا

أو ربما يعود ذلك إلى أن وجود ثلاث حكومات متصارعة تخيم على المشهد الأناركي في ليبيا؛ بينما تكمن السلطة الحقيقية في يد الميليشيات المسلحة. يجعل هذا من دخول البلد لمتابعة هذه القصة وحكيها أمرًا شديد الخطورة والصعوبة. لكن شيء واحد يزداد وضوحه: الكثير من الناس يأتون إلى هنا لرؤية الوضع من زاوية تصوره باعتباره مشكلة لنا نحن [الأوروبيين] أكثر منه مشكلة لهؤلاء اللاجئين.. لقد كففنا عن الاهتمام بهم. وكصانع أفلام وثائقية، أرى أن مهمتنا هي دفع الناس للاهتمام.

كان هذا هو السبب وراء ذهابي مع فريق العمل إلى ليبيا، حتى نسلط الضوء على مأساة اللاجئين البعيدين عن الساحل، والتي لا تحظى باهتمام إعلامي، وحتى نروي القصص الإنسانية لهؤلاء الرجال والنساء الذين يخوضون هذه الرحلة.

ما رأيته هناك لا يقل أبدًا عن كونه تجارة عبيد معاصرة، حيث يُعامل اللاجئين باعتبارهم ممتلكات. وكأن شيئًا لم يتغير في الثلاثمائة عامًا الأخيرة، منذ استخدمت قبائل الصحراء هذه الطرق ذاتها لاستجلاب العبيد إلى شمال أفريقيا: نساء نيجيريا قيل لهن أنهن ذاهبات إلى إيطاليا للعمل كمساعدات في الخدمة المنزلية، لكنهن أخذهن إلى بيوت دعارة في الصحراء، لا يعرفن متى ستتمكّن من الخروج منها.

 الشباب من الذكور يتعرضون للضرب والاحتجاز لشهور حتى تدفع عائلاتهم فدية لإطلاق سراحهم، كما تُجبر النساء على تعاطي أقراص لمنع الحمل حتى لا يحملن أطفال مغتصبيهم من المهربين.

ما يجعل من معاناتهم أكثر إثارة للحزن؛ أنه لا فكرة لديهم نهائيًا أي بلد سيحلون بها. رأيت هذا عندما تحدثت إلى رجال ونساء في بداية رحلتهم- منهكين ومذهولين من رحلة تكسير العظام التي خاضوها في الصحراء على الحدود بين ليبيا والنيجر، لكنهم ممتلئين بالأمل الساذج.

هم ليسوا فقط تحت رحمة مهربي البشر؛ لكنهم أيضًا مهددين من السلطات الرسمية، ومن الميليشيات المسلحة، وهي كلها جهات لا تخضع لحساب من أحد، هم أيضًا تحت رحمة جهات أخرى ترى فيهم مجرد مصدر آخر لكسب المال.. في مدينة برّاك الصحراوية الليبية، قابلت شابًا قال لي إنه لم يكن لديه خيار سوى العمل لصالح المهربين في نقل المهاجرين عبر البحر إلى نقطة متفق عليها قبل أن يلتقطهم من يواصل معهم الرحلة.

                                   

رحلة عبور اللاجئين على متن قارب في المتوسط 

 

وبينما يعتمد الليبيون على ميليشياتهم للحماية، لا يملك المهاجرون شيئا، وليس لديهم من يحميهم. عندما تستوقفهم سلطة ما من تلك السلطات المتعددة في ذلك البلد، يُأخذون إلى مخازن قذرة تتكدس فيها الأجساد، يُشار إليها -بسخاء- باعتبارها مراكز احتجاز.

في أحد تلك المراكز المخصصة للنساء بمدينة صرمان الساحلية، قابلت عائشة؛ شابة نيجيرية كانت تنزف حتى الموت بعدما أنجبت ابنتها على أرض دورة مياه. الطفلة ماتت بعد ثلاثة أيام من ميلادها. منذ عدنا إلى بريطانيا؛ حاولنا أن نعرف مصير عائشة.. وفشلنا. أخشى أنها قد وقع لها ما هو أسوأ.

حتى في أسوأ معسكرات اللاجئين في هذا العالم، هناك على الأقل طعام وخدمات طبية وعاملون ومتطوعون يقدمون المساعدة. لكن في مراكز الاحتجاز الليبية، تُسَكَّر الأبواب على المهاجرين واللاجئين ويُتركون ليتعفنوا أحياء. إنها كارثة إنسانية بلا أية منظمات إغاثة تقريبًا كي تقدم المساعدة. بالنسبة لعشرات الآلاف من اللاجئين الموجودين بليبيا في هذه اللحظة، لا يوجد سبيل للهرب. ليبيا لا تريدهم، أوروبا لا تريدهم، وحتى بلدانهم التي أتوا منها لا تريدهم.

علينا مسؤولية ضخمة تجاه ليبيا، من منطلق الدور الذي لعبته بريطانيا في إسقاط الديكتاتور معمر القذافي بلا استراتيجية لما بعد رحيله. في الخمسة أعوام ونصف العام التي تلت مقتله، انعدام القانون والفوضى خلقا مناخًا استثنائيا لازدهار تجارة البشر.  

الشهر الماضي، وتحت ضغط متزايد لإيقاف طوفان اللاجئين القادمين لأوروبا، وقع قادة الاتحاد الأوروبي اتفاقًا مع ليبيا. هذا الاتفاق بعيد تمامًا عن مساعدة الناس على الهرب، بل ينص على استبقائهم هناك. هذا الاتفاق تنقصه خطوة واحدة لإجبار من يصل منهم لأوروبا على العودة لليبيا.

أيًا كانت نظرتك لحقوق المهاجرين غير الشرعيين، فإن إكراههم على العودة للظروف التي نعرف أنهم سيعانون منها في ليبيا؛ هو حل منعدم الإنسانية. الظروف التي يعيش فيها اللاجئون في هذه الدولة تحتاج إلى تغيير جذري، وحتى نرى دليلا على ذلك، هل يمكننا فعلاً أن نعتبر الاتفاق القائم، حلاً مقبولا لهذه الظروف المرعبة؟**


روس كيمب: صحفي استقصائي وممثل بريطاني. بدأ حياته العملية كممثل مسرحي وتلفزيوني وفاز بالعيد من الجوائز، واستغل نجوميته التلفزيونية في انتاج وإخراج العديد من الافلام الوثائقية التلفزيونية التي تتناول قضايا الفقر وتجارة البشر والإدمان والعنف وغيرها تحت عنوان Extreme world ومنها فيلم "جحيم اللاجئين في ليبيا".

** يمكنك مشاهدة الفيلم مجانًا عبر هذا الرابط