تصوير: محمد سليمان

الذهاب إلى المجهول.. قصة نازحي رفح

منشور الخميس 2 نوفمبر 2017

يقف أحمد برهوم أمام منزله ملقيًا نظرة الوداع قبل أن يتركه باتجاه المجهول تاركًا خلفه الكثير من الذكريات بعد أن اضطرته آلة الحرب للاتجاه غربًا، وفي الغرب؛ المستقبل مجهول. 

النازحون فصل فى قصة شمال سيناء التى أنهكتها الحرب، الحرب التي دفعتهم إلى ترك منازلهم وأرضهم وحقولهم، ليفترش البعض منهم الصحارى ويلتحف بالسماء ويقرر البعض الآخر الرحيل إلى أقصى الغرب، حيث ما يقع خلف قناة السويس. 

بدأت موجات النزوح الجماعي من رفح وبعض مناطق الشيخ زويد أواخر العام 2014 بعد قرار الحكومة المصرية في أكتوبر/تشرين الأول بإنشاء منطقة عازلة على طول الشريط المتاخم للحدود مع قطاع غزة بعرض 14 كيلومترًا وبمسافة خمسة كيلومترات داخل مدينة رفح، وهو القرار الذي اتخذ إثر هجوم نفذه مسلحون استهدف حاجز كرم القواديس العسكري في جنوب الشيخ زويد، وهو الهجوم الذي خلّف ثلاثين قتيلًا من جنود الجيش. 

هذا القرار يُلزم في مادتيه الثانية والثالثة، الدولة بتوفير مساكن بديلة وتعويضات لمَن يترك منزله في تلك المنطقة، حيث بدأت بإنشاء منطقة عازلة بعمق 500 متر داخل مدينة رفح وسرعان ما زادت هذه المسافة إلى ألف كيلومتر إضافي في عمق المدينة.

يقول برهوم إنه على استعداد أن يعيش بدون مياه ولا كهرباء "ولكن لا تطردونا من منازلنا وبلادنا اللي تربينا وقضينا فيها سنين عمرنا وشايفينها بعينينا بتنمحي من ع الارض". 

 

يحكى برهوم قصة معاناة استمرت على مدار السنوات الماضية منذ أن شرعت السلطات في تنفيذ المرحلة الأولى من المنطقة العازلة بمدينة رفح، إذ أصبح كابوس التهجير يراود الجميع وهم يعلمون أن الدور قادم "لا نعلم ما الذي يحل بنا بعد أن تركنا بيوتنا إلى أماكن لم نرها من قبل".

منذ أيام بدأت السلطات المصرية تنفيذ المرحلة الثالثة من المنطقة العازلة بمدينة رفح، بعمق 500 متر داخل مدينة رفح، وبدأت معها حركات النزوح الجماعي من قبل الأهالي تاركين ما يملكون من منازل وأراضٍ زراعية ورائهم تنفيذًا لطلب القوات بسرعة إخلاء المنطقة.

على طول الطريق الدولي العريش-القنطرة تتناثر عشرات العشش على جانبي الطريق، جميعها يقطنها نازحون، تركوا منازلهم ومزارعهم وقراهم في رفح والشيخ زويد منذ أواخر 2014، بعد زيادة حدة الاشتباكات بين القوات المسلحة وتنظيم ولاية سيناء التابع لتنظيم الدولة الإسلامية، وهو النزوح الذي لم يتوقف منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم.

يقول إياد سلام أحد السكان الذين تركوا منازلهم إن إخلاء أهالي رفح في منازلهم حدث تزامنًا مع احتفالات ذكرى السادس من أكتوبر، وبعد أن يوضح سلام المفارقة فإنه يشرح حجم معاناة سكان منطقة رفح، الذين لم يقدروا حتى على جمع كل أمتعتهم وتركوا بعضها خلفهم من أجل سرعة الإجلاء. 

حتى نقل الأمتعة التي حملوها معهم بسيارات النقل إلى خارج رفح كان مسألة صعبة، فمن كان يعرف إلى أين سيتجه لم يكن يمتلك أجرة سيارات النقل. 

يضيف إياد: "حتي لو رجعنا الوضع خلاص اتغير، هدم، فحت، ردم للذكريات الحلوة".

 

الذهاب إلى المجهول هو حال بعض أهل رفح في ذلك الوقت. كانت مناطق الصالحية الجديدة القريبة من الإسماعيلية وجهتهم الجديدة خاصة من يعملون فى مجال الزراعة أملًا في الالتحاق بأقاربهم المقيمين هناك، وهربًا من الملاحقة اﻷمنية التي تطالهم أينما حلوا في شمال سيناء. 

استأجروا الأراضي الزراعية ومنازل بجوارها ليتمكنوا من الاستمرار في الحياة، الاقامة وإيجاد قوت يومهم والقدرة على مواجهة غلاء المعيشة، فأقاموا العشش بالخوص في مشهد لم يكونوا يتوقعونه بعد أن كان لكل أسرة منزل مكون من ثلاث طوابق أو أكثر.

تضم المرحلة الثالثة من المنطقة العازلة بمدينة رفح 1250 منزلًا و40 منشأة حكومية، وحيي الأحراش والصفا والمناطق المحاذية لهما، علاوة على ست مدارس لمختلف مراحل التعليم، بينما شملت المرحلة الأولى من الإخلاء 837 منزلًا وذلك فى أكتوبر/تشرين الأول 2014، أما فى المرحلة الثانية فتم إخلاء وتجريف 1253 منزلًا بالمرحلة الثانية وذلك فى أبريل/نيسان 2015، وذلك حسب بيانات محافظة شمال سيناء.

الإحصائيات الرسمية داخل ديوان عام محافظة شمال سيناء، تشير إلى أن الدولة قامت بتعويض الأهالى الذين تركوا منازلهم بقرابة 650 مليون جنيه، وهو ما لم يحدث مع باقى الأهالي الذين لم يُجبروا على ترك بيوتهم ولكنهم تركوها خوفًا من التعرض للأذى. 

كانت الإحصائية الرسمية الوحيدة الخاصة بتعداد النازحين هي تلك المُعلنة من محافظة شمال سيناء في أواخر أغسطس/آب 2016، والتي قدرت عدد النازحين بـ 12 ألفًا و861 نازحًا، موزعين على 68 تجمعًا في مدن العريش، وبئر العبد، والحسنة، بإجمالي 5324 أسرة.