الصحفي هشام جعفر- المصدر: الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان

هشام جعفر.. رهين محبسيّ "العقرب" والحرمان من العلاج

منشور الثلاثاء 15 أغسطس 2017

في الخامس من أغسطس/ آب الماضي، نقلت منار الطنطاوي زوجة الصحفي المحبوس هشام جعفر رسالة شفهية أرسلها زوجها إليها يقول فيها: "أنا تعبتك الفترة اللى فاتت وحملتك عبء مادي ونفسي كبير [،] فخلاص أنا قررت إني أريحك الفترة اللي جاية. مفيش حملات ولا كلام ولا تروحي النقابة ولا تتواصلي مع أي حد. استريحي وحاولي تغيري جو. أنا آسف اللي حملتك كتير. إلزمي لا حول ولا قوة الا بالله، و اتركي أمر بصري لله. أنا عيني الشمال تقريبا بتنتهي، بس ده قدر الله". 

أتت رسالة جعفر لزوجته بعد أشهر من محاولاتها المستمرة للمطالبة بالإفراج الصحي عنه، أو تحسين ظروف حبسه للحفاظ على ما تبقى من قدرة عينه على الإبصار.

ورغم رسالته الراجية اليائسة، ظلت زوجته مستمرة في محاولاتها، إلى أن نشرت منظمة هيومان رايتس ووتش يوم 14 أغسطس/ آب 2017، بيانًا تطالب فيه السلطات المصرية بإتاحة حق العلاج للصحفي المحبوس، مُقترحة على سلطات إدارة السجون (وزارة الداخلية) في مصر أن توفر العلاج، أو أن تسمح للحبيس أن يبادر لعلاج بصره المعرض للضياع على نفقته الخاصة.

البيان هو واحد من سلسلة طويلة من البيانات والمناشدات الحقوقية المحلية والدولية، التي طالبت بإتاحة حق العلاج لجعفر، المحبوس منذ أكتوبر/تشرين أول 2015. 

ما ينشده هشام جعفر، الصحفي ومدير مؤسسة "مدى للتنمية الإعلامية" من رعاية صحية، لا يقتصر على السماح له بنظارة طبية أو توفير أدوية لعينه، فحالته الصحية مُعقدة وتتطلب تدخلًا جراحيًا لعلاج مشكلات حادة في البروستاتا، لكن استجابة السلطات المسؤولة لإجراء الجراحة أو توفير الأدوية، نادرة ومحدودة للغاية.

نداءات كثيرة

بعدد المرات التي طلب فيها جعفر علاجًا ولم يدخل له السجن؛ لم تتأخر هيئة الدفاع الموكلة عنه في اتخاذ الإجراءات اللازمة أمام النيابة لتوفير العلاج له، كما يقول لـ"المنصّة" المحامي كريم عبد الراضي، عضو هيئة الدفاع والمحامي بالشبكة العربية لحقوق الإنسان، الذي يوضح أن مصلحة السجون مسؤولة عن سلامة موكله، لكن المسؤولية تقع بالمقام الأول على نيابة أمن الدولة "ﻷنه على عهدتها، وهي مَن قرر حبسه احتياطيًا، ولها أن تسمح بدخول الأدوية له، بل و[لها سلطة] مراقبة السجون".

لكن طلبات المحامين وبلاغاتهم كانت تُقابل بالصمت، لدرجة دفعتهم لعرض طلباتهم شفهيًا في إحدى جلسات تجديد حبس جعفر، لكن بلا استجابة أيضًا، رغم أن ما طلبوه كانت أمورًا في بساطة نظارة طبية، وبعض الأدوية، ووقف التعنت والمعاملة السيئة بحق موكلهم؛ ما جعل عبدالراضي يصف الأوضاع في نيابة أمن الدولة بـ"الصعبة جدًا".

ظهر هشام جعفر في نيابة أمن الدولة للمرة الأولى، بعد يومين من اختفائه قسريًا، في أعقاب إلقاء القبض عليه من مقر المؤسسة التي يمتلكها ويديرها "مدى للتنمية الإعلامية"، في أكتوبر/ تشرين اﻷول 2015، حين داهمتها قوة من جهاز الأمن الوطني (أمن الدولة سابقًا).

وفي النيابة وُجِّهَت للصحفي اتهامات منها "الانضمام لجماعة الإخوان المسلمين، وتلقي رشوة دولية"، لكن محاميه كريم عبد الراضي، يقول إنه وزملائه في هيئة الدفاع لا يعرفون ولو دليلاً واحدًا على الاتهامات الموجهة له "ﻷنها مرسلة لم نر عليها دليلاً أو أوراق".

مُناشدات الإفراج عنه أو توفير الرعاية الصحية له لم تقتصر على محاميه وصحفيين أو زوجته وجهات حقوقية محلية، بل انطلقت من جهات دولية كان آخرها "هيومن رايتس ووتش"، التي طالبت مصر، في بيانها، إما بتوفير الرعاية الصحية للصحفي الذي أكمل في أكتوبر/ تشرين الأول 2017 عامين من الحبس الاحتياطي، أو السماح له بالحصول عليها في مرافق صحية خاصة.

حاولت "المنصّة" التواصل تليفونيًا مع الدكتورة منار الطنطاوي،  زوجها هشام جعفر، إلا أن هاتفها كان مُغلقًا حتى لحظة نشر هذا التقرير. لكنها قالت في تصريحات إعلامية سابقة إن زوجها  "يُعاني ضمورًا في العصب البصري للعين، الذي يتطلب رعاية متخصصة مستمرة، وإلا سيتعرض إلى خطر فقدان بصره بالكامل. وتضخم البروستاتا التي تهددها مضاعفات، ما لم يُعالج".

و"انتهاكات" أكثر

في بيان منشور، وصفت مديرة قسم الشرق الأوسط في منظمة هيومن رايتس ووتش، سارة ليا وتسن، الإحجام عن علاج جعفر، بأنه "دليل محزن على تجاهل السلطات المصرية أهم حقوق المحتجزين".

سبق وأن وثّقت منظمات حقوقية من بينها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، تردّي مستوى الرعاية الصحية في السجون المصرية، رغم كونها مكفولة للمحبوسين احتياطيًا والسجناء المدانين بقوة نصوص عديدة، منها قانون تنظيم السجون المصري رقم 396 لسنة 1956، والقواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، "ما يجعل من الإحجام عن تقديمها، انتهاكًا لحق أصيل من حقوق الإنسان والسجناء".

ويتحدث المحامي كريم عبد الراضي، عن عدم توفير الرعاية الصحية، باعتباره من "الانتهاكات الكثيرة جدًا" المرتكبة بحق هشام جعفر، منذ لحظة القبض عليه، والتي كان منها "إخفائه قسريًا ومنعه من التواصل مع محاميه، وظهوره في نيابة أمن الدولة دون علمهم، وحرمانهم [فريق الدفاع] من حضور التحقيق معه أو الاطلاع على أوراق القضية حتى الآن".

 

هيومن رايتس ووتش تنتقد التعامل مع الحالة الصحية لهشام جعفر- المصدر: حساب المنظمة على تويتر

"هشام كمحبوس احتياطيًا، يفترض أن حقوقه أكثر من الممنوحة للمدانين، ورغم هذا هو مودع في سجن شديد الحراسة" يقول المحامي الحقوقي عن واحد من "الانتهاكات" الواقعة على موكله، حيث "يحرمه من إجراء جراحة في البروستاتا بمستشفى قصر العيني حتى الآن، تأخُّر المأمورية التي تنقله من السجن إليها كل مرّة عن الموعد المُحدد للجراحات".

قضى جعفر بعضًا من الوقت في المستشفى، لكن تم ترحيله إلى السجن "ﻷنه طالب الضباط بمعاملة آدمية"، وفقًا لما يذكره محاميه. وخلال تواجده في "العقرب" سمحت له مصلحة السجون فقط بتلقي الفيتامينات والعقاقير التي يحتاج إليها، وذلك بشكل متقطع، بعد حظرها تماما أول شهرين من احتجازه، وفقًا لما ذكرته هيومن رايتس ووتش.

لدواعٍ صحية

لا يتوقف محامو هشام جعفر  ومنظمات حقوقية عن المطالبة بإخلاء سبيله لدواع صحية، خاصة وأنه غير مُدان حتى الآن، لكن الرفض غير الموضح أسبابه، يكون الرد الوحيد على هذه الطلبات.

لهذا، تطالب هيومن رايتس ووتش الآن بأن ينظر قاضٍ فورا في ضرورة وشرعية احتجاز جعفر، وإما أن يحيله إلى المحاكمة دون تأخير إضافي أو يُفرج عنه، خاصة وأن سجن العقرب سبق وأن وُجَّهت له انتقادات حقوقية كثيرة، بلغت حد وصف الإيداع فيه بـ"حياة القبور".

لكن المحامي الحقوقي كريم عبد الراضي، يتوقع عدم إحالة ملف القضية للمحاكمة قبل أكتوبر/ تشرين الأول 2017، حين تكمل مدة حبس موكله احتياطيًا العامين، ﻷنه يرى أن هذا الحبس الذي "لم يشهد أي تحقيقات على مدار شهور إلا في أول جلستين فقط، قبل أن تصبح بقية الجلسات للتجديد"، ليس إلا "مجرد إجراء عقابي" ضد الصحفي هشام جعفر، لاسيما بعد انقضاء أكتوبر وقُرب عام 2017 من نهايته، دون إحالة القضية للمحاكمة، والاستمرار في حبسه احتياطيًا.