موسيقى الثمانينات مع ملوك الحصريات

منشور الاثنين 29 مايو 2017

مثل آباء عديدين في جيلي، عندما بدأت ابنتي تلتفت للأصوات وتُميِّزها، وجدت بي شغفًا لإسماعها الأغاني التي تربيت عليها. وككل أبناء جيلي، كان الإنترنت هو ملجأي وملاذي للبحث عن الأغاني القديمة.

أعددت في ذهني قائمة، وجلست أمام شاشة اللاب توب أبحث عن محتوياتها. كانت القائمة مليئة بأسماء الأغاني والألبومات. على رأس القائمة كان عبد المنعم مدبولي، الممثل والمغني ومخرج المسرح الشهير الذي قدم العديد من الأعمال للأطفال، من بينها ألبومات غنائية كاملة، لا تقف عند تسجيلات حفلات أعياد الطفولة التي كان يغني فيها، ومنها ألبومي "واك واك" و"عشان تعرف اسأل". لم أجد أثرًا للألبومين، بينما وجدت انتشارًا واسعًا لألبومه الاشهر "توت توت".

الاكتشاف قادني للبحث عن المزيد من الألبومات، لا لشغف مشاركة ابنتي فيما ألفته فقط، ولكن للاطمئنان على أن جزء كبير من تاريخي الشخصي الذي اشترك فيه مع عشرات الألوف من مواليد الثمانينات وما قبلها، لا يزال له أثر في غير ذاكرتنا. ووجدت من البحث أن العديد من ألبومات الطفولة قد اختفت تماما وبلا أثر: ألبوم بوجي وطمطم الذي غناه الراحل يونس شلبي وهالة فاخر، وألبوم اللعبة للفنانة نيللي، الذي لم يبق منه إلا مقطع غير كامل بجودة سيئة على يوتيوب وغيرها الكثير.

زمن خارج الزمن

حمى البحث سيطرت عليّ للبحث عن مزيد من الإصدارات الغنائية التي يعود تاريخها إلى الفترة من منتصف السبعينات وحتى منتصف التسعينات، وهي الفترة التي كانت فيها شرائط الكاسيت هي الوسيط الوحيد تقريبًا –بخلاف انتجات قليلة على أشرطة الفيديو-  لحفظ وتوزيع الموسيقى.

هذه الفترة تميزت بغزارة الانتاج، سواء على مستوى الغناء شبه الرسمي main stream أو الشعبي. هذا الإنتاج كثيره لم يُسجّل ويجد طريقا إلى الإنترنت على الإطلاق، أو جرى نقله على يد مجموعات من المخلصين، الذين حرصوا على توفيره لفئة محدودة عبر اشتراكات على بعض المنتديات.

غزارة الانتاج والتسارع التكنولوجي ليسا عاملين وحيدين في غياب الكثير من هذا التاريخ الغنائي، بل يشاركه تحكُّم ذائقة معينة في أمزجة من لديهم الموارد المطلوبة لرقمنة هذا الإنتاج الموسيقي، وتحويله إلى صيغة قابلة للتداول عبر الإنترنت. خاصة وأن وسائل الإعلام والظروف السياسية في مصر قبل 2011، كانت دومًا تدعم وجود أشكال معينة من الغناء والموسيقى وتغض البصر عما عداها. وظلت أشكالا موسيقية كثيرة "مغضوبًا عليها"، تنتشر بين طبقات أو دوائر محدودة، كبعض أشكال الغناء الشعبي، ومحاولات مبكرة لغناء الراب والهيب هوب بالعربية.

لكن ما يفوق هذه الأسباب مجتمعة، هو الإهمال. فكثير من الانتاجات "غير المغضوب عليها" والتي كانت منتشرة جدًا خلال تلك الفترة الزمنية، لا تزال مفقودة وغائبة عن الإنترنت، ويجتهد البعض لإيجادها وإتاحتها. لكن دون هذه المجهودات الفردية المحدودة التي تتحكم فيها طبعًا الذائقة الشخصية؛ لا تجد منتجات موسيقية ظهرت خلال هذه الأعوام العشرين طريقها لآذان جديدة، ولا حتى للآذان التي ألفتها.

يمكن أن نقول إذن، أننا مواليد الفترة من منتصف السبعينات حتى التسعينات، وجدنا تاريخنا الموسيقي وقد سقط من التاريخ، وأننا فقدنا إرثنا الفني، خاصة الموسيقي منه.

الخسارة ليست شخصية فقط، لكنها خسارة فنية أيضًا، فهذه الفترة بالذات تميزت بالتنوع الشديد في الإنتاج الموسيقي، ليس فقط على مستوى تطور الآلات والانفتاح على ألوان محلية وعالمية مختلفة من الموسيقى، ولكن كذلك فى طريقة حفظ واقتناء الإنتاج الموسيقي، وعلى مستوى تعامل كل من الدولة وأصحاب الفن والمتلقين من الجمهور مع هذه الأعمال.

مأساة "المراحل الانتقالية"

 

شريط الكاسيت مثّل نقلة مهمة في الإتاحة، فالاستماع إلى الموسيقى قبل شريط الكاسيت كان لا يخضع -غالبًا- لرغبة المتلقي "المستمع". من أراد الاستماع للموسيقى، إن لم يكن يملك جهازًا مرتفع الثمن للاستماع إلى الاسطوانات والبكرات الممغنطة، عليه أن ينتظر أن يمنحه الراديو أو التلفزيون الأغاني، وقتما يريد مخرج الهواء أو معد البرنامج الإذاعي.

ولكن مع ظهور أجهزة الكاسيت "رخيصة الثمن نسبيًا" ومعها شرائط الكاسيت الممغنطة، التي لا تقارن أسعارها بأسعار الاسطوانات والبكرات الممغنطة، صار المتلقي، بنقود قليلة، قادرًا على الاستماع إلى ما يحب وقتما يحب.

لهذا كان شريط الكاسيت والفيديو كوسيطين، بالغي الأهمية، وشكلا نقلة ثقافية في أشكال التلقي والتعاطي مع المنتج الفني، وخاصة الموسيقى، ما أتاح المزيد من الأشكال الموسيقية، وضمن وصولها لجماهير عريضة وأكثر تنوعًا، بعيدًا عن خيارات الأجهزة الحكومية التي تدير قطاع الإذاعة والتلفزيون، مالك الهواء والمتحكم فيما يستمع إليه الناس خلال تلك الفترة قبل ظهور الدش.

النتيجة: إنتاج ضخم متنوع، لم يخلق آلية للحفظ والأرشفة تكفل انتقالا سلسًا نحو عصر الرقمية.

فمع انتشار الإنترنت القادر على حمل كل الفنون بكل أشكالها السمعية والبصرية، وجدناه شبه خال من ميراث جيلنا لأنه لم يكن هناك مشروع منظم، ولو حتى من أفراد غير رسميين، يحمل أمانة الحفاظ على هذا التراث الفني.

خدش السطح

ماسبيرو، المؤسسة الرسمية التي كانت شبه مسؤولة عن حفظ التراث المرئي والمسموع في مصر طوال الأعوام الستين الماضية، فقد كثير من مكتبته سواء عن عمد أو بالإهمال، وبوسائل لا داعي للخوض فيها، فقد كُتبت فيها عشرات المقالات والتحقيقات الصحفية.

عند البحث عن ما يقدمه ماسبيرو من جهود لإتاحة التراث، وجدت  صفحة الإذاعة والتلفزيون على اليوتيوب، وهالني الفقر الشديد في المادة المتاحة عبرها بالمقارنة بحجم الإنتاج الهائل الذي قدمه الاتحاد والشركات التابعة له وعلى رأسها "صوت القاهرة" خلال العقود الماضية.

فترة الثمانينات بالذات شهدت إهدارًا شديدًا لما سُجِّل فيها، ويظهر هذا عبر قناة ماسبيرو المشار إليها. وما يتبقى منها الآن هو بعض الكتابات والتسجيلات القليلة التي انتشرت على الإنترنت وعبر بعض الفضائيات بجهد من أبناء هذا الجيل، نتيجة لعيشهم حالة من النوستالجيا شبه الدائمة.

لكن هذه الكتب والتسجيلات والبرامج تكتفي بخدش سطح الذاكرة، ربما لاستعادة مشاعر وأمان الطفولة. لكنها لا تقترب حتى من تقديم تسجيل أمين لتعدد أوجه ومستويات واتجاهات الإنتاج الفني المسموع خلال تلك الفترة.

في ذيل الأمم

على العكس مما يحدث في مصر، تهتم دول العالم بحفظ تراثها مهما بدا غير جماهيري، فهو حق للأجيال، ولهم أن يقرروا وفق ذائقتهم إن كان هذا التراث يستحق التعرض له أم لا.

المكتبة الوطنية الألمانية ببرلين تحتفظ بأكبر قدر ممكن من موسيقى البلد، كما يوجد فرع للمكتبة يعمل على أرشفة وحفظ المنتجات الثقافية والفنية الأخرى للدولة.

دول أخرى عديدة لا تقل عن ألمانيا في الحرص والاستدامة في حفظ التراث، مثل روسيا وكندا والصين وأمريكا بمكتبتها الأهم: "الكونجرس" التى تعد من أكبر المراجع فى الثقافة والفن للعالم. بينما مصر بما فيها من "دار الكتب والوثائق القومية" و"مكتبة الاسكندرية"؛ فإما فقدت كثير من تراثها بلا رجعة تقريبًا، أو لا تزال غير قادرة على رقمنته وحفظه والأهم: إتاحته.

سؤال الرقابة

 

أين ذهب الانتاج الفني الذي رفضته الرقابة؟

بمراجعة قانون تنظيم الرقابة على الأشرطة السينمائية والأغاني – رقم 430 لسنة 1955 وتعديلاته، واللائحة التنفيذية له المجددة بقرار رئيس مجلس الوزراء 162 لسنة 1992   وجدت أن الألبومات الموسيقية يتعين على منتجيها الحصول على موافقة جهاز الرقابة على المصنفات الفنية، حتى يُسمح لهم بطبعها وتوزيعها سواء على شرائط كاسيت أو فيديو أو حتى على اسطوانات مدمجة.

وجدتني أتساءل، وماذا عما رفضته الرقابة؟ أين ذهب هذا الإنتاج. وإن كانت هذه الجهة مخولة بنص القانون بتلقي الإنتاج الفني المسموع والمصور في مصر، فهل تقوم بحفظ هذا الإنتاج الذي يرد إليها بأي شكل أو صيغة؟

بحثت عن صفحة أو موقع خاص بجهاز الرقابة على المصنفات الفنية، أو جمعية المؤلفين والملحنين التي تملك سلطة تكاد تماثل سلطة الرقابة، فلم أجد لأيهما بيانات مسجلة يمكن الاطلاع عليها حتى نعرف ما تم حفظه بهذه المؤسسات.

لا توجد جهة واحدة رسمية حاولت رغم الإتاحة التكنولوجية المتوفرة لديها أن تنشئ مكتبة رقمية ذات تكلفة هزيلة على الإنترنت، أو حتى مكتبة حقيقية على أرض الواقع لحفظ أرشيفها أو ما تبقى منه، بدلاً من إعدام الشرائط المكدسة في مخازنها بعد إجازتها أو منعها رقابيًا، كما حاولت هيئة الرقابة على المصنفات الفنية، التي تملك أكداسًا من ألبومات الأغاني والمسرحيات والأفلام والمسلسلات.

أبناء شيوع.. ثم احتكار المعرفة

 

وبعيدًا عن الأجهزة الرسمية،  فإن الجيل الذى تربى فى هذه الفترة الزمنية وعاصر فن هذا الوقت وتمكن من الاحتفاظ به بأي شكل، سواء على شرائط كاسيت أو تسجيلات الفيديو كاسيت ليستمتع به بشكل شخصي، وجد فرصة في مشاركة هذا التراث عبر المنتديات مع بداية الألفية وانتشار الإنترنت على استحياء أولا، ثم بشكل متسارع .

في مطلع الألفية وحتى عام 2008 تقريبًا –أعتمد في هذا على ذاكرتي- كانت المنتديات مساحات حميمة لمجموعات متزايدة من مواليد نهاية السبعينات وحتى نهاية الثمانينات في البلاد العربية، وخلقت منصات لمشاركة المواد الفنية.

ومع الوقت أصبحت المواد الفنية التي بحوزة الأفراد هي المصدر الأول –ربما الوحيد- للحصول على الإنتاج الفني للفترة المعنية، بصورة رقمية عبر الإنترنت.

ورغم انتقال كثير من الإنتاجات المتاحة عبر هذه المنتديات إلى منصات ومواقع مفتوحة، إلا أن هذه المنتديات لا تزال مرجعًا، ويضاف إليها الكثير من الانتاجات الموسيقية، سواء تلك التي ترجع للفترة من منتصف السبعينات إلى منتصف التسعينات، أو حتى التي تعود إلى فترات زمنية أقدم، كمنتدى سماعي الذي يكاد يكون أهم مصدر للغناء العربي القديم على الإنترنت.

لكن طريقة الوصول لهذه المنتديات والحصول على المواد المتاحة عبرها، تشترط المشاركة وتسجيل العضوية، وموافقة المشرفين على انضمام جماهير جديدة إليها. بالإضافة إلى اشتراط كتابة الردود أو تحقيق عدد معين من المشاركات حتى يمكنك الاستماع، أو الحصول على نسخة من المواد المتاحة عبرها، وصارت عبارة "مشكور" المتكررة في المنتديات التي يكتبها مشتركون لمجرد رؤية الملفات المخفية مثار سخرية.

بل وتذهب بعض المنتديات حد وضع تراتبية للعضوية، بحيث لا يمكن حتى لعموم أعضاء المنتدى الوصول للمواد، بل ينغي دفع اشتراكات، أو تحقيق مشاركات تكفل لهم الترقية إلى عضو مميز أو ذهبي، إلى آخر هذه المسميات، حتى يتمكنوا من الوصول للمواد الفنية المتاحة لقلة نادرة في المنتدى.

فإذا بفكرة ديمقراطية المعرفة ونشرها اللتان قامت عليهما منصة تشاركية كالمنتديات، تتحول إلى هيراركية "بناء هرمي" لاحتكار المعرفة بين قلة من الأفراد.

الأمر الأكثر تعقيدًا، هو أن من يقومون بإضافة هذه المواد الفنية على المنتديات أو غيرها من المنصات يتولد لديهم وهم بأنهم أصحاب حقوق في العمل وليسوا مجرد مستخدمين له "مستمعين" توفرت لهم مزية اقتناء نسخة من العمل. فيلاحقون من يقوم بنقل الأعمال الفنية لمنصات أخرى مفتوحة مثل يوتيوب أو ساوند كلاود، أو يضيفون أسمائهم بخطوط عريضة تشوه الأعمال الفنية أو الأغلفة التي تشكل جزءًا من هوية الألبوم الموسيقي.

                                           

غلاف ألبوم

فى المقال السابق عن الفنان سيد إمام أضفت صورة غلاف لأحد البوماته، عند البحث لم أجد غلاف الألبوم بصورته التي صدر عليها، وكانت النسخة الوحيدة المتاحة مضافًا إليها اسم المنتدى، وهناك أغلفة عديدة للألبومات تظهر بالكاد على الإنترنت، ويكون مضافًا إليها أسماءً حقيقية أو مستعارة لمن قاموا برفعها.

وهذا على كل حال، أفضل ممّن يصل شعوره بملكية الأعمال الفنية التي تحصّل على نسخة منها، إلى حد منعها عن غيره من الناس، فلا يتيحها على الإنترنت حتى لا يستمع إليها أو يشاهدها غيره، أو يتيحها فقط لأفراد معدودين، مثل الأعضاء "البلاتينيين" في المنتدى.

فى منتدى "سونار" أشهر منتدى لموسيقى فترة الثمانيات والتسعينات، تكررت هذه الممارسات، والأكثر من هذا أن المنتدى توقف لفترة طويلة قبل وفاة مؤسسه عن تلقي طلبات عضويات جديدة، وصار مغلقًا على من أسعدهم الحظ بالانضمام إليه قبل هذا القرار.

ولما توقف المنتدى بعد وفاة مؤسسه، أنشأ أعضاء كانوا فيه منتديات جديدة على نفس الشاكلة، مثل منتدى حصريات ومنتدى ذهبيات وغيرها. فلما تمكنت من الانضمام؛ كان علي أن أكتب الكثير من عبارات الشكر والتحيات لملوك الحصريات حتى أتمكن من رؤية روابط الملفات الموسيقية والحصول عليها. ومن فترة عاد منتدى سونار الذي خرجت من عباءته كل هذه المنتديات، لكنه ظل يصدر لي شاشة الاعتذار عن قبول عضويتي نظرًا "لإيقاف التسجيل حتى إشعار آخر".

خارج المنتديات الأمر أهون قليلاً، فبعض محبي الموسيقى يقومون بوضع مقتنياتهم في صورة رقمية على يوتيوب أو ساوند كلاود ليتداولها الجميع بحرية دون اشتراكات أو مناصب للعضويات. وهناك محبين للموسيقى كذلك قاموا بعمل صفحات متداولة للجميع وبأسماء عامة، مثل مجموعة "أغاني الزمن الجميل وهم غير مهتمين بنسب الفضل لأنفسهم في إتاحتها للسامعين.

صحوة المنتجين

مع انتشار معلومة أن  زيادة مرات المشاهدة والاستماع وأعداد المشاركين على يوتيوب تنتج ربحًا ماليًا، بدأت بعض شركات الإنتاج التي خرجت عنها معظم ألبومات السبعينات والثمانينات والتسعينات تتنبه لإتاحة إنتاجها الفني عبر يوتيوب، خاصة مع انقراض شرائط الكاسيت تقريبًا والركود الكبير في مبيعات تلك الشركات، فسهلت لهم التكنولوجيا نقل إنتاجهم لصورة رقمية وإتاحته عبر يوتيوب.

من أبرز الشركات التي اقدمت على هذه الخطوة، شركة صوت الحب التي تحوي قناتها على يوتيوب ما يقرب من الألف مشاركة، معظمها  تسجيلات أوديو "صوت فقط" لألبوماتها. وأضافت الشركة أسماء المؤلفين والملحنين إلى الأعمال المنشورة.  وأيضًا شركة صوت الدلتا التي نشرت قناتها أكثر من 700 فيديو أغلبها تسجيلات أوديو لإنتاجها الفني.

شركة الوادي للتسجيلات الموسيقية الجأت لإتاحة المواد التي آلت لملكيتها بعد شراء شركة الأندلس للتسجيلات عبر يوتيوب. وشركة الأندلس كانت من أهم شركات انتاج الألبومات الشعبية خلال الثمانينات والتسعينات. 

وبعيدًا عن جهد المنتجين، تنبه فنانون، خاصة المستمرين منهم منذ الثمانينات حتى الآن ،لضرورة إتاحة أعمالهم على يوتيوب،  واستثمروا قاعدتهم لجماهيرية العريضة المستمرة منذ الثمانينات وحتى يومنا هذا في إتاحة أعمالهم ورفعها على يوتيوب وساوند كلاود. لهذا يسهل أن تجد الأعمال الكاملة لعمرو دياب ومحمد منير ومحمد فؤاد وعلى الحجار ومدحت صالح، التي أضافها معجبوهم ومحبوهم من مختلف الأجيال.

كذلك أدرك المؤلفون والملحنون أهمية حفظ إبداعهم في مكان واحد حتى يتداوله الناس، ومنهم الموسيقار الدكتور محمد الشيخ الذي رحل منذ شهور، الذي كان همه فى سنواته الأخيرة أن يحفظ كل أعماله ويتيحها إلكترونيًا فقام بعمل صفحة تحتوى على عناوين كل أعماله.

وكذلك قام بعمل صفحة يوتيوب وضع بها الكثير من إنتاجه، لكن لم يمهله الوقت ليضع أعماله كلها، وكان بصدد إنشاء موقع إلكتروني خاص به يجمع إنتاجه الفني. وحالفني الحظ بالاطلاع على النسخة التجريبية للموقع الذي اختفى برحيل صاحبه عن دنيانا.

يوجد أيضًا صفحة خاصة لأعمال الملحن جمال لطفي، تحوي الكثير من أغانيه. ويحرص بنفسه على تحديثها وإضافة الجديد لها باستمرار.

موقع ساوند كلاود أتاح لبعض الفنانين عمل صفحات شخصية، رفعوا عليها موسيقاهم وأغانيهم مثل صفحة الموسيقار مودى الإمام التي ينشر عليها أعماله قليلة التدوال ليزيد من المطلعين عليها ومستمعيها. وكذلك الفنان  مدحت الخولي الذي أضاف لحسابه الشخصي على ساوند كلاود ما غناه وألفه ولحنه ووزعه خلال مسيرته الفنية.

أخيرًا، لا أرى أن الأوان قد فات لإنقاذ المتاح من إنتاج فني موسيقي صدر خلال المرحلة الفنية الانتقالية الممتدة من منتصف السبعينات وحتى منتصف التسعينات، حتى وإن كنا قد فقدنا الكثير بالفعل من إنتاج هذه الفترة.

لكننا بحاجة إلى مشروع متكامل، قد يكون مدعومًا من جهة رسمية أو مستقلة، ينظم جهود الأفراد والهيئات المهتمة لجمع ورقمنة وإتاحة أرشيف هذه الفترة عبر منصة معروفة ومفتوحة، تتاح للجميع دون قيد أو شرط، فالفن للجميع، لا لفئات محدودة ومُحتَكِرة.