"البرميل المثقوب".. تفنيد أساطير الحكومة حول تعويم الجنيه

منشور الأربعاء 16 نوفمبر 2016

"الأهم هو العمل على محاربة خروج رؤوس الأموال، بأشكال ولأسباب غير مشروعة" واحدة من التوصيات التي طرحتها ورقة بحثية صادرة عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، لتفنيد ما روجت له الحكومة المصرية تمهيدًا لقرار تعويم الجنيه، الذي صدر في نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، وحصلت بعده على الشريحة الأولى من قرض صندوق النقد الدولي.

ودفعت الورقة البحثية، التي أعدتها الباحثة بوحدة العدالة الاقتصادية والاجتماعية بالمبادرة المصرية، سلمى حسين، بخطأ ثلاث "أساطير" حكومية، ترددت قبل قرار التعويم ولا تزال، وهي "أزمة الدولار وربطها بالاحتجاجات السياسية التي بدأت مطلع عام 2011، والسيناريوهات الوردية لما بعد تعويم الجنيه، وعدم وجود بدائل للتعويم".

وتقول الورقة البحثية، التي نظمت المبادرة اليوم الأربعاء حلقة نقاشية حولها، إن تشخيص الحكومة "السيء" للأزمة الاقتصادية، أدى إلى تبني التعويم، على الرغم من آثاره "السلبية الفادحة"، كما قدمت الورقة سياسات بديلة للتعامل مع "خروج رؤوس الأموال من مصر" الذي اعتبرته السبب الحقيقي للأزمة.

وقالت الباحثة، خلال الندوة، إن الوضع في ظل الخروج المتكرر للأموال من مصر أصبح شبيهًا بـ"البرميل المثقوب" الذي لابد من سدّه.

الثورة بريئة من الأزمة الاقتصادية

حمّل كثيرون مسؤولية الأزمات الاقتصادية الحالية لثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011 وما تلاها من احتجاجات؛ لكن الورقة البحثية كشفت- استنادًا لبيانات البنك المركزي المصري- أن مصر حققت زيادة صافية في العائدات الدولارية، خلال الأعوام الثلاثة الأول التالية للثورة تقدر بأكثر من 14 مليار دولار، على العكس مما ساد من خطاب حكومي، تبنته أيضًا بنوك الاستثمار، حول نقص الموارد الدولارية.

وأفادت الورقة البحثية بأن الفترة بين عامي 2011 و2013، شهدت زيادة في تدفق الدولار من مصادر مثل "الاستثمار الأجنبي، والصادرات، وتحويلات العاملين في الخارج" بواقع 15.4 مليار ؛ لتغطي التراجع في عوائد "السياحة وقناة السويس" الذي بلغت قيمة  0.9 مليار دولار خلال تلك الفترة.

وتشير الباحثة إلى أنه رغم تلك الزيادة خلال العامين الأولين من الثورة، شهدت الاحتياطات الدولية نزيفًا فقدت خلاله أكثر من 20 مليار دولار، لتقف عند 15.5 مليار دولار في مايو 2012.

واستنادًا للمعلومات السابقة، طرحت الورقة البحثية تساؤلين حول سبب لجوء حكومة "شفيق" و"الإخوان" من بعدها إلى طلب قرض من صندوق النقد الدولي، وإلى زيادة الاقتراض الخارجي، على الرغم من زيادة الموارد الدولارية؟ وحول سبب انخفاض الاحتياطات الدولية لدى البنك المركزي؟ وكانت الإجابة هي "هروب كمٍ أكبر من الدولارات خارج البلد".

 

طلب القروض الخارجية استمر في عهد حكومتي شفيق والإخوان

وكشفت الورقة أن أكبر نزوح للدولارات خارج البلاد، جرى في فترتين (2010/ 2011) و(2012/ 2013). وكان مجموع ما خرج من مصر، خلال تلك الفترة في شكل استثمارات وتحويل أرباح فقط 42.8 مليار دولار. (ثلاث أضعاف كل الإيرادات القياسية التي دخلت البلاد بعد الثورة).

ومن الأمثلة الشهيرة على خروج الأموال بطريقة مشروعة، كان انتقال مجموعة أوراسكوم للصناعة والبناء- وبموافقة الحكومة- إلى خارج مصر، في أعقاب الثورة، وهو ما ترتب عليه خروج حوالي 1.6 مليار دولار في صفقة واحدة، ما اعتبرته الورقة البحثية أمرًا يعكس سياسات "وضعت اللبنة الأولى لأزمة الدولار"، والتي يلقى فيها باللوم على البنك المركزي والحكومات المتعاقبة.

وتشير الورقة إلى خروج آخر للأموال من مصر، لكنه غير مشروع واستمر دون إجراءات حكومية رادعة له، لترتفع قيمته في 3 أعوام فقط- كما بدا في بند السهو والخطأ في ميزان المدفوعات بالموازنة العامة- من 0.9 مليار دولار عام 2013/ 2014، إلى 4 مليارات دولار في عام 2015/ 2016.

واستعرضت الورقة الوضع الاقتصادي بين عامي 2013 و2016، وقالت إنها الفترة التي شهدت تفجر "أزمة الدولار" والانخفاض في الموارد الدولارية، إذ بلغت قيمة الانخفاض في المتدفق للبلد من مصادر مثل "قناة السويس، والسياحة، والصادرات، وتحويلات المصريين بالخارج"، 10.3 مليار دولار.

في المقابل، ارتفعت مصادر أخرى مثل "الاستثمار الأجنبي المباشر، والقروض الخارجية"، بقيمة بلغت 9.5 مليار دولار، ما يعني أنه حتى هذا الانخفاض لم يكن بتلك "القسوة" التي انعكست على سعر الصرف، إذ يبلغ الفارق بين الرقمين 0.8 مليار دولار فقط.

ولفتت "حسين" إلى أن اعتماد مصر عام 2012/ 2013، على الاقتراض الخارجي قصير ومتوسط الأجل، رفع تكلفة خدمة الدين، لتبلغ 17.6 مليار دولار خلال العام 2016/2015، مشيرة في ورقتها البحثية إلى "تبخر" هذه القروض، بسبب "الهروب المتواصل للأموال خارج البلاد، أو المشروعات القومية غير المدروسة جيدًا على الأقل".

عهد التعويم "الوردي"

وهذه ثاني "الأساطير" المرتبطة بقرار تعويم الجنيه، التي فندتها الباحثة سلمى حسين، إذ دارت الأقاويل الحكومية خلال فترة الدعاية لقرار التعويم، حول أنه سيؤدي لاستقرار سوق النقد الأجنبي؛ ومن ثم توافد الاستثمارات الأجنبية ويتبعها انخفاض سريع في سعر الدولار مقابل الجنيه.

واستندت الباحثة في الدفع بخطأ تلك الأقاويل إلى عدة أمور، أولها "فترة عدم الاستقرار"، التي تقدر عادة بـ6 شهور، قائلة إن التجارب الدولية تشير إلى أن التعويم تعقبه فترة من عدم استقرار سوق النقد الأجنبي، تشهد صعودًا مبالغاً فيه في قيمة الدولار، نتيجة مقاومة السوق السوداء.

 

تعرضت عدة مكاتب صرافة لحملات أمنية في إطار محاربة الحكومة للسوق السوداء

ونوهت الورقة البحثية إلى أن تلك الفترة، التي يمكن أن تمتد لعامين في حالة وقوع تضخم، يكون مستبعدًا فيها تدفق رؤوس أموال أجنبية للسوق المحلية، إذ ستفضل الانتظار حتى استقرار سوق النقد الأجنبي.

وأشارت الورقة إلى سبب آخر هو سياسات الاقتراض "غير الرشيدة"، التي جعلت كل قيمة الاحتياطي النقدي بالبنك المركزي "عبارة عن كومة من القروض الخارجية"، يستحق جزء كبير منها السداد خلال العامين المقبلين، ما قد يفرض على مصر المزيد من الاقتراض الخارجي، فيصبح الوضع انتقال من أيدي دائنين إلى أيدي دائنين آخرين، فتواصل قيمة الجنيه انخفاضها.

أما الأسباب الخارجية للدفع بخطأ مقولة "الدولار ينهار" ، فكان على رأسها أن هذه العملة تحديدًا ترتفع أمام معظم العملات في العالم كله، وذلك منذ عامي 2014 و2015، حين تبنت الولايات المتحدة سياسات نقدية لدعم الدولار في الأسواق العالمية.

 قشّة الغريق

رفضت الورقة البحثية،  القول بعدم وجود بديل للتعويم على المدى القصير، بل ورأت في هذا القرار "خيارًا سيئًا"، لأنه لا يعالج سبب ندرة الدولار، وهو هروب الأموال إلى الخارج.

وحذرت الباحثة الاقتصادية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، من استمرار الاقتراض، من أجل توفير العملة الصعبة، بالتوازي مع استمرار هروب الأموال إلى الخارج، طالما بقيت أسباب عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وطالما بقي التجنب الضريبي مزدهرًا عبر الملاذات الضريبية؛ ليبقى الدولار شحيحًا، ومن ثم يرتفع ثمنه.

واقترحت "حسين" للقضاء على تسريب الدولارات خارج مصر سياسات بديلة تتمثل في فرض قيود مؤقتة وفعالة على أكثر الأشكال ضررًا لخروج رؤوس المال وتهريب الأموال، عن طريق "فرض ضرائب باهظة على خروج ما يسمى برؤوس الأموال الساخنة*، ووضع قيود على خروج الاستثمارات، ووضع حوافز ضريبية للشركات التي تحتفظ بما لا يقل عن نصف أرباحها لإعادة استثمارها داخل مصر أو فرض إعادة استثمار نصف الأرباح في قانون الاستثمار".

وكان من بين المقترحات "فرض ضرائب على الشركات التي تملك فروعًا في ملاذات ضريبية أو يتخذ مؤسسوها من الملاذات الضريبية مقرًاّ لهم، والانضمام إلى قاعدة بيانات الدول التي تتبادل آليًاّ المعلومات البنكية عن انتقال الأموال، ومحاربة تحويل الأرباح إلى الخارج، وتأسيس لدولة القانون ومحاسبة الفاسدين في القطاعين الحكومي والخاص".

اقرأ أيضًا: تعويم الجنيه.. رابح وحيد وخاسرون بالجملة


* الأموال الساخنة: رؤوس الأموال التي تتدفق من دولة إلى أخرى، لكسب فائدة بسيطة على سعر الفائدة لتغيير سعر الصرف، ومن ثم تعاود الخروج بسرعة، وينتشر العمل بها في البورصة.