مُتَرجَم | أهمية ماركس في القرن الواحد والعشرين

منشور الثلاثاء 16 أغسطس 2016

مارك مازوار

عن فايننشال تايمز


واحد من أبرز الإنجازات الأكاديمية الهامة في القرن الماضي كان نَشْر الأعمال الكاملة لكارل ماركس ومعاونه فريدريك إنجلز، هذه العملية التي بدأت في المكتبة البريطانية قبل الحرب العالمية الأولى، حين بدأ مهاجر ماركسي روسي يدعى ديفيد ريازانوف في جمع بعض مقالات ماركس الصحفية.

ولكن بداية المشروع الحقيقية كانت في العشرينيات من القرن العشرين في معهد ماركس-إنجلز الذي أنشأه ريازانوف، وبعد توقف طويل، أحيي مجددًا في السبعينيات عن طريق سلطات ألمانيا الشرقية والاتحاد السوفييتي. بعد عام 1989 استمر المشروع بتمويل من حكومة ألمانيا الموحدة حديثًا، وعندما اكتمل، كانت النسخة الكاملة مكونة من أكثر من مائة مجلد، ولم تضم فقط كتابات ماركس وإنجلز ومراسلاتهما، وإنما الرسائل الموجهة إليهما، بالإضافة إلى مسوداتهما وغيرها من الأوراق غير المكتملة. ويُقزّم هذا المشروع بقية مجموعات الأعمال المنشورة للكاتبين، ومن ضمنها الأعمال الكاملة المنشورة بالإنجليزية التي تتوقف عند خمسين مجلدًا.

ومن المصادفات الغريبة أن أفول الشيوعية في أنحاء أوروبا حدث في العصر الذي ازدهرت فيه المصادر المتعلقة بحياة ماركس. كانت النتائج بمثابة منجم ذهب للمؤرخين وكُتّاب السيرة الذاتية، وبالتالي كانت بمثابة عصر ذهبي لطلاب حياة ماركس. الاختيار بين كتب السيرة الذاتية المتاحة باللغة الإنجليزية عن حياة ماركس تضم سردًا حيًا ورائعًا كتبه الصحفي فرانسيس وين، إلى جانب دراسة مفصلة بشكل مذهل للمؤرخ جوناثان سبيربر.

وبالإضافة إلى الكتابين السابقين، يمكن أن نضيف الآن كتاب "كارل ماركس: العظمة والوهم". ومؤلفه هو المؤرخ البريطاني المتميز جاريث ستيدمان جونز، الذي يقول إن هدفه من الكتاب بسيط، وهو "أن أعيد ماركس إلى سياقه في القرن التاسع عشر". ومن الواضح أن هناك الكثير الذي يمكن قوله أثناء محاولة نزع الأساطير عن الرجل وعن أفكاره. ماركس نفسه كان واعيًا بأنه سيتحول إلى اتجاه فكري، وقال قبل وفاته بوقت قصير: "إذا كنت متأكدًا من أي شيء، فهو أنني لست ماركسيًا".

 

غلاف كتاب "كارل ماركس: الحقيقة والوهم"

فالجدل الذي يدور حول طبيعة الماركسية بدأ بالفعل مع وفاة ماركس عام 1883 – وإن كان صعود الاتحاد السوفييتي كقوة عالمية رئيسية في القرن العشرين، إلى جانب الانتشار العالمي للشيوعية أثناء الحرب الباردة، زاد بشكل كبير من حرارة الجدل. لعدة عقود اعتمدت المصائر السياسية على تعريف الماركسية وما تقرره. عنى الشقاق بداخل اليسار السياسي أن ينافس الماركسيون المعادون للبلاشفة الماركسيين المؤيدين البلاشفة، أي اليسار الجديد في مواجهة اليسار القديم.

الماركسية الأصلية التي صاغها إنجلز بعد وقت قصير من وفاة ماركس – بتأكيدها على العلم والقوانين، وبماديتها وزعمها أن الاشتراكية يمكنها أن تضفي فهمًا على الحياة الإنسانية بالقدر الذي وصل إليه دارون مع الحياة الحيوانية – انقسمت وتجزأت وسط النقاشات التي جرت على جانبي الستار الحديدي. بالتأكيد لم تتجاهل تلك الجدالات الفكرية ماركس الحقيقي، وكثيرًا ما استدعت أعماله وساعدتنا على تقدير تغيراته وتحولاته الفكرية. ولكنها في الأغلب كانت وسائل تسعى لتحقيق غاية، والغاية هي تبرير ماركسية أفضل وأكثر صحة من أجل تقديمها لمجموعة جديدة من المؤمنين.

دخل ستيدمان جونز تلك المعارك بنفسه، على الرغم من أن ذلك كان في مكان مسالم نسبيًا وهو إنجلترا ما بعد الحرب. جونز الذي وُلد عام 1942 ينتمي إلى ذلك الجيل من الأكاديميين الذي كان يميل في أغلبه إلى اليسار، والذي ثَوّر دراسة التاريخ في فترة ما بعد الحرب، وذلك عن طريق دراسة التاريخ الاجتماعي والثقافي بعد أن كانت دراسة حياة الدبلوماسيين والجنرالات والدساتير هي السائدة.

في أحد مواضع الكتاب، يمدح جونز ماركس لكونه رائدًا في مجال التاريخ الاجتماعي، هذا الذي يبدو صحيحًا بما يكفي، وهامًا، حتى إذا تم التقليل من بعض مزاعمه في الماضي. ولكن تلك الريادة تشرح ارتباطه بستيدمان جونز نفسه، الذي كان تخصصه هو دراسة حياة الطبقة العاملة في لندن الفكتورية.

منذ البداية، أتاح  هذا التخصص للكاتب منظورًا واسعًا يقيّم منه مزاعم الحركة الاشتراكية، ومدى نفع مفهوم الطبقات كمجال للتحليل، وأهمية الطرق التي يعبر بها العمال عن أنفسهم باكتشاف تأثيرهم الجمعي على السياسة.

ولأن ماركس قضى جل حياته في لندن، فهذا أيضًا أتاح لستيدمان القدرة – التي استغلها بشكل كبير في الكتاب – ليس فقط لأن يُظهر لنا الحياة الداخلية للمثقف الكبير في كنتيش تاون، ولكن الأهم، لأن يظهر لنا حساسية ماركس تجاه الحظوظ المتغيرة لليسار في بريطانية في منتصف العصر الفكتوري. يُظهر كيف أثّر ذلك على فكر ماركس، وصعّب عليه إتمام دراسته طويلة الأجل للرأسمالية المعاصرة، ليصرف اهتمامه بالتدريج عن الدول الصناعية غير الثورية الموجودة في أوروبا الغربية، في حين عَقَد آماله على روسيا، وأوروبا الشرقية والهند والعالم المُستعمَر.

كان المثقفون الألمان في منتصف القرن التاسع عشر ذوي طبع نكد، اُشتهر شوبنهاور ببذاءة لسانه، وكذلك نيتشه. لم يكن ماركس مختلفًا، شهد الناقد الأدبي بافل آنينكوف من قبل الطريقة التي أهان بها ماركس شيوعي منافس عام 1846، إذ قاطعه وأنهى الجلسة غاضبًا "ضرب بقبضته بشدة على الطاولة حتى اهتز المصباح الذي كان عليها، وقفز من مكانه وهو يقول في الوقت نفسه (لم يساعد الجهل أي أحد)".

كتب آنينكوف – الذي لم يعتد على هذا السلوك من أصدقائه الراديكاليين الروس – أن ماركس كان "تجسيدًا للديكتاتور الديمقراطي". لا بد أن نضع في ذهننا أن في ذلك الوقت كان ماركس مجهولًا كلية، كما ظل كذلك جل حياته؛ مجرد زعيم مُخطط لمجموعة صغيرة من الشيوعيين، الذي يعيشون في عالم المهاجرين الفقراء.

من جهة الطبع السيء والحاد، قليلة هي الأعمال التي توضع إلى جانب مقاله الناري "رجال المهاجرين العظام" الذي لم يُنشر في حياته، والذي انتقد فيه ماركس بغضب الرموز المشهورة ساعتها التي كانت تروج للدولانية الأوروبية الراديكالية – من أمثال جوزيبي ماتسيني - الذي كان يعيش أيضا في لندن.

ماركس لم يكن عاملًا، مثل الرجل الذي أهانه - فلهلم فيتلينج – وكما يشير تعامله معه، كانت هناك حاجة إلى الوضوح والاستقامة في الفكر. كتاب "العظمة والوهم" كان رائعًا في التعامل مع الأفكار التي شكلت ماركس والتي استجاب إليها. ويُظهر أن ماركس كان نتاجًا لجيل الشباب الألماني ما بعد النابليوني، الذي كانت نقطة انطلاقه هي تأملات هيجل التاريخية. لم تكن لدى ماركس المبكر إشارات كبيرة لاهتمامه بأي شيء يشبه الاقتصاد السياسي، ولا المادية. إنما بالأحرى رأى أن مهمة الفلسفة هي أن تكون مُحررة للإنسان عن طريق إلقاء الضوء على العملية التاريخية نفسها من خلال العقل. كانت المسيحية تمر بعملية هدم، ولكن ذلك من أجل إعادة ميلاد "وعي ذاتي إنساني" أطلق عليه ماركس "الإله الأعلى". يظهر ستيدمان جونز أهمية الكلاسيكيات والميتافيزيقا والقانون في تشكيل مقاربة ماركس الفلسفية. سوف تجذب العلوم الاجتماعية اهتمامه لاحقًا.

ماركس الذي لم يستطع الحصول على وظيفة أكاديمية، كان يكسب عيشه كصحفي، وأثبت نفسه، كما سيظهر لاحقًا في إدارة الاجتماع الأممي الأول، أنه مُنظم صعب المراس إن لم يكن مجردًا من الأخلاق. ولكن القمع السلطوي واسع التأثير قَطَع عيشه حينما كان في الخامسة والعشرين من عمره، عندما توصل إلى أنه بحاجة إلى مغادرة ألمانيا.

في الوقت نفسه استمر في قراءاته الموسوعية، خاصة لودفيج فويرباخ، ناقد هيجل والمفكر الذي قاد ماركس إلى فكرة اعتبار الإنسان كائنًا مغتربًا، وأن حياته تزدهر بشكل أفضل حين يكون جزءًا من مجموع أكبر. هذا المفهوم هو الذي سمح لماركس أن يتخيل المستقبل كمجتمع إنساني عظيم واحد، وأن تتقهقر الدولة وتكون في موضع غير هام كلية، في حين كانت الدولة مفهومًا أساسيًا في فكر هيجل. إحدى نتائج هذا التقليل من قدر الدولة هو تطوير ماركس لنقده الكلي للرأسمالية بدون أي إشارة إلى دور الدولة، وكانت النتيجة أنه في عام 1917 وجد التابعون الروس لماركس أنفسهم يقودون بلدًا كبيرًا جدًا، وكانت يدهم طليقة لابتكار دور للبيروقراطية، ولكنهم انتهوا بأن صنعوا نظام حكم لعبت فيها الدولة دورًا أعظم من ذي قبل.

هل كان ماركس سيعارض ذلك؟ ليس بالضرورة. يُظهر ستيدمان جونز أنه بينما لم يولِ ماركس اهتمامه أبدًا لسؤال الدولة، إلا أنه من جهات أخرى ففكره تغير بشكل كبير على مدار العقود. هو الذي بدأ بتوقع ثورة فورية تقريبًا، صار متصالحًا مع فكرة أن تطور المجتمع الرأسمالي سيكون بطيئًا نسبيًا. في الأربعينيات من القرن التاسع عشر، شَهد قمع العنف الثوري في أنحاء أوروبا. قابل أيضًا البروليتاريين لأول مرة في فرنسا وبلجيكا ثم لندن، حيث عمل بشكل مقرب مع المنتمين للاتحادات التجارية في الستينيات من القرن التاسع عشر. وقابل رجلًا صار صديقه المقرب وداعمه ولاحقا شكّل ميراثه: إنجلز.

إنجلز لم يكن مجرد رجل صناعة، بل كان مثقفًا أيضًا، وكان واحد من مقالاته المبكرة عن الاقتصاد السياسي هو ما لفت انتباه ماركس إلى الموضوع الذي صار متخصصًا فيه. مفهوم ماركس في النقد كبحث إنساني سيحرر البشرية صار الآن مرتبطًا بدراسة المِلكيات الخاصة، ووسائل التجارة والتبادل، والعلاقة بين الربح والقيمة – باختصار، علم الاقتصاد السياسي. إذا كانت الرأسمالية تنزع الإنسانية، فوعد الشيوعية التحرري مبنِ على قوة الفلسفة النقدية التي يمكن أن تساعدها. بفضل إنجلز، وبعض خلفائه من المفكرين الروس، يُعرف الفكر الماركسي كشكل من المادية التاريخية، ولكن كما يظهر ستيدمان جونز بشكل رائع، لم يكن هذا على الإطلاق ما تصور ماركس أن يفعله.

كتابات ماركس مزجت النثر القوي والدوجمائي بتشخيص الموقف السياسي والاقتصادي وكثيرًا ما كانت مرنة ومترددة في دلالاتها. انتقل من توقع انهيار الرأسمالية عن طريق اشتعال ثوري فوري إلى رؤية ذلك كعملية بطيئة ومؤلمة؛ وانتقل من توقع أن تكون أوروبا الغربية هي موضع التمرد، إلى تقدير تماسك المؤسسات السياسية هناك، وأن يضع آماله على هامش العالم الرأسمالي أو على حرب عالمية. هذا المزج بين المرونة والإصرار لم يكن أقل الهبات التي قدمها لخلفائه في الاتحاد السوفيتي.

السؤال الذي يطرحه هذا الكتاب متعلق بقيمة ماركس بالنسبة لنا الآن. الإجابة ليست صعبة: يظل ماركس نموذجًا مذهلًا لكيفية أن تقف خارج الرأسمالية وأن تُخضعها لنقد مبنِ على أساس شيء أكبر. ربما فشلت الشيوعية، ولكن من الصعب القول إن الرأسمالية المعاصرة – بميلها المتزايد لعدم المساواة، وتعرضها للأزمات، وتفريغها للمؤسسات السياسية واعتمادها على الأيدي العاملة المؤقتة – ناجحة. في الوقت الذي نُصرّ فيه على ميلنا لنزع دراسة الاقتصاد عن السياسة والفلسفة والصحافة، سيظل ماركس نموذجا مميزًا لكيفية تجاوزة تجزئة الفكر الاجتماعي الحديث والتفكير في العالم ككل من أجل إصلاحه. وهذا الكتاب مرشد مثير للإعجاب بالطريقة التي قام بها ماركس بذلك.