لاجئون يعبرون المتوسط

قمة البريكست.. اللاجئون أيضًا يدفعون الثمن

منشور الاثنين 4 يوليو 2016

لم يكد اليوم الأول من القمة الأوروبية التي انعقدت في بروكسل يومي 28-29 يونيو/حزيران 2016 ينتهي، حتي ظهرت أولى بوادر التنسيق المشترك بين الدول الأعضاء، في مواجهة التحديات التي تعصف بالمشروع الأوروبي. كانت هناك درجة مُرضية من الإجماع قد تحققت بشأن الأطر العريضة للتعامل مع أزمة خروج بريطانيا من الاتحاد، عبر مسارين أولهما: تأكيد رئيسي المفوضية والمجلس الأوروبي على اتباع بروكسل نهج ميركل بعدم البدء بمفاوضات رسمية مع لندن، إلا بعد طلب الأخيرة رسميًا تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة. وثانيهما: ربط استمرار عضوية بريطانيا في السوق الموحدة، بالتزامها بتطبيق الحريات الأربع. إلا أن الإجماع الأوروبي الرسمي بخصوص قضية تدفق اللاجئين بسبب الفقر كان أكثر وضوحًا.

مساء الثلاثاء 28 يونيو/حزيران أصدر المجلس الأوروبي ورقة ختامية بشأن النتائج التي توصل إليها قادة الاتحاد حول سبل إيقاف تدفق اللاجئين عبر طريق أواسط المتوسط، من خلال تطبيق آليات شراكة تستهدف تعزيز التعاون بين بروكسل ودول المنبع (إريتريا-الصومال- السنغال- جامبيا- اثيوبيا)، ودول الممر (السودان- ليبيا- تونس) في القارة الإفريقية. 

قبل الاسترسال في بنود المقترحات الأوروبية؛ يتعين علينا أولًا العودة خطوة إلي الوراء، تحديدًا لتاريخ 18 مايو 2015، حينما أطلق الاتحاد الأوروبي عملية أمنية، تحت القيادة البحرية المشتركة للاتحاد الأوروبي في البحر المتوسط باسم EUNAVFOR MED SOPHIA.

وتستهدف هذه العملية: احتواء تمدد حركة اللاجئين عبر طريق أواسط المتوسط، (ليبيا/مصر- إيطاليا). وتكمُن أهمية هذا المسار في أنه شهد تدفق قرابة 154,725 لاجئ في 2015. 92% منهم انطلقوا من ليبيا، و8 % فقط من السواحل المصرية، ليحتل المركز الثاني علي قائمة الطرق الأكثر تصديرًا للاجئين بعد طريق شرق المتوسط (تركيا-اليونان) الذي شهد تدفق قرابة 771,237 لاجئ خلال 2015، بزيادة تقدر بـ 1663%عن 2014، متفوقًا علي طريق جنوب المتوسط (المغرب-اسبانيا) الذي مر من خلاله نحو 3,209 لاجئ.

خصص الاتحاد الأوروبي للعملية مقرًا رئيسًا في روما بطاقة عمل ضمت 166 شخص؛ 113 من إيطاليا، و53 موزعين بين 20 دولة أخرى منها: إسبانيا، بلجيكا، بريطانيا، السويد، ألمانيا، المجر، بولندا، قبرص، اليونان، بلغاريا، رومانيا. ونظم الاتحاد أهدافها الأمنية علي 3 مراحل.

المرحلة الأولي: استمرت من يوليو/تموز وحتي 15 سبتمبر/أيلول 2015. انحصرت مهمتها في جمع معلومات استخباراتية عن النشاط الإقتصادي ونمط عمل المهربين، وممرات التهريب، ومنصات الإنطلاق الرئيسية للقوارب علي امتداد الرقعة الممتدة بين مدينتي زوارة الواقعة غرب طرابلس، ومصراتة الواقعة شرق طرابلس.

خُصِّصَت للمرحلة الأولي قوة عسكرية ضمت مروحيات مكونة من مروحيات مخصصة للعمليات البحرية، وفرقاطتان ألمانيتان، إضافة لطائرة دوريات بحرية مقدمة من لوكسمبورج من طراز MERLIN III -SW30. 

حتي نهاية موعد المرحلة الأولي، تم إنقاذ قرابة 3078 لاجئ، جري استجوابهم في مرحلة لاحقة، لتكوين صورة أقرب عن شبكات التهريب.

المرحلة الثانية: مقسمة إلي مرحلتين:

المرحلة الثانية "أ": بعد الإنتهاء من مرحلة جمع المعلومات، بدأت مرحلة جديدة في (أعالي البحار) وفيها يحق للقوات الصعود إلى متن السفن محل الشك وتفتيشها، ومصادرتها حال ثبوت قيامها بتهريب البشر، واستجواب المهربين على يد محققين إيطاليين، ومحاكمتهم في روما.

إعلان إنطلاق المرحلة رسميًا كان في 7 أكتوبر 2015، لكنها دخلت حيز التنفيذ الفعلي في 9 أكتوبر، تزامنًا مع صدور قرار مجلس الأمن رقم 2240 لسنة 2015، الذي يسمح للقوة البحرية الأوروبية المشتركة بالقيام بمهام في أعالي البحار قبالة الساحل الليبي، وتفتيش أي مركب مجهولة الهوية تستخدمها أية تنظيمات إجرامية لتهريب المهاجرين إنطلاقًا من السواحل الليبية، بما في ذلك الزوارق القابلة للنفخ، والأطواف، والقوارب المطاطية.

القوة العسكرية تضاعفت. استبدلت برلين فرقاطات فيرا وشلزفيج هولشتاين، بالفرقاطتين أوجسبورج وبرلين. وساهمت فرنسا، اسبانيا، بلجيكا، بريطانيا ب 4 فرقاطات إضافية، بالإضافة لغواصة، و3 طائرات دوريات بحرية، و5 طائرات هيلكوبتر.

حتي نهاية ديسمبر 2015 نجحت العملية في إنقاذ 8336 لاجئ، وتدمير 67 زورق تهريب، والقبض علي 47 مهرب.

المرحلة الثانية "ب": تشمل نفس مهام المرحلة "2 أ" بالتفتيش والمصادرة والقبض على المهربين. لكن هذه المرة داخل حدود المياه الإقليمية الليبية. لكنها لم تبدأ لوجود عقبات سياسية وتشريعية. العقبات السياسية: تتمثل في غياب سلطة مركزية ليبية تحظى بإجماع من كافة الطوائف السياسية. وإذا كان قرار مجلس الأمن 2240 وحده كاف لبدء عملية أعالي البحار دون الحاجة لموافقة رسمية ليبية؛ فإن تدخل القوة البحرية الأوروبية في المياه الإقليمية الليبية لا يمكن أن يتم دون دعوة رسمية من الحكومة الشرعية في ليبيا، يدعمها في مرحلة لاحقة قرار جديد من مجلس الأمن، يوفر غطاء دولي للتدخل الأوروبي.

أما العقبات التشريعية، فتتمثل في أنه في حال بدء العملية في المياه الإقليمية الليبية؛ لا يمكن تقديم المهربين للمحاكمة في إيطاليا علي غرار مرحلة أعالي البحار، لأن السلطات الليبية نظريًا هي صاحبة الاختصاص القانوني في محاكمة المهربين المقبوض عليهم داخل مياهها الإقليمية. وبالتالي؛ فإما أن تقبل الحكومة الليبية- بموجب اتفاق رسمي- بمحاكمة المهربين في دولة أخري (إيطاليا)؛ أو توقع علي اتفاق لنقل المهربين إليها، مصحوب بضمانات تكفل معاملة إنسانية، وإجراءات تقاضي عادلة ملائمة للمعايير الأوروبية.

المرحلة الثالثة: تتم أيضًا في ظل الموافقة الرسمية الليبية وقرار مجلس الأمن. لكن هذه المرة على الأراضي الليبية بهدف تعقب شبكات التهريب، وإتخاذ كافة الإجراءات ضد أصولها المادية الممثلة في السفن؛ إما بمصادرتها أو إعطابها. بالإضافة إلي بناء قدرات قوات خفر السواحل الليبية، من خلال توفير الدعم التقني وإتاحة برامج تدريبية للأفراد، كي تتمكن القوات الليبية من الإضطلاع بمهمة تأمين السواحل بمفردها.

الحل الأمني لا يكفي

 

لاجئون سوريون يفترشون أرض محطة قطار في بودابست - 4 مايو 2015

صباح 31 مايو/آيار 2016؛ فُجع العالم بنبأ غرق قرابة 1000 من طالبي اللجوء الأفارقة في البحر المتوسط خلال أُسبوع واحد فقط، أثناء محاولتهم الوصول للسواحل الإيطالية انطلاقًا من ليبيا. عدد الضحايا مثّل دون شك الفاجعة الأكبر في حوادث غرق اللاجئين، قياسًا على أن حجم التدفقات النهائية خلال نفس الشهر لم تتجاوز حاجز 19 ألف طالب لجوء.

الحل الأمني بمفرده لم يحقق إذن الفائدة المرجوة منه في كبح تدفق اللاجئين نهائيًا عبر مسار أواسط المتوسط. فكان لزامًا علي بروكسل اتباع مسار مكمل، ولا أنسب في هذ الحالة من استنساخ نمط الاتفاق التركي-الأوروبي 18 مارس/آذار، الذي نجح في تجفيف تدفق اللاجئين عبر طريق إيجه. وفي استجابة سريعة لمنع تفاقم تدفق لاجئي الفقر الأفارقة إلي أوروبا؛ أصدرت المفوضية الأوروبية بتاريخ 7 يونيو/حزيران 2016 ورقة مقترحات لإيقاف حركة لاجئي الفقر. 

علي امتداد 18 صفحة حددت المفوضية أهداف وآليات ما أسمته شراكة مع دول المنبع والممر. وفصَّلت الورقة ثلاثة أهداف: على رأسها إنقاذ الأرواح، زيادة وتيرة إعادة طالبي اللجوء، تجنيب طالبي اللجوء خوض رحلة الموت وصولاً لأوروبا. وللهدف الثالث تحديدًا، أي مكافحة أسباب اللجوء، رسمت المفوضية خطة طموحة؛ تتمثل في تقديم مساعدات عاجلة إلى الدول الأكثر تصديرًا للاجئين (دول المنبع) وتلك التي يمرون عبرها (دول الممر)، بقيمة 8.1 مليار يورو خلال الفترة من 2016-2020. وحدد المفوض الأوروبي لشؤون الهجرة واللجوء ديمتريوس أفراموبولوس في حواره مع الجريدة الألمانية Die Welt تلك الدول؛ وهي: نيجريا، النيجر، السنغال، مالي، إثيوبيا، تونس وليبيا. تشمل قائمة الحوافز المالية لتحسين الأوضاع الاقتصادية مساعدات خلال الفترة من 2016-2020 بقيمة 8.1 مليار يورو، يتم تدبيرها من مساهمات الدول الأعضاء، ومخصصات يضخها صندوق الائتمان الأوروبي لإفريقيا، وصندوق التنمية الأوروبي. يذهب منها 2.4 مليار يورو لدول الجوار السوري؛ لبنان وسوريا. أما الشق الأكثر طموحًا فيتعلق بتوفير الموارد للاستثمار في البُنى التحتية الاقتصادية والاجتماعية، وحفز أداء الشركات الصغيرة ومتناهية الصغر والمتوسطة الحجم، على أن تبلغ إجمالي مساهمات بروكسل (مقر رئاسة الاتحاد الأوروبي) 3.5 مليار يورو، يأتي معظمها من صندوق التنمية الأوروبي، الذي سيضطلع أيضًا بواجبات تعزيز الإئتمان وتقاسم المخاطر وتوفير المساعدة التقنية.

أتت قمة بروكسل 28-29 يونيو لتتبنى ورقة المقترحات التي قدمتها المفوضية في 7 يونيو لإيقاف تمدد حركة اللاجئين عبر طريق أواسط المتوسط. خطة شديدة الإنسانية في ظاهرها.. دعم مالي عاجل ب 8 مليار يورو، وحفز بنية الاستثمار ب 3 مليار يورو، يتوقع لها أن تجلب بالتبعية استثمارات من الخارج، قدر مفوض شؤون الهجرة واللجوء أنها ستتراوح من 31-62 مليار يورو.

 لكن هذه الخطة تنطوي على جوانب أخرى تخل بالالتزامات الحقوقية تجاه اللاجئين. أولها؛ بند إعادة اللاجئين لدول لاتنطبق عليها شروط "الدول الآمنة"، بما قد يجعلهم عرضة للقتل والاضطهاد والتمييز، ناهينا عن وضع اقتصادي بالغ السوء. ثانيها؛ تهديد المفوض الأوروبي الضمني للدول التي ترفض استعادة لاجئيها بتقليص المساعدات الأوروبية. وهو أمر لم تستطع بروكسل يومًا اتباعه في مفاوضاتها مع أنقرة، لامتلاك الأخيرة من الأدوات الاقتصادية ما يُمَكِّنها من فرض إراداتها على بروكسل. ثالثها؛ إمكانية قيام شبكات الفساد في دول المنبع والممر بامتصاص أموال المساعدات.

 

رابع التحفظات يتعلق أساسًا بالمصداقية الأوروبية في توفير المساعدات المالية حال توقف الهجرة غير الشرعية. القناة الأولى الألمانية نشرت محتوى وثيقة أوروبية مسربة صادرة عن المفوضية الأوروبية عن نهج آخر غير معلن تتبعه بروكسل لاحتواء تدفق طالبي اللجوء عبر القارة الافريقية.

الوثيقة التي حملت عبارة "لا يسمح بعرضها للجمهور تحت أي ظرف" تقترح تعاونًا مع 4 دول إفريقية هي السوادن وإثيوبيا والصومال وإرتريا، تقوم فيه تلك الدول بقبول استعادة اللاجئين، ومراقبة الحدود لمنع تدفق آخرين؛ وفي المقابل تلتزم المفوضية بتبادل المعلومات مع الأجهزة الأمنية لتلك الدول، وتقديم مساعدات اقتصادية، إضافة لتسهيلات في حصول دبلوماسيي تلك الدول على تأشيرة للدول الأوروبية.

ما الضامن إذن أن يلتزم الاتحاد الأوروبي بتقدم مساعدات مالية سخية بمليارات اليورو، بينما مؤسساته على جانب آخر ترسم سياسة بديلة لتلك المعلنة رسميًا، تتضمن إعادة اللاجئين إلى دول وُصفت أوضاعها نصًا في الوثيقة "بالكارثية"؟ ما الضامن ألا يمضي الاتحاد في هذه الخطة البديلة حتى وإن ضرب بمبادئه عرض الحائط، باختياره التعاون مع ديكتاتور إرتريا أسياس أفورقي، وعمر البشير المطلوب أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم تتعلق بالإبادة الإجماعية؟

على هامش الشد والجذب بين لندن وبروكسل في قمة البريكست، سيدفع طالبو اللجوء ثمنًا باهظًا لنمو النزعات القومية التي كلفت النمسا وصول مرشح اليمين المتطرف نوربرت هوفر للجولة الثانية من انتخابات الرئاسة، وخسارته بمعجزة أمام منافسه فان دير بيللن بعد أن حقق 49,7 % من أصوات الناخبين. وكلفت ألمانيا صعود حزب البديل في الانتخابات البرلمانية الولائية، وقطعًا كلفت بريطانيا خروجًا مؤلمًا من الاتحاد الأوروبي.

بات مطلوبًا أكثر من أي وقت مضى، أن يُمنع وصول من ضاقت بهم أوطانهم للشواطئ الأوروبية. لن يقف أمام المسعي الأوروبي المتواصل أية عوائق أخلاقية، أو مواثيق حقوقية، أو صور صادمة لغرق أطفال اللاجئين في قاع المتوسط. كل الحلول مطروحة؛ أمنية كانت أو سياسية. كل الأعداء بإمكانهم -إن أبدوا مرونة- أن يتحولوا لحلفاء. كل شئ مباح.

ما زال هناك بعض الوقت قبل أن تدخل المفوضية في مفاوضات ثنائية مع الدول الافريقية لإجبارها على استعادة لاجئيها، على الأقل حتى سبتمبر، طبقًا لفريدريكا موجريني منسقة الشؤون الأمنية والسياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي. لكن الحقيقة الوحيدة التي لن يقتلها الانتظار؛ أن بروكسل فقدت باتفاقيها التركي، والإفريقي المرتقب، آخر ما كانت تتدثر به من قيم أخلاقية. ولا عزاء لمن كان الموت لهم في أعماق المتوسط، خيارًا أكثر أدمية من الحياة في أوطانهم.