مشهد من فيلم Missing - الصورة من imdb

أين ذهب تشارلز هورمان؟ الاختفاء القسري.. لعبة الديكتاتور المفضلة

منشور السبت 16 نوفمبر 2019

لا يرى المخرج اليوناني كوستا جافراس الذي تشتبك أعماله مع الديكتاتوريات استنادًا إلى قصص حقيقية، أن أفلامه سياسية، بل يرى أن كل السينما سياسة. برأيه فإن حتى أفلام الحركة ترينا كيف أن من ينقذ الأرض هم من يحملون السلاح. 

في فيلمه Missing (مفقود) (1982) يسرد جافراس حكاية اختفاء الصحفي الأمريكي تشارلز هورمان (31 سنة) في العاصمة التشيلية سانتياجو عام 1972 عقب الانقلاب العسكري الذي نفذه وزير الدفاع أوجستو بينوشيه وأطاح فيه بالرئيس المنتخب سلفادور أليندي.

بعد انقلاب بينوشيه، اعتقد تشارلز أن أحدًا لن يؤذيه لأنه أمريكي. لم يكن يعرف أن الديكتاتوريات غالبًا لا ترى هذه التفاصيل الصغيرة وهي تدهس من يقف في وجهها. 

لعبة الديكتاتور المفضلة

ظل الاختفاء القسري لعبةً مفضلةً لكثير من الديكتاتوريات؛ من المكسيك إلى كولومبيا، ومن الصين إلى تشيلي، أما الأرجنتين لم تجد حرجًا في إخفاء الأطفال والحوامل. هناك الآلاف ممن تبخروا في ظروف مختلفة؛ ناشط يساري اختطفته قوات بينوشيه ويُعتقد أنها ألقت به في البحر، صحفي مصري اختفى من الوجود ولم يبقَ من أثره سوى تكهنات باحتمالات مقتله أو إيداعه مستشفى الأمراض العقلية لتجاوزه في الحديث عن مشروع توريث محتمل.

وفي الأرجنتين اتخذت أمهات ساحة مايو المنديل الأبيض رمزًا للحركة التي استهدفت البحث عن أبنائهم، الذين اختفوا في فترة حكم خورخي فيديلا في فترة الحرب القذرة وعددهم 30 ألف شخص، وكثير من الضحايا قُتلوا حينها ودفنوا في مقابر جماعية. وفي الجزائر مازالت نصيرة ديتور تبكي ابنها الغائب منذ عام 1997، ونصيرة ناطقة باسم تجمع عائلات المفقودين في الجزائر الذين اختفوا في فترة الحرب الأهلية المعروفة باسم العشرية السوداء.

ولأن مصر ليست أقل من هذه الدكتاتوريات فقد اتُبعت سياسة الاختفاء القسري مؤخرًا بشكل ممنهج، غرفة طوارئ المفوضية المصرية للحقوق والحريات 76 حالة اختفاء قسري غداة مظاهرات 20 سبتمبر/ أيلول الماضي وحدها.

 

أمهات ساحة مايو . المصدر فليكر

كأن شيئًا ما يحدث في تشيلي

نحن الآن في تشيلي عام 1973. بعد الانقلابات يحل دومًا حظر التجوال ليدجّن الجميع؛ ومن يخالفه يُرسل إلى الموت فورًا. غزت الدبابات الشوارع، وقطع صوت الرصاص كل الأحاديث الدائرة في المدينة المحاصَرة، وفي الليل بَدت المدينة مهجورة من سكانها فلا يُسمع إلا صوت هدير الدبابات على الأسفلت.

ذهب تشارلز هورمان (جون شيا) وزوجته جويس (سيسي سبايسك) الأمريكييّن إلى تشيلي لأنهما سئما من رؤية العالم عبر نيويورك تايمز. تشارلز كاتب وصانع أفلام وصحفي، يحب رواية الأمير الصغير، تعوّد أن يقرأ لزوجته فصلًا منها كل ليلة منذ أن تزوجا. يعمل على كتابة فيلم تحريك للأطفال، ويعمل مع صديقين هما فرانك تيروجي وديفيد هاثواي على إصدار جريدة  تشيلية بعنوان Fin.

لم يكن حظ الصديقين أفضل من هورمان، فقد اخفيا قسريًا أيضًا. رجع هاثواي من اللامكان الذي تختطف الشرطة الوطنية التشيلية الأشخاص إليه، أما تيروجي فلم يعُد أبدًا. 

بعد اختفائه حضر أبوه جاك ليمون أو إيد هورمان من نيويورك ليبحث عن ابنه الوحيد بمساعدة السفارة الأمريكية في تشيلي. بحث عنه في كل عنابر المستشفيات، في سجل الهاتف، في كل مكان دون أن يجد له أثرًا. بدا المسؤولين الأمريكيون في السفارة يكترثون بأمر تشارلز، لكن السلطة تكذب، دائمًا ما تكذب السلطة.

 

مشهد من Missing - الصورة من imdb

تضاربت روايات اختفائه، رجال بزي الجيش اعتقلوه. لا بل مدنيون اختطفوه. اعتقد أبوه أنه يختبئ لسبب ما. بحثوا عن وجهه بين جثامين الموتى، أو المقتولين بمعنى آخر. أنكرت السلطات التشيلية القبض عليه بطبيعة الحال، لتمتد الأطروحات النيرة إلى أن تشارلز  كان دائمًا ما يسجل ملاحظات عن الناس، لذا اعتقدوا أنه تابع للــ CIA وربما قبض اليساريون عليه لتتورط الحكومة مع واشنطن.

في الحقيقة، فإن حكومة الانقلاب هي من قبضت على تشارلز، الذي رأت السلطات الأمريكية أنه، وهو الذي لم يخفِ تأييده لسلفادور أليندي، كان متطفلًا، يضع قدميه في أماكن لا تخصه. 

تورط المسؤولون الأمريكيون في مساعدة الانقلاب، وعملت أمريكا الرأسمالية كظهير له للتخلص من الرئيس الاشتراكي المنتخب، وعرف تشارلز معلومات عن ذلك أثناء مكوثه في تشيلي، لذلك اختُطف. بالطبع أنكر المسؤولون الأمريكيون ذلك حينها، فهم لا علاقة لهم بما يحدث في تشيلي.

ماحدث هو أن تشارلز قُتل، أعدمته قوات بينوشيه تحت استاد سانتياجو، وتكلف شحن جثمانه إلى نيويورك 931.14 دولار أمريكي، أجبرت السفارة الأمريكية الأب على دفعهم، لكن جسده لم يعد إلى بلاده إلا بعد سبعة أشهر كاملة من تركهم تشيلي. 

وفي عام 1976 قاضت عائلة تشارلز هنري كسنجر، ومسؤولين في إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون الذي أصبح حينها رئيسًا سابقًا بعد أن أطاحت به فضيحة ووترجيت لاخفائهم معلومات عن مقتل تشارلز، لكن القضية رُفضت في عام 1980.

غير أنه وبعد سنوات، سوف تظهر وثائق جديدة رفعت السرية عنها، تؤكد أن وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA أعطت بالفعل الضوء الأخضر لقوات بينوشيه لتقتل تشارلز.


اقرأ أيضًا: من وثائق البنتاجون إلى ووترجيت: دروس الصحافة للرئيس ورجاله


في عام 2015 أيدت  محكمة تشيلية حكمًا بسجن بيدروا سبينوزا الجنرال التشيلي المتقاعد والموظف المدني السابق رفاييل جونزاليز، على جريمة قتل تشارلز وفرانك. وأكدت المحكمة دور وكالة الاستخبارات الأمريكية المحوري في الإدلاء بمعلومات ساعدت في مقتل الصحفييّن.

لم يعد لهم وجود

في عام 1991 أصدرت اللجنة الوطنية للحقيقة والمصالحة تقريرًا يسجل انتهاكات حقوق الإنسان التي حدثت في فترة تولي بينوشيه الحكم والتي امتدت 18 سنة. 

أوضح التقرير وجود 3428 حالةً تنوعت بين الإخفاء قسرًا والقتل والتعذيب والخطف، وأثبتت أن حالات الاختفاء القسري التي حدثت بين عامي 1974 و1977 حدثت بناءً على استراتيجية ممنهجة كانت تقوم بها الحكومة.

 

 

ملصق تداوله ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي عن اختفاء مصطفى ماصوني

في مصر انفتح ثقب الاختفاء القسري الأسود مبتلعًا من يقترب منه. في السنوات الأربع الماضية طرح البعض سؤالًا بسيطًا؛ "ماصوني فين؟". حتى هذه اللحظة لا يعرف أحد على وجه اليقين أين ذهب مصطفى ماصوني. كل ما نعرفه أنه في مساء يوم 26 يونيو/ حزيران 2015 ذهب ماصوني ليشتري عشاءً في شارع قصر العيني، ولم يعد حتى اليوم. 

كان اختفاء ماصوني هو أشهر اختفاء قسري لكنه لم يكن الوحيد، وقعت سلسلة اختفاءات لآخرين، البرلماني السابق وطبيب الأسنان والناشط السياسي مصطفى النجار اختفى في 28 سبتمبر 2018 ولم يظهر للعلن ثانيةً.

آخرون كانوا أكثر حظًا إذ اختفوا لمدد تتجاوز الـ 24 ساعة ولكنهم ظهروا لاحقًا في النيابات، وفقًا لحملة أوقفوا الاختفاء القسري التي أسستها مفوضية الحقوق والحريات، ووثّقت 1856 حالة اختفاء قسري في الفترة منذ تأسيسها في أغسطس/ آب عام 2015 حتى أغسطس 2019. وشمل الاختطاف في بعض الأحيان الأطفال والنساء لاستخدامهم كوسيلة ضغط بحسب تقرير المفوضية. 

إلى من ذابوا كالشموع

في خطابه الأخير قبل أن يقتله بينوشيه قال سلفادور أليندي إن "التاريخ سوف يحكم عليهم". وفي عام 1998 قُبض على بينوشيه الديكتاتور التشيلي في أحد مستشفيات لندن لانتهاكه القانون الدولي، ووضع قيد الإقامة الجبرية في عام 2004 بعد اتهامات بالاحتيال الضريبي، وغسل الأموال، وتجارة السلاح.

كما اتضح بعد حين أن بينوشيه احتفظ بعشرات الملايين في حسابات سرية في أمريكا، تاركًا تشيلي غارقة في الفقر.


اقرأ أيضًا: فيلم "لا" لبابلو لارّين: حين تُسقط الإعلانات حُكْم العسكر 


أما جويس هورمان زوجة تشارلز الذي حاربت حكومة بلادها أربعين سنة في المحاكم فتقول "الفقدان حالة مروعة، هناك الكثيرون عاشوا لسنوات لا يعرفوا شيئًا عن المفقودين".

تعتبر جويس نفسها محظوظة بشكل ما لأنها عرفت ماذا حل بزوجها، فهناك آلاف الذين لم يعرفوا ماذا حدث لذويهم، سوى أنه اختفوا وذابوا كالشمع، ولم يعد لهم وجود.