محمد صلاح في جلسة تصوير حديثة - المصدر حسابه الشخصي على تويتر

صلاح.. "ابننا" الذي كبر وتخلّى عن فن اللامبالاة

منشور السبت 1 سبتمبر 2018

 

"إن تلك اللحظات من اللاهتمام هي اللحظات التي تحدد مسار حياتنا أكثر من غيرها" هذه واحدة من العبارات التي مر عليها اللاعب المصري محمد صلاح أثناء قراءته كتاب "فن اللامبالاة" الذي تسبب اللاعب في رفع مبيعاته حين نشر صورته عبر حسابه بتويتر. ولا يدعو هذا الكتاب إلى الكسل كما قد يظن البعض من عنوانه الخادع، لكنه يوجه القارئ إلى عدم بذل طاقة في أمور مستنزفة وغير مجدية، وربما هذا ما كان يحتاجه صلاح حين تفجرت أزمته الأحدث مع اتحاد الكرة المصري.

ما نعرفه عن محمد صلاح يؤكد أنه مر بمحاولات استنزافه منذ كان ناشئًا، إما بسبب نقص الإمكانيات، أو التضييق من المدرب، أو غير ذلك. لكن النجاح - حسبما يرى مارك مانسون مؤلف فن اللامبالاة وغيره من مؤلفي كتب "مساعدة الذات"- يتلخص في تجاوز كل هذا والتركيز على هدف واضح، حتى وإن كان يتطلب بعض المواجهات في أمور تستحق.

 

صورة من الفيديو الذي بثه صلاح على فيسبوك للرد على تسريب خطابات محاميه لاتحاد الكرة

في الفيديو المقسم إلى 3 أجزاء الذي تحدث فيه صلاح لمتابعيه على السوشيال ميديا، وخصصه للرد على اتحاد الكرة المصري، بدا اللاعب أكثر حسما. كانت عبارات الاستهجان تؤكد أن هناك قواعد جديدة للتعامل، وأنه لن يكون ورقة في مهب الريح أمام إدارة متخبطة، إذ كتب قبلها على تويتر "ليس من الطبيعي أن يتم تجاهل رسائلي ورسائل المحامي الخاص بي ... لا أدري لماذا كل هذا؟" وانتقد في الفيديو تسريب مخاطبات محاميه حول الأزمة إلى الإعلام معتبرا أن هذا أمر غير قانوني.

كان محمد صلاح يؤكد دوما في مقابلاته على أنه "فلاح" مصري، لن يتوه أمام إبهار الحياة الغربية، لكنه الآن يحاول التأكيد على رسالة أخرى؛ أنه لن يتم استغلاله لمجرد أنه "ابننا" على حد وصف الكثيرين. ويبدو أنها اللحظة الأنسب للاعب العالمي أن يصنع صورة جديدة لنفسه، يبدو فيها مخضرمًا. أو كما قال عن نفسه في حفل الإعلان عن أفضل لاعب بأوروبا "أنا أصنع شيئا لم يسبق إليه مصري، أفخر بأن 100 مليون مصري يروني مثلا أعلى".

متابعة الناجحين

في فترة احترافه بنادي تشيلسي الإنجليزي قبل أكثر من 4 سنوات، قال صلاح في مقابلة مع برنامج "لقاء الأسبوع" إنه يحقق استفادة كبرى من خبرات اللاعبين المحترفين حوله؛ "أنا بقعد أبص على اللعيبة، بشوف ده بيتصرف ازاي في موقف معين، ده رد فعله إزاي في موقف معين، لازم استفاد من خبرات الناس دي.. بقى لهم 20 سنة بيلعبوا كورة".

كانت حقبة تشيلسي فترة ضاغطة في حياة صلاح، حين كان مدربه مورينيو لا يتيح له فرصًا جيدة للعب، وكان على اللاعب انتزاع النجاح كما وعد أهله وأصدقاءه، حتى إن اضطر إلى التنقل بين الأندية. والآن بعد سنوات من العيش وسط المحترفين، ومعرفة ردود أفعالهم وتصرفاتهم في المواقف المختلفة، أصبح لدى صلاح القدرة على أن يدخل في مواجهة قوية مع اتحاد الكرة في بلده، وأن يقول لهم نصا "احنا في 2018" . لقد أصبح لديه خبرات متراكمة من الانتقالات بين الأندية والاحتكاك بلاعبين حوله رآهم كيف يدافعون عن حقوقهم.

إن قصة الأزمة القانونية التي تسبب فيها اتحاد الكرة المصرية بوضع صورة صلاح على طائرة المنتخب دون إذن الشركة الراعية، أو انعدام الانضباط في تنظيم معسكر المنتخب، أو توريطه في مساندة سياسية على غير رغبته، كلها أمور عايشها صلاح، ورأى في المقابل أجواء احترافية في الأماكن التي لعب تحت اسمها، ما جعله يصرخ في الفيديو الأخير عن أن ما يطلبه للمنتخب هو ما يحدث في العالم كله.

 

من حساب صلاح على فيسبوك

العالمي

هذه المواجهة التي وقعت بين مصري ذي شهرة عالمية وأطراف في الدولة، ليست الحالة الأولى، ومن الواضح أن محمد صلاح كان يضع نفسه في فترة مبكرة في هذه المكانة، يسعى إلى أن يكون ذلك المصري صاحب الإنجاز العالمي، فليس من المصادفة أن ينشر على حسابه في فيسبوك قبل 4 سنوات، عبارة منسوبة للعالم المصري الحاصل على نوبل أحمد زويل تقول"الغرب ليسوا عباقرة ونحن أغبياء، هم فقط يدعمون الفاشل حتى ينجح ونحن نحارب الناجح حتى يفشل". وقد قال اللاعب في لقاءاته الأخيرة أنه كان يسعى لهذه المكانة من البداية، "مش هبقى مجرد واحد راح أوروبا ورجع" كما قال للإعلامي عمرو أديب في مقابلة جرت في وقت مبكر من هذا العام.

لكن بعض هؤلاء المصريين "العالميين" واجهوا أزمات مع الداخل، إما بسبب فجوة في التفكير، أو بسبب تعرضهم للاستغلال في أحيان أخرى. ولعل قصة الممثل المصري العالمي عمر الشريف كانت أكثرهم حدة، إذ أفصح قبل وفاته أنه طُلِب منه أن يكون عميلا أمنيا في الخارج، لكنه تهرَّب.

ربما ظلت محاولات استخدام شهرة محمد صلاح طوال السنوات الماضية في حدود المسموح، وفي شكل أقرب للتبرع من "النجم المحبوب"، مثل استخدامه في حملة ضد المخدرات، أو في تبرعه لصندوق تحيا مصر. لكن تطور ذلك إلى محاولة الضغط على اللاعب لتمرير خرق لتعاقده القانوني مع واحدة من شركات الاتصالات الكبرى، لصالح الشركة الراعية للمنتخب. ما دفع صلاح لأول مواجهة علنية مع اتحاد الكرة كي يعيد الأمور إلى نصابها الاحترافي.

 

من حساب صلاح على تويتر، نشرها خلال أزمة طائرة المنتخب

ذكاء إلكتروني

حين أثيرت أزمة صلاح مع اتحاد الكرة للمرة الأولى، نشر اللاعب صورته وهو يقبض على عنقه في إشارة إلى ضيقه واختناقه مما يجري، وبعدها بيومين كتب "طريقة التعامل فيها إهانة كبيرة جدا..." . وتسبب إفصاحه عن أزمته مع اتحاد الكرة المصري في صعود هاشتاج #ادعم_محمد_صلاح عالميًا، حتى أنه كتب بعد أن تلقى وعودا بحل الأزمة قائلا "أنا بس صعبان عليا الهاشتاج". وكأنها إشارة إلى أن صلاح يدرك جيدا أن بإمكانه صنع معركة إلكترونية دون اشتباكات حادة.

 

بعد قصة هذا الهاشتاج بأسابيع، نشر اللاعب صورا له من المالديف جذبت تعليقات الكثيرين، ليعقبها بعد ذلك بأيام تغريدة يمازح فيها أحد زملائه في المنتخب قال فيها "وفجأة الشعب قرر يصيف والصور كلها تنزل من على البحر. لا وبالمايوه "، وكأنه يختبر قدرته على صنع تريند جديد، متباهيا بنجاحه في قيادة متابعيه على مواقع التواصل الاجتماعي.

إن محمد صلاح يعلم أن هناك متابعون، ويؤكد على أنه قدوة ومحل اهتمام من الملايين، لذا كان من الطبيعي أن يحتد على اتحاد الكرة في رسالة بالفيديو يذكرهم "احنا في 2018"، فأدوات كلا الطرفين مختلفة.

"ابننا" الذي كبر

في لقاء تلفزيوني أجراه فرانك لامبارد أسطورة تشيلسي مع محمد صلاح قبل عدة أشهر، لاحظ زميله السابق اختلافا في شخصية صلاح عن الوقت الذي  تزاملا فيه قبل 4 سنوات، فقال له "أنا واثق من أنك نضجت كلاعب.. وكرجل أيضا". هذا التطور يكشفه أكثر ما ذكره مؤخرا "مورينيو" مدربهما السابق في تشيلسي، حين اتهمه البعض بأنه تسبب في رحيل صلاح عن النادي، فقال إن اللاعب المصري لم يكن مستعدا بدنيا، ولم يكن مستعدا ذهنيا أو اجتماعيا أوثقافيا [للعب في تشيلسي]، بل وصفه بأنه "كان ضائعا". وهذا ما دفع لامبارد إلى التأكيد على هذا التطور، بعد سنوات قضاها صلاح في ملاحظة من حوله، والتعلم من تجارب جديدة.

يتسلل النضج إلى حياة صلاح، بينما ما زلنا ندعوه "ابننا". دون أن ندرك أن الأبناء يكبرون مع الوقت، وربما هذا ما أراد أن يقوله اللاعب العالمي في أزمته الأخيرة مع اتحاد الكرة المصري.

اقرأ أيضًا: فن اللامبالاة.. حين يقول بوكوفسكي لصلاح: لا تحاول

واقرأ كذلك: من نجريج إلى آنفيلد..صلاح يركض في الاتجاه الصحيح