كاريكاتير عن الإطاحة بالرئيس الإخواني محمد مرسي

القاهرة: شيء يشبه قصة الحب

منشور الاثنين 14 مايو 2018

 

بيتر هيسلر - نيويوركر

في 2011 سافر الصحفي الأمريكي بيتر هيسلر إلى القاهرة مراسلًا لمجلة"نيويوركر" الأمريكية. أمضى مع أسرته سنوات الثورة المصرية وما تلاها من أحداث، وتعلم العامية المصرية وكتب قصصًا صحفية مطولة غطّى فيها أبرز الأحداث في مصر وما طرأ عليها من تغيرات اجتماعية من زوايا قلما تطرق إليها غيره كقصة "ديمقراطية غرف المعيشة" التي تناول فيها مجريات الدعاية للانتخابات البرلمانية في مركز البلينا في محافظة سوهاج، و"حكايات الزبالة" التي رصد فيها متغيرات مجتمع العاصمة بعيون عامل نظافة في القاهرة. من المرجح أن تكون هذه القصة هي أخر ما يكتبه هيسلر عن -إلى- القاهرة لـ"نيويوركر" بعد أن عاد إلى الولايات المتحدة.

كانت ناتاشا أولى من تعرضت من بناتنا لعضّة من أحد القوارض. ربما حدث ذلك أثناء نومها، لكنها كانت أصغر من أن تعبر عما تشعر به، فقد كانت أولى كلماتها إنجليزية على الأغلب، مثل شقيقتها التوأم أرييل. لكن الفتاتان اللتان لم تبلغا بعد الثانية من عمرهما -وقتها- استخدمتا العربية المصرية لأمور محددة كالـ"العيش" للخبز و"ميا" للمياه، وإن داعبت واحدة منهما بإبعاد أيهما (الخبز أو المياه) ضحكت وصاحت "تاني!" فتلتقط ثاني التوأمتين الإشارة، لأن كل ما نفعله مع إحداهما، علينا أن نكرره مع الأخرى "تاني تاني تاني".

لاحظت العلامة بينما كنت أغير ملابس ناتاشا، زوجان من الحفر الحمراء قبيحة المنظر على يمين سرّتها، علامات لقواطع. ربما كان الحيوان يتشمم أعلى حفاضتها، لو كانت ناتاشا صرخت ما كنا لنسمعها أنا وزوجتي ليزلي.

بيتر هسلر وابنتيه ناتاشا وإرييل

في أكتوبر/ تشرين أول 2011، انتقلنا إلى القاهرة خلال أولى سنوات الربيع العربي. عشنا في الزمالك، حي يقع على جزيرة تمتد  بين ضفتي النيل. وتُشكّل موطنًا تقليديًا للطبقة القاهرية المتوسطة والعليا. استأجرنا شقة بالدور الأرضي في عمارة قديمة جميلة، وباهتة كأغلب المباني في شارعنا، وأمام الواجهة المصممة على طراز "أرت ديكو" زُخرِفت قضبان السياج على شكل نسيج العنكبوت.

اقرأ أيضًا: قاهرة الامتداد.. بين مصر الجديدة ومجتمعات الأسوار 

تكررت زخرفة نسيج العنكبوت في المبنى بأسره، فزينت بابنا الأمامي شِبَاك سوداء صغيرة، وحاوطت الشرفات والبلكونات أسوارها مزخرفة بذات الشكل الشبكي. كان الوصول للمصعد يتم عبر بوابات حديدية على شكل نسيج العنكبوت. خلف البوابات كان يتحرك صندوق المصعد عتيق الطراز المصنوع من الخشب المنقوش، في ظلام الفتحة المكشوفة بدا كتابوتٍ حجري من العصر البيزنطي.

كانت ثغرات البوابة بحجم رأس إنسان، ويسهل لمس المصعد أثناء مروره. بعد انتقالنا بشهر علقت في المصعد ساق طفل من أحد الطوابق العليا، وأصيب بكسر بالغ، نُقِل بسببه إلى أوروبا لتلقي العلاج.

ليست للسلامة أولوية في أحياء القاهرة القديمة، وتراخت الأوضاع أثناء الثورة فشاع انقطاع التيار الكهربائي، وعشنا بين الحين والآخر يومًا بدون مياه، وجذبت القمامة المكومة بجوار العمارة الفئران الصغيرة والجرذان الضخمة، ورأيت أسفل نافذة غرفة ابنتي هرولة العِرَس إلى حفرة ثقبت أساس المبنى.

استقلينا أنا وليزلي سيارة أجرة إلى الضفة الغربية من النيل، حيث باع لنا مركز تطعيم يُدعى فاكسيرا لقاح الكلب، ثم عثرنا على طبيب أطفال آخر. واشتريت إثنتا عشرة مصيدة لاصقة من الغراء.

نصبت الفخاخ ليلًا تحت أسِرَّة الأطفال. أحيانًا كنت أستيقظ على صوت التوأمتين: "بابا هناك فأر". ذات مرة خشخش شيئًا ما في لعبة على شكل مطبخ، ففتحت باب الثلاجة الصغيرة فإذا بفأر يقفز منها. كيف وصل هناك بحق الجحيم؟! لم تكن أي من الفئران التي أمسكت بها كبيرة بما يكفي لكي تترك علامات العض تلك، لكنها ظلت تأتي، "تاني! تاني!"، أغرقتهم الواحد تلو الآخر في دلو من الماء.

عندما حان دور أرييل في العض، ظهرت العلامات في رقبتها بدلًا من بطنها، وبخلاف ذلك تطابقت مع علامات ناتاشا: أربعة قواطع.. قمنا بزيارة أخرى لفاكسيرا.

توقفت عن نصب الفخاخ وقمنا أنا وليزلي بزيارة شخص يتأهب للسفر ويهب قطتيه الذكر والأنثى للتبني، كان الخيار سهلًا، فالذكر أكبر حجمًا وملامحه أكثر ضراوة، وكان يطوف بليونة بين الأثاث، وطبعت خطوط النمور على جبهته حرف M اللاتيني، وهي علامة تميز سلالة قط "الماو" المصري.

أسميناه "مرسي". كانت مصر قد أجرت أول انتخابات رئاسية ديمقراطية، وفاز بها محمد مرسي، القيادي بجماعة الإخوان المسلمين. وبعد قليل من وصوله، عض مرسي ذراع ليزلي بعنف تاركًا نصيبه من الجروح المثقوبة، "تاني!" فعدنا إلى فاكسيرا. كنت الشخص الوحيد في العائلة الذي لم يتلقَ لقاح الكلب.

التقينا أنا وليزلي في بيكين حيث اشتغلنا بالصحافة. تباينت خلفياتنا بشدة، فقد وُلدَت هي في نيويورك لأبويين مهاجرين من الصين، بينما نشأتُ في وسط ميسوري، لكن شجعنا تململ متشابه على السفر للخارج، أوروبا أولًا ثم آسيا. وبحلول موعد رحيلنا معًا من الصين في 2007، كنا قد عشنا أغلب حياتنا كناضجين في الخارج. 

قط الماو

حذرني صحفي في نيويورك من سفري إلى مصر عندما كانت تحت حكم حسني مبارك لما يقرب من الثلاثين عامًا، قائلًا إن أوضاعها لا تزيد عنها خمولًا إلا الصين. قال "لا شيء يتغير في القاهرة"، لكن أثار هذا إعجابي، وتطلعت لدراسة اللغة العربية في البلد التي لا يحدث فيها شيء.   

أصيبت الخطة بأول خلل حين أصبح الطفل اثنان، ولدت أرييل وناتاشا في مايو/ أيار 2010 قبل أوانهما. وأردنا أن نمنح نموهما إثنا عشر شهرًا قبل الانتقال. لكن لم يهم الجدول، بدا أن العام الأول لمولود جديد أكثر ازدحامًا بالأحداث مقارنة بالقاهرة التي لا يحدث فيها شيء. لكن عندما اندلعت المظاهرات في ميدان التحرير بلغت ابنتانا ثمانية أشهر، وكانتا أكبر بثمانية عشر يومًا حين أطيح بمبارك.

اقرأ أيضًا: أطلال السينمات المهجورة تحكي قصة ما بقي من القاهرة

بعد التأخير وإعادة النظر قررنا الذهاب أخيرًا، وقبل رحيلنا إلى القاهرة بيومٍ؛ تزوجنا أنا وليزلي. لم نعبأ أبدًا بالرسميات، ولم يرغب أيًا منا في إقامة حفل زفاف، لكننا قرأنا ما مفاده أن السلطات المصرية تُصعِّب استخراج تأشيرة إقامة مشتركة إذا كانت ألقاب الزوجين مختلفة. تركنا الرضيعتين مع جليسة أطفال وقدنا إلى محكمة مقاطعة أوراي. أقحمت قسيمة الزواج داخل الأمتعة، وفي اليوم التالي كنا على متن الطائرة بصحبة توأمتينا البالغتان -وقتها- سبعة عشرة شهرًا. لم نزُر أنا أو ليزلي مصر من قبل.

مع وصول مرسي، اختفت الفئران. التهم رؤوس اثنين منهم مخلفًا الجثث وراءه، ثم امتنعت البقية عن الظهور. تتطابق العلامات التي تغطي قطط الماو المصرية مع مثيلاتها على جدران المقابر الأثرية، وحتى الاسم قديم الأصل، ففي العصور الفرعونية كانت "ماو" تعني "قط".

 قطط "الماو" رشيقة، وتتميز بانسدال جلدها من خصرها حتى ساقها الخلفية، ما يتيح لها امتداد حركي أكثر اتساعًا، وقُدرت سرعة قطط المنزل هذه لتصل إلى ثلاثين ميلًا في الساعة.

بيتر هسلر وليزلي تشانج وابنتاهما نقلا عن ويبو

تعلمت الطفلتان حديثتا المشي -كما تعلمت الفئران- أن تعطيا مرسي مساحته، إذ ضاق ذرعًا بدردشتهما معه وشدهما لذيله، خدش مرسي كل منهما بقوة تكفي لإراقة الدماء. قام بفعلته هذه بعناية وترتيب: هجمة على أرييل وتالية على ناتاشا. فكرت وليزلي في جزّ مخالب مرسي لكن هذا كان سيسلبه قوته في مواجهة القوارض والقطط الضالة في الحي.

بدا من المستحيل أن نبقيه في الداخل، كان قوته تؤهله لفتح النوافذ السلكية والأبواب، واعتاد الاختباء في مدخل الشقة في انتظار فرصة يثب فيها هاربًا. كثيرًا ما كنت أسمع صرخات قطط أخرى بعد هروبه. كانت لدينا حديقة صغيرة تتجمع فيها الحيوانات الضالة، لكن مرسي أبى أن يتساهل معهم، كثيرًا ما رأيته يجر حيوانًا هزيلًا طاردًا إياه عبر فتحة السياج العنكبوتي.

حذرني "سيد"، عامل القمامة في الحي، من احتمال تعرض مرسي للخطف قائلًا: "إنه قط بلدي جميل"، اعتاد الناس ترديد كلمة "قط بلدي" كلما رأوا مرسي وخطوطه. يُعتقد أن  المصريين هم أول من استأنسوا (ربّوا) القطط، وكانوا يحبون تلك الحيوانات للغاية حتى إنهم حظروا تصديرها منذ ما يزيد على سبعة وثلاثين قرنًا، وأطلقوا على الفينيقيين لقب "لصوص القطط" لأن البحّارة اعتادوا خطفها لسفنهم.

في الطابق الرابع من مبنانا نصَّبت امرأة عجوز نفسها راعية للقطط، اعتادت أن تضع سلطانيات من الطعام للحيوانات، كانت تُجزِل في الترحيب بي مبتسمة كلما رأتني أجول بالتوأمتين في عربة الأطفال المزدوجة. يعشق المصريون الأطفال أكثر من القطط. وقد جذبنا إلينا الانتباه في الزمالك، فبرزت وجوه محددة: بوّاب أعور وعامل مقهى بأنف مكسورة، وصاحب متجر أحب الحديث بالعربية الدارجة مع التوأمتين.

عندما كبرت البنتان، كانت تنتابهما نوبات من الصراخ الغاضب إذا ما جعلناهما ترتديان ثيابًا غير متطابقة. ليزلي وأنا، لم نرغب في أن نلبسهما ثيابًا متشابهة، لكن الحاجة للتكيف مع الحياة في مصر كانت تغلب على اهتمامنا وطاقتنا، فكنا نخضع سريعًا لرغباتهما. اشترينا من كل شيء زوجين، وعندما كانت البنتان تجلسان بجوار بعضهما في عربتهما بينما ترتديان ثيابًا متطابقة، بدا وكأننا نقدم عرضًا ترفيهيًا. 

بعض الأجانب كانوا يسألونني إن كنت قد رأيت التوأمين الآخرين في الزمالك. كانا كالأسطورة: أخوان مصريان عجوزان، يسيران معًا في شوارع الجزيرة. كانا يرتديان دومًا ثيابًا متطابقة، سترات لطيفة وقمصان ذات زرائر من الأمام. في مرتين حاولت أن أفتح معهما حديثًا، لكن الرجلين تجاهلاني. لم ينظرا حتى إلى الفتاتين. عندما كانت طرقنا تتقاطع، التوأمان الكبيران والتوأمتان الصغيرتان؛ كنت أتساءل كيف ستكون طفلتاي في المستقبل بعد تلك الطفولة الغريبة على ضفاف النيل؟

ثمة أمر يتعلق بجغرافية الزمالك وسكانها من قدامى الأثرياء، يستدرج ميل المصريين نحو اللا مركزية. فالجزيرة تقع في منتصف المدينة، لكن النهر يخلق شعورًا قويًا بالانفصال، حتى في الأيام الأولى للمظاهرات، كان من السهل نسيان أن كل المسافة التي تفصل بين الزمالك والتحرير مجرد ميل ونصف الميل. كثيرًا ما رأيت سكان الزمالك يشاهدون الثورة في التلفاز، وكأن الصور تُبث من أرضٍ بعيدة.

أغلب الناس لا يعبأون للمشاركة في ما يجري. حكى لي سيد قصص تحذيرية عن نماذج معينة، كالبوّاب الأعور؛ فأثناء إحدى المظاهرات سار البوّاب صوب شارع لا يبعد كثيرًا عن "التحرير"، وقرر المشاهدة من فوق أحد الكباري وكانت هذه غلطة، فعادة ما تطلق الشرطة المصرية طلقات بنادقها في الهواء أثناء فض التجمهرات، أصيب البواب برصاصة خرطوش وفقد إحدى عينيه، فكانت المرة الأخيرة التي يذهب فيها إلى مظاهرة. 

اقرأ أيضًا: محطات المترو.. تاريخ الأمم تحت الأرض

اعتاد سيد أن يقول:"قطَك الإخواني يخرّب الدنيا كرئيس". كان الطبيب البيطري الذي نتعامل معه مسيحيًا قبطيًا كعُشر سكان البلد تقريبًا، وادعى الغضب عندما أحضرت ليزلي "مرسي" للمرة الأولى وقال بينما يجذب القط: "أكره هذا الاسم"، قاوم مرسي بشراسة كلما شرع البيطري القبطي في جزّ أظافره.

لم تلبث التوأمتان أن فرّقتا بين "مرسي الطيب" و"مرسي الشرير". التقطتا ذلك من مربيتهما "عطيات" وهي أيضًا قبطية، لم يكن رأيها مثيرًا للدهشة: قبل سنوات أعلن مرسي عدم أحقية النساء والمسيحيين في رئاسة مصر، والآن البلد تعج بالفوضى تحت حكمه.

قبل أن يمضي عام على توليه الرئاسة، وفي بداية 2013 تلقينا إخطارًا من حضانة الفتيات:

"نظرًا لرائحة قنابل الغاز الشديدة التي تغطي الزمالك في هذه اللحظة، لا نعتقد أن حضور الأطفال تصرفًا آمنًا اليوم، ونأسف بشدة للإخطار المتأخر، الأمر ليس بأيدينا".

  شرعت أخفي مبالغ كبيرة في أماكن متفرقة من الشقة، وكانت لدي خطط لمغادرة طارئة في حال ما اندلع العنف. حتى ذلك الوقت حافظ المتظاهرون بالكاد على ثباتهم، انقطع التيار الكهربائي عدة مرات في اليوم، وأعلنت الحكومة عن خطة لخفض الإضاءة في المطار؛ لم يكن هناك سياح. كنت كلما عدت من رحلة خارجية أهبط إلى منطقة شفق الحقبة المُرسوية: ردهات مظلمة، سلالم كهربائية معطلة، "الأمر ليس بأيدينا".

صباح أحد الأيام، ذهبت للمجمع لتجديد تأشيراتنا، يقع المبنى الحكومي بجوار ميدان التحرير. اخترت يومًا لم تكن فيه أية مظاهرات، لكن هواء المنطقة كان لا يزال معبأً بالغاز المسيل للدموع، في ذلك الوقت بدا وكأن أحجار الرصيف تشبعت بالغاز حتى أنها صارت تنفثه في الهواء مع عرقها النازف بفعل الحرارة. أعطيت أوراقنا للمسؤول. 

"أين وثيقة تصريح الزواج؟"

أهذا هو كل ما يهم في مثل هذا الوقت؟ الأكثر عبثًا كان هو مدى سعادتي؛ كنت سعيدًا جدًا لأننا تزوجنا! عدت للزمالك والتقطت التصريح الذي حصلنا عليه من مقاطعة أوراي وأنهيت معاملاتي دون تأخير. 

عندما جاء الانقلاب أخيرًا في يوليو/ حزيران 2013 فقدت كل خططي جدواها، إذ أصدر الفريق عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع بيانًا يمهل فيه مرسي ثمانية وأربعين ساعة للاستجابة لمطالب المتظاهرين، وكان مرسي مشهورًا بالعند، وبدا من المستحيل أن يتفاوض.

في اليوم الذي علم الجميع أنه آخر أيام مرسي في الرئاسة، وصلت عطيات وقد طلّت أظافرها بألوان العلم المصري، أخرجت أقلام تلوين حمراء وسوداء وصفراء، وأرشدت التوأمان لعمل أعلام صغيرة، هل يجب على ابنتي ذواتا الثلاث سنوات الاحتفال مُقدَّمًا بانقلاب عسكري؟ لكني كنت بالغ التشتت فلم أفكر في الأمر، وكان عليَّ أن أرحل سريعًا لتغطية أحداث اليوم.   

وضعت أنا وليزلي السيناريوهات: ماذا لو كانت العودة إلى البيت الليلة مستحيلة؟ أو لو انهارت شبكة الاتصالات المحمولة، ماذا لو عمّ العنف؟ قررنا أنه في حال إطلاق النار؛ فأكثر الأماكن أمانًا هو الردهة الداخلية. كانت هذه هي الخطة: غلق الأبواب والبقاء قرب الأرض.

كانت هناك خطة على الدوام، ومع الوقت تزول فاعلية الخطط القديمة، لكن تصبح الخطط الجديدة أيسر رسمًا. ذات مرة ألغت الحضانة الصف بعد عثور الشرطة على قنبلة زائفة على بُعد شارع، وفي مرة أخرى اختطفت جماعة موالية لداعش أجنبيًا في أطراف القاهرة وقطعوا رأسه.

قبل انتقالنا إلى مصر فكرت أن بوسعنا أنا وليزلي إرساء قواعد واضحة: إن حدث كذا فسنتصرف هكذا، تمامًا كما تفعل السفارات، وخلال صيف الانقلاب رحّلت السفارة الأمريكية في القاهرة كل موظفيها غير الضروريين، وحيث أننا كنا نعيش في المدينة بمعزل عن أي مؤسسة؛ أدركت أننا على الأغلب سنتصرف كقاهريين، بمرونة وعقلنة. تكلم الناس عن الأحداث بهدوء، وحرصوا على أن ينأوا بأنفسهم عنها، "الأمر ليس يأيدينا"، أطلقوا النكات وركزوا على أبسط ما يمكنهم التحكم فيه. وحتى أي وافد على المدينة، تعلَّم تطبيع أغلب المواقف:  كانت قنبلة زائفة لم تكن حقيقية، الأجنبي المُختطَف كان عامل نفط وليس صحفيًا، حدث الأمر مرة واحدة لو تكرر فحينها يجوز القلق.  

أبقت صعوبات الحياة اليومية الناس منشغلين، لم يكن أي شي يسير على ما يرام في أي وقت، وفي العادة لم يتعلق الأمر بالسياسة فمُدرسنا للغة العربية مات فجأة بسبب الإهمال الطبي، وصاحب المتجر الذي اعتاد الدردشة مع الفتاتين أُطلقت عليه النار ومات قُرب بيته، وقيل أن هذا حدث بعد توسطه لفض نزاع ما. بعد الانقلاب بقليل وضعت راعية القطط العجوز التي تسكن في الطابق الرابع بعض الطعام، ونادت على القطة في المهبط لكنها لم تأت، فحشرت رأسها في فتحة البوابة المزخرفة بشباك العنكبوت لكي تلقي نظرة على القطة في بئر المصعد، فهبط فوقها من أحد الطوابق العليا قبل أن تتوقف حركة الصندوق البيزنطي.

لقد اختار أحدهم تلك اللحظة التي دسَّت فيها رأسها في الفتحة كي يضغط على زر استدعاء المصعد من الطابق الأرضي.

بعد ذلك حققت الشرطة مع البوّاب الذي إما فُصل أو ترك وظيفته.لم يكن مذنبًا على حد علمي، لكنه كان كبش فداء سهل المنال. ووضعت مالكة العمارة حاجزًا سلكيًا خلف البوابات المزخرفة بشِباك العنكبوت.في الطابق الرابع أوقدت عائلة السيدة العجوز سورًا قرآنية لشهور لتطمئن روحها. طلبنا أنا وليزلي من عطيات ألا تسمح أبدًا باقتراب التوأم من المهبط دون مراقبة. خلال وقت العنف وعناوين القتل في الصحف لم أخش شيئًا قدر خوفي من المصعد المواجه لباب بيتنا.

ذات شتاء رحل مرسي دون رجعة، صبيحة يوم اختفائه، تسكَّعت خمس قطط ضالة قبيحة المنظر في الشمس على سور شرفتنا، تساءلت ما إذا كان مرسي قد خسر عراكًا، وقذفت القطط الضالة بالمياه حتى رحلوا، لكنه لم يعد، وتذكرت تحذير سيد من أن أحدهم سيخطف القط.

انزعجت الفتيات، فقد كبرن الآن بما يكفي لكي يتصالح مرسي مع وجودهن، وفي بعض الأحيان كان يُظهر بعض العاطفة. مشيت الشوارع في المساء مناديًا: "مرسي! مرسي! مرسي!" ورمقني الناس استغرابًا، كنت أتحول إلى ساكن مجذوب آخر في الزمالك: الأجنبي الذي يجوب الجزيرة ليلًا هاتفًا باسم الرئيس المعزول.   

في هذا الوقت قررنا أنا وليزلي الكف عن التحدث في السياسة أمام البنات. فأثناء إحدى الزيارات العائلية إلى الولايات المتحدة سأل عم أرييل عن حيوانها الأليف فقالت: "هناك مرسي آخر وهو إنسان وليس هرّ، لقد كان رئيسَا".

فسأل العم "أين مرسي الآن".

"إنه في السجن"

"لماذا؟"

قالت أرييل: "أرسل بعض الناس لقتل أناس أخرين. هناك رئيس جديد الآن، لا أعرف إن كان طيبًا أم شريرًا لكن اسمه السيسي".

مرسي، سيسي.. رأيت أنها علامة سيئة أن تماثل أسماء قادة مصر أسماء الحيوانات الأليفة.

بعد زوال عهد بناة الأهرامات في القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد، كان للفراعنة التالين عليهم أسماءً ذات رنة طفولية كما أوضح عالم المصريات توبي ويلكنسون، فخلال حقبة تداعي السلطة؛ كانت لدى العديد من الملوك أسماء كالحيوانات الأليفة: بيبي، تيتي، إزي، إيني، إيتي، إبي.

شيد إبي هرمًا صغيرًا بطول ستين قدمًا فقط، ولم يضع حتى الحجر النهائي في القمة. وقاد بيبي الثاني البلاد إلى الدمار، وعندما أبلغت حملة استكشافية إلى الجنوب عن اكتشاف قزم؛ رد هذا الفرعون العاجز وكأنه أبصر شيئًا برّاقًا "جلالتي ترغب في أن أرى هذا القزم أكثر مما أرغب في الجزية التي نحصلها من سيناء وبلاد بونت".  

فكرت أن يومًا ما سينظر المؤرخون لعصرنا الحالي كمثال لسياسات القطط السيئة، فظّة وخرافية التفاصيل. في يوم من الأيام كان مرسي في السلطة، ثم أزاحه السيسي وكأنه حيوان ضال دخل الحديقة، ثم ذُبح أكثر من ألف متظاهر في ملاحقة وحشية. ثم أودع مرسي قفص الاتهام حيث حوكم بتهم القتل والخيانة، هل يمكن لأحد أن يلوم طفلة على خلطها بين تلك الرموز السياسية والحيونات؟

السيسي ومرسي

في اليوم الخامس من اختفاء مرسي سمعت مواءه الخافت، نظرت من شرفتنا ورفعت بصري لأراه مُحَاصرًا في الشرفة العليا، تسلَّق إلى هناك على جذع شجرة. صعدت ليزلي إلى الشقة الكائنة بالطابق العلوي، ورفضت المرأة التي تسكنها فتح الباب ووقفت على الناحية الأخرى من الباب صامتة بينما تعرفها ليزلي بنفسها، ثم في النهاية تكلمت المرأة وهددت باستدعاء الشرطة.

قالي لي البوّاب: "إنها لا تحب رؤية الناس"، وأضاف إنها ربما خائفة من القط وصنع إيماءة مصرية نقر على جانب رأسه وصفّر بفمه مديرًا عينيه قائلاً "مجنونة".

مالكة العقار أيضًا لم تكن لديها أية رغبة في التعامل مع جارتنا المتوحدة، قالت: "فلنتحدث عن هذا الأمر غدًا"، واشتبكنا في تفاوض محتد مع المالكة وابنتيها وبوّابين. وأخيرًا اجتمعنا نحن الستة أمام شقة الجارة، وكانت الساعة التاسعة مساءً حين فتحت باب الشقة فتحة بالغة الصغر.

أشارت إليَّ قائلة: " ممكن تدخل" ثم أشارت إلى ليزلي ورمقتها شذرًا قائلة: "إنتِ لأ".

دخلت الشقة وفتحت باب الشرفة فاندفع مرسي عبر الشقة ووثب بين ذراعي ليزلي. شكرتُ المرأة لكنها تجاهلتني، كانت لا تزال ترمق ليزلي بحدة، ثم أغلقت الباب بعنف.

نام مرسي في البيت لقرابة الثلاث أيام، أحيانًا كان يمضي إلى حوض ويمتص المياه من الصنبور. أما المرأة المنعزلة، فاستأجرت عمالاً لقطع كل فروع الشجر التي تصل بالكاد إلى شرفتها، وبالإضافة إلى ذلك تركوا الحطام منثورًا في حديقتنا.

دفعت تكلفة التأمين على السيارة. لقد كانت لديهم خطة مبيعات أفضل بكثير من خطط التأمين على الحياة في كولورادو. 

قمنا برحلات إلى البحرين الأحمر والمتوسط والصعيد، خُطف لب الفتيات في أولى زياراتنا للمواقع الأثرية في الصعيد، واستهواهما كلاً من إخناتون ونفرتيتي، الملك والملكة اللذان حكما مصر في القرن الرابع عشر قبل الميلاد. اقترن الأمر بالأسماء: "أ" (أخيناتن [إخناتون] وأرييل) و"ن" (نفرتيتي- وناتاشا)، وأيضًا التصوير المتشابه لهما، إذ صُنع تمثالا الحاكمين الزوجين بتماثل تام، كانت لهما نفس المكانة والسطوة في الحكم، وغالبًا ما كان يتم رسمهما معًا.

هذه الثنائية تسري في الفن والدين والسياسة المصرية القديمة: أوزيريس وإيزيس، حورس وسيث (ست) الملك والملكة، الذكر والأنثى، مصر العليا والدنيا، الحياة والموت، أنطونيو وكليوباترا و(توأميهما الآتيان من نسلهما).

راي جونسون عالم المصريات الذي يدير مركز بحوث جامعة شيكاجو في الأقصر قال لي إنه يؤمن أن أصل استلهام هذه الفكرة هو الأرض المنقسمة بين الخصوبة والجَدْب: وادي النيل الوافر بجوار الصحراء العقيمة. أيا كان المصدر، يمس هذا شيئًا عميقًا كامنًا في المخيلة الإنسانية. وبعد زيارة التوأمتين الأولى للمواقع الأثرية القديمة، فجأة صارتا تصران على ارتداء ثياب مختلفة عن بعضهما البعض. 

أرييل -أخيناتن صارت ترتدي السراويل، أما ناتاشا فارتدت الفساتين. لم نعد نقلق بشأن الثياب المتطابقة، لقد اقنعت سلالة الأسرة الثامنة عشرة فتاتانا بما لم نتمكن أبدًا من إقناعهم به. 

رحلات القيادة الطويلة كانت باعثة على الاسترخاء أكثر من أي شيء قمت به في مصر، خارج القاهرة تختفي السياسة، فأغلب الأماكن بالكاد شهدت عنفًا خلال الربيع العربي، لكن المواقع السياحية كانت مهجورة على الأغلب.

بيتر هيسلر في رحلة برية 

ذات مرة قدنا إلى معبد أبي سمبل قرب الحدود مع السودان، لكي نكمل المسافة الأخيرة طلبت إلينا الشرطة الانضمام إلى حامية عسكرية. لكن، بعد عشر دقائق تقريبًا انطلقت حراستنا مبتعدة بسرعة مائة ميل في الساعة. ربما ملّ الضباط فلم يكن ثمَّة خطر في تلك الأماكن النائية.

قدنا لقرابة ثلاث ساعات في عزلة الصحراء، وأبصرت على الميسرة بِركًا زرقاء حسبتها خلجان صغيرة لبحيرة ناصر، لكني أدركت فيما بعد أنها سراب. لم أشهد من قبل صورًا خادعة بهذه الواقعية، لقد برزت في منتصف بعضها صخورًا فبدت كجُزُر في بحيرة.

عندما وصلنا إلى أبي سمبل، كنا نحن الزائرين الوحيدين. جرت الفتاتان نحو التمثال العملاق لرمسيس الأعظم (رمسيس الثاني)، ولعبتا في أروقة المعبد التي يتسلل إليها نور خافت. كانتا وقتها في الخامسة من العمر، وكنت قد التقطت لهما صورًا في العديد من المواقع الأثرية في مناطق متفرقة من البلاد. وفي كل صورة تقريبًا، كانتا وحدهما. عرفت أنه في يوم ما ستبدو تلك الصور كالسراب، توأمتان في أبيدوس، توأمتان في إسنا، توأمتان في وادي الملوك. نقطان صغيرتان من اللون الوردي تحدقان في التمثال باهر الضخامة لأجا ممنون. 

تمثالا أجا ممنون بالبر الغربي بالأقصر

كجزء من نظرة المصريين القدماء الثنائية للعالم؛ كان ثمة كلمتان للزمن: نيهي ودجيت (الوقت والسرمدية)، أخبرني الدارسون أن المصريين المعاصرين ربما لا يمكنهم استيعاب هذه المفاهيم، لقد اعتدنا الزمن الخطي حيث تتوالى الأحداث بترتيب متتالي: ثورة ثم انقلاب، وما يصنع التاريخ هو تراكم هذه الأحداث وتصرفات الناس أصحاب الأثر. 

لكن لم يكتب القدماء المصريون التاريخ بالطريقة التي نفسره بها، لقد شككوا في الأحداث "خِبروت" لأنها تعترض نظام الطبيعة، ولكن عاش المصريون في الـ"نيهي" الوقت- الزمن الدائري، وهو مرتبط بالشمس والفصول والفيضان السنوي للنيل، فهو يتكرر ويدور ويتجدد. أما الـ"دجيت" فهو زمن بلا حركة، عندما يموت الفرعون فهو يمرق إلى الدجيت، زمن الآلهة والمعابد والأهرامات. لقد كان التحنيط استجابة من البشر للدجيت، كذلك كان الفن، كل ما ينتهي في الدجيت ينتهي، لكنه لا يمر؛ بل يظل أبديًا في الحاضر.  

السنوات التي أمضيتها في مصر بدت وكأنها الأطول في حياتي، خارج البيت في المدينة؛ كانت الحكومات تأتي وترحل، وفي داخل الشقة صار يصعب تمييز ابنتاي باعتبارهما الطفلتان اللتان جلبناهما إلى القاهرة وهما بالكاد تخطوان. وكلما تقدم بهما العمر أدركت أن الأطفال أكثر قدرة على العيش وفقًا لمفاهيم القدماء عن الزمن. فالأمور تتكرر على شاكلة الــ"نيهي": ألعاب وكلمات وعادات النوم، "تاني! تاني! تاني!"، ثم هناك الـ"دجيت"، الحاضر الأبدي. لم تدرك ابنتانا حياتنا قبل مجيئنا إلى مصر، لكن لم يحسبا أنها قد تنتهي.

لم تتساءلا إن كانتا تنتميان لهذا المكان، لقد أرهقتني رغبتي الدائمة في حمايتهما لكن كان شعورهما بأن الأمور طبيعية باعثًا على الاطمئنان أيضًا. في مذكراتها اليومية التي كتبتها خلال عامها الأول في روضة الأطفال كانت انقطاعات نتاشا عن الكتابة والتسجيل مجرد جزء من الـ"نيهي".

15 ديسمبر 2015: كنت أقرأ كتابًا في الليل عندما انطفأت الكهرباء. 

20 ديسمبر 2015: ذهبت إلى الأهرامات ودخلنا هناك وكان الظلام شديدًا.

27 ديسمبر 2015: انتهيت من الإفطار وعندها رحلت الأنوار. 

كثيرًا ما قالت التوأمتان للناس أنهما مصريتان. تمتعتا بالمفردات الأساسية التي يستخدمها صغار القاهريين: لتوكيد رفضهما تقولان ملوحات بأيديهما: "لأ"، ويتبعنها بهزة رأس خفيفة. وككل المصريين كانتا تخشيان البرد والمطر والصمت. كانتا تتكلمان باستمرار، ومن المستحيل أن تشعرا بأن الجو حار أكثر مما يمكن احتماله. ذات مرة زارنا صديق من ألمانيا، وكان من المضحك جدًا بالنسبة له أن يرى هاتين الطفلتين الأمريكيتين الصينتين تقولان "إحنا بنحب القاهرة"، لكن بالنسبة لهما كانت مصر "أم الدنيا".   

خلال السنة الأخيرة ذهبنا إلى القدس حيث تجولنا في الأقسام المطمورة تحت الأرض من الحائط الغربي، وعند موقع بعض الصهاريج العتيقة سأل المرشد السياحي الفتيات: "من أين تأتي المياه؟" فأجابت ناتاشا: "من النيل"، حاول المرشد دفعهما نحو الإجابة الصحيحة لكنهما حدقتا دون تعبير . وفقًا لتوبي ويلكنسون، فإن في كل ما تم اكتشافه من أدبيات مصرية قديمة، لا ترد كلمة "سحابة" سوى مرتين. 

غادرنا القاهرة في صيف 2016. كنا قد عشنا فيها نصف عقد (خمس سنوات) والآن، يحل عام الانتخابات (الانتخابات الأمريكية)، بدا أن الحكمة كانت تقتضي العودة للولايات المتحدة بعد مسألة مرسي والسيسي. كنت أتطلع للحياة في بلد يتصرف رئيسها بمسؤولية.

بكت الفتاتان طيلة الشهر الأخير تقريبًا، وأبكاهما توديع عطيات، وتوديع مدرستهم وغرفة نومهم. انتابهما القلق على قطهما الأليف وخشيتا أن تتركاه وراءهما. بالنسبة لهما كانت مغادرة مصر هي أسوأ شيء ارتكبته أنا وليزلي في حقهما. 

عندما عدنا لريدجواي بولاية كولورادو، استأجرنا شاحنة ثنائية الاتساع نحيا فيها في منطقة جبلية، تحيطنا أشجار الأَرْز. وكلما ازدادت برودة الليل، كانت فئران الحقل تتوافد على الشاحنة، فاشتريت مصائد لاصقة من الغراء. 

في ذلك الخريف كُلِّف طلاب الصف الثاني بمدرسة ريدجواي الابتدائية بأن يتخيلوا لأنفسهم اسمًا جديدًا فكتبت أرييل: "أتمنى لو كان إسمي أخانانين لأنه اسم فرعوني قديم ويذكرني بمصر". وأثناء لقاء بين أهالي الطلبة، سألني أب بلكنة ريفية من أين أتيت، وضحك حين أجبته وقال "أتعرف لقد أخبرني ابني أن هناك فتاتين مصريتين معه في الصف.. ظننت أنه يكذب". 

سلمت جمهورية مصر مرسي في الثانية وعشرين دقيقة من صباح 13 نوفمبر 2016، وقبل نقله حُقن بثلاث مليجرامات من مهديء الديازيبام وأودع في حامل قطط. قدّر الطبيب البيطري أن القط سيبقى فاقدًا للوعي لمدة 10 ساعات. القفص الذي أودعناه إياه كُتب عليه "مُصمّم وفق معايير خاصة". 

بعد خروجنا من مصر كعائلة أبقينا مرسي مع صديق في القاهرة -لأن خطوط الطيران البريطانية لديها قواعد صارمة فيما يتعلق بنقل الحيوانات عبر مطاراتها- حتى تتحقق ليزلي من الأمر. وقال هذا الصديق إنه (مرسي) هارب مبدع، فبإمكانه فتح النوافذ وأبواب الشرفات وحتى الأسلاك ذات الأقفال المنزلقة "وبسببه قمت بعمل الكثير من التغييرات في شقتي"، لكن لا يبدو عليه أنه يرحب بباقي القطط، هو شديد العدائية نحوهم.

عقب حقنه بالمهدئ، أخذته ليزلي في سيارة أجرة، واستيقظ مرسي قبل الوصول لمطار القاهرة. لم تكن هناك مشكلة في المرور من البوابات الأمنية، لكنه كان يُحدث الكثير من الضوضاء. 

أقلعت الرحلة في موعدها، وضعت ليزلي القفص تحت مقعدها وسقطت في النوم، وفي حوالي الثالثة صباحًا استيقظت مفزوعة من صوت أناس يصيحون "امسكوا هذا القط"، لم يكن واضحًا كم مسافر آخر استيقظ، لكن من كان واعيًا رأى امرأة صينية ضئيلة تطارد قط مصري ضخم بينما تهتف باسم مسجون من الإخوان المسلمين قيد الحبس منذ أكثر من ثلاث سنوات.

أمسكت به قرب الحمامات حيث كانت مضيفة الطيران الألمانية غاضبة كما يليق بمضيفة طيران ألمانية وكررت قائلة: "ماذا لو كان أحدهم يعاني من الحساسية للقطط؟" لكن ليزلي كانت قلقة أكثر على القفص الذي خرّبه مرسي تمامًا.

في مطار فرانكفورت سارت ليزلي والقط بين ذراعيها حتى عثرت على متجر يبيع أقفاص ذوات صندوق قاسي الصلابة. ومن أجل الرحلة الأخيرة داخل الولايات المتحدة؛ تعين عليها شراء قفص أخف وزنًا. باختصار؛ تطلّب نقل مرسي من القاهرة إلى ريدجواي ثلاثة أقفاص.

في اليوم الأول لمرسي كقط يحيا في شاحنة في كولورادو، تكوم مع الفتيات على الأريكة وسرعان ما بدأنا نرى فئران مقطوعة الرأس. عندما هطلت الثلوج للمرة الأولى فتحت الباب على مصراعيه وأخبرته أن يركض لأبعد ما يمكنه في الغابة، فتسلل متشممًا المسحوق الأبيض ثم عاد ليتكور على الأريكة.